دبلوماسية الصين و"الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي

دبلوماسية الصين و"الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي

دخلت ديبلوماسية السلام الصينية أخيرا في دائرة الضوء، حين سلّط الاتفاق الديبلوماسي الذي توسطت بكين فيه لإعادة العلاقات بين إيران والمملكة العربية السعودية، في أوائل شهر مارس/آذار، الضوء من جديد على دور الصين في حل التوترات الدولية.

حظيت هذه الخطوة التي رعتها الصين بأهمية ملحوظة، خاصة لأن بكين كانت تُعرَف بدورها السلبي المتلقي أكثر من دورها الفعال المبادر، وهو ما كان يشكل استراتيجية لها. لذلك، جاءت المبادرة الصينية في الاتفاق السعودي-الإيراني لتعكس حقيقة أن البراغماتية والمبادئ الخمسة للتعايش السلمي التي ألزمت الصين نفسها بها في علاقاتها مع الدول الأخرى، هي أكثر فاعلية في تمهيد السبل لتقديم حلول للنزاع.

بالمقارنة، إذا نظرنا إلى الوراء، لوجدنا كيف أثبتت حروب مكافحة الإرهاب والحروب بالوكالة بشكل عام – التي بدأتها وقادتها الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط باسم الأمن والاستقرار – أنها ليست أكثر من سرديات ومقاربات مدفوعة بالمصالح الذاتية.

يزداد الاهتمام الدولي بمعرفة ما إذا كان الاتفاق الذي توسطت فيه الصين، يمكن أن يبشّر بدور صيني ممكن في حل الأزمة الروسية- الأوكرانية. في هذا الصدد، حافظت بكين على موقف موضوعي من الأزمة ولزمت الحياد. وبينما تتمتع الصين فعليا بعلاقة استراتيجية متناغمة مع روسيا، فإن مبدأ عدم التدخل الصيني يظلّ قائما على الدوام.

وعلى ذلك، فإن طبيعة عدم الانحياز وعدم المواجهة وعدم استهداف أي طرف ثالث في العلاقة الثنائية بروسيا، تسمح للصين بوضع تعريفها المستقل للنزاع الروسي الأوكراني، الذي وصفته الصين باعتباره "أزمة" كما هو واضح في وثيقتها الرسمية التي صدرت في فبراير/شباط بعنوان "موقف الصين من التسوية السياسية للأزمة الأوكرانية".

يزداد الاهتمام الدولي بمعرفة ما إذا كان الاتفاق الذي توسطت فيه الصين، بين السعودية وإيران، يمكن أن يبشّر بدور صيني ممكن في حل الأزمة الروسية- الأوكرانية.

ويمكن لمن يتابع التصريحات الديبلوماسية الصينية عن كثب، أن يرى كيف تعزز الدقة في التعريفات موقف الصين الثابت في ما يتعلق بالقضايا ذات الصلة، وكيف تُوجه إجراءاتها السياسية. من هنا، فإن فهم النزاع الروسي -الأوكراني على أنه أزمة، يضع الأساس الضروري للجهود المتعددة الأطراف والتي تأخذ عامل الوقت بالاعتبار.

وبدعوة من نظيره الروسي الرئيس فلاديمير بوتين، بدأ الرئيس شي زيارة دولة لروسيا في 20 مارس/آذار استغرقت ثلاثة أيام. وكانت تلك أول زيارة دولة للرئيس شي منذ المؤتمر الوطني العشرين. وجاء الاجتماع بعد عام واحد من الأزمة الروسية- الأوكرانية، ما دفع الكثيرين إلى التفكير في الآفاق التي يمكن أن تولّدها الديناميات المحتملة للشراكة الاستراتيجية الشاملة المتعمقة بين البلدين، لحل الأزمة القائمة.

وعلى الرغم من دخول الصين موسمها الديبلوماسي المزدحم، فإن ذلك وحده لا يكفي، من أجل تحقيق التقدم في التسوية السياسية للأزمة الأوكرانية، ولا بد من أن يكون هنالك أدوار أخرى. 


في الخامس من أبريل/نيسان، استقبل الرئيس شي وفدا برئاسة الرئيس إيمانويل ماكرون في بكين حين قام الأخير بأول زيارة دولة للصين منذ ثلاث سنوات. وفي حين اتسم حضور رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بقِصر المدة والهدوء، فقد رافق زيارةَ الرئيس ماكرون صخب إعلامي واسع. وإن كان لذلك أن يعكس شيئا فإنه يعكس بطريقة ما حقيقة أن الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه، لا تتوافق دائما بعضها مع بعض، ولا سيما تلك التي تتطلع إلى الاستقلال الاستراتيجي.

لا يتعلق الأمر فقط بما إذا كان في إمكان الدولة متابعة مصالحها الوطنية ووضع سياساتها الخارجية والأمنية المفضلة، فالأهم من ذلك هو كيف تضع الدولة نفسها استراتيجيا في المشهد الدولي العام، ما يعني أن سعي الدولة إلى الاستقلال الاستراتيجي يمكن أن يتغير ويعتمد على تطوير البيئة الخارجية واحتياجاتها الفعلية

قبل اندلاع جائحة "كوفيد-19 " في عام 2019، أتيحت لي الفرصة لزيارة أوروبا حيث أجريت سلسلة من المحادثات مع الزملاء المعنيين فيها. وحيثما أمكنني، كنت أثير، على وجه الخصوص، مفهوم سياسة "الاستقلالية الاستراتيجية" في محادثاتنا، وكنت أطرح أسئلة حول مفهوم السياسة. وقد تولّد لديَّ اعتقاد أقوى بأن السعي وراء الاستقلالية في صنع الاستراتيجيات أمر أساسي وجزء لا يتجزأ من الحمض النووي للدولة، بدون الاقتباس من أي شخص هنا، وعلى الرغم من أن المحادثات لم تُعِدْ تشكيل وجهة نظري بالضرورة.

بالتالي، لا يتعلق الأمر فقط بما إذا كان في إمكان الدولة متابعة مصالحها الوطنية ووضع سياساتها الخارجية والأمنية المفضلة، فالأهم من ذلك هو كيف تضع الدولة نفسها استراتيجيا في المشهد الدولي العام، ما يعني أن سعي الدولة إلى الاستقلال الاستراتيجي يمكن أن يتغير ويعتمد على تطوير البيئة الخارجية واحتياجاتها الفعلية. وهذا يفسر سبب تطور مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية داخل الاتحاد الأوروبي في العقد الماضي، وإن لم يرفع لواءه أحد حتى اللحظة إلا الرئيس ماكرون، الذي دعا علانية في طريق عودته إلى فرنسا بعد زيارته الرسمية للصين، إلى بناء استقلال استراتيجي.


ويبدو أن هذا هو الوقت المناسب لدولة أوروبية رائدة مثل فرنسا لكي تعمل بشكل فعال وواقعي لتحقيق استقلال استراتيجي. وفيما يكرّر شارل ميشال، رئيس المجلس الأوروبي، صدى دعوة الرئيس ماكرون، فإن الطريق إلى حل الأزمة الأوكرانية، وهو الحدث الجيوسياسي الأكثر أهمية في أوروبا في الوقت الحالي، يمكن أن يكون أكثر شمولا وإبداعا. وإذا كانت الرئيسة فون دير لاين لا ترى للصين في حل الأزمة الأوكرانية إلا دورا مكملا فحسب، فإن الرئيس ماكرون بدأ يتصور دورا أكبر لبكين في هذه العملية. ستترك الصين للدول الأوروبية نفسها فرصة التوصل إلى إجماع، سوى أنها ستظل بلا شك لاعبا بنّاء وعمليا. 


ونعيد القول إن التسوية السياسية والسلمية للأزمة الأوكرانية تحتاج إلى الصين بدون شك، لكنها تحتاج إلى أكثر من الصين فقط.

font change