عندما تشكل "المجلس الانتقالي" عام 2017 كان لتمثيل القضية الجنوبية التي حظيت باعتراف وطني جراء نضالات الجنوبيين في مستهل الألفية، ومن ثم انتفاضة 2011 التي عززت من هذا الحضور للقضية الجنوبية، وبالتالي انعكس في أروقة مؤتمر الحوار الوطني كملف شائك وأساسي ضمن ملفات الحوار، بغض النظر عن كل إشكالات التمثيل والنقاش والإدارة، فمن المؤكد أن الاعتراف بالقضية الجنوبية صار أمرا مفروغا منه في السياسة اليمنية، وهذا إنجاز مهم كان يستحق البناء عليه.
وعندما اندلعت الحرب في 2015 وانسحبت القوات الحوثية من مدينة عدن، كانت لدى من يمثلون أو يدعون تمثيل القضية الجنوبية من سياسيين فرصة للانخراط في العمل السياسي بشكل يتجاوز مجرد تأكيد أحقية الجنوبيين ومظلوميتهم، لما يعالج مشاكلهم الملحة في لحظة حرجة تلاشت فيها مؤسسات الدولة، في وقت يشهد فيه البلد صراعا أهليا وإقليميا متعدد الأطراف والمستويات.
عوضا عن الالتفات لمصالح الناس الملحة، احتفظت غالبية القيادات من داخل الحراك الجنوبي بخطابها الشعبوي الذي يتناسب مع مرحلة التحشيد وانتزاع الاعتراف بإشكالية الجنوب المستمرة منذ حرب 1994. الخطاب الشعبوي في الساحات الذي يستند على مشاعر الحنين للماضي والمظلومية لا ينفع، فالمنطق السياسي العملي لا تنجزه الحقوق والمظالم بل العمل المرتبط بالواقع ومصالح الناس.
ففي وقت كان يواجه الجنوب تحديا استثنائيا ومختلفا كليا عن مرحلة الدولتين والمعسكرين العالميين أو مرحلة السلطوية المفرطة والتهميش التي اتسمت بها فترة الوحدة بعد عام 1994، وبالتالي كان ينبغي بناء تصورات المستقبل على الواقع وليس على تصورات ماضوية منفصلة عن الواقع.
في تصورات الماضي، يتناسي أصحاب نظرية الحنين لمرحلة "الحزب الاشتراكي" أمرين، أولهما أنه لا تنهار مرحلة أو دولة إلا لأنها كانت تمتلك كل مقومات الفشل والانهيار، وليس فقط للعامل الخارجي الذي مثلته قوة حكومة صنعاء، التي اجتاحت الجنوب حينها. ذاك الانهيار بدا واضحا منذ الحرب الأهلية بين فصائل "الحزب الاشتراكي" في عدن عام 1986. الأمر الثاني أن جزءا من تحديات مرحلة الوحدة كانت صعوبة الانتقال من المنظومة الاشتراكية للرأسمالية، وبالتالي نظرية الحنين لمرحلة تساوي الدخل وبساطة الحياة والدولة الحاضنة لكل أبناء المجتمع رغم ضعف الإنتاجية، هذه كلها تنتمي لمشروع جاء ضمن سياق تاريخي وسياسي انتهى ولا يسمح بتكراره.
الأسوأ من هذا، هو التبني المستمر لخطاب هوياتي في محاولة خلق اختلاف جذري بين الشمال والجنوب. من المعلوم أن الخلاف الهوياتي لا وجود له، فالجنوب لا يتمايز قوميا أو عرقيا أو ثقافيا أو دينيا عن الشمال، لكن الخلاف مرتبط باختلاف الإرث السياسي. إرث الانقسام والاستعمار الطويل بالجنوب والذي لحقته فترة قصيرة ومضطربة من حكم "الحزب الاشتراكي" لا تتجاوز ثلاثة وعشرين عاما، وإرث الإمامة الزيدية بكل تحفظها وعزلتها بالشمال وحكم جمهوري يعاني من إشكاليات كبيرة بسبب تداخل القبيلة والسلطة السياسية لأسباب عديدة، ولكلا الإرثين ماضيه الثقيل بالإشكاليات والأزمات التي كان ينبغي الوعي بها.
عوضا عن التعامل مع تاريخ الجنوب الذي لا يزال يمتلك ذاكرة طويلة وقريبة من الانقسام والتدخل الخارجي في عهد الاستعمار البريطاني، قررت تيارات من داخل الحراك تبني سردية الاستعمار وهو الجنوب العربي، والذي خلق حالة تصالح مع مرحلة الاستعمار مشرعة الباب للتدخلات الإقليمية الواسعة حاليا بسبب ضعف الحساسية تجاه مرحلة الاستعمار، كما تناسى أصحاب فرضية الجنوب العربي أن هذا الكيان الاستعماري لم يشمل يوما حضرموت والمهرة وشبوة. كذلك قوضت فكرة الجنوب العربي السردية السياسية والقانونية لما يعرف بمطلب استعادة الدولة الجنوبية قبل عام 1990، والتي كانت تعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية أو اليمن الجنوبي.
تجاهل "المجلس" خطورة تدهور الأوضاع المعيشية لدى الناس، وسرعان ما بدأ يلعب لعبة التلاوم الشهيرة في السياسة اليمنية وهي لعبة تشارك السلطة دون نسيان الحصول على كل امتيازاتها
الأدهى من هذا هو وقوع الخطاب الجنوبي في إشكاليات وقع فيها خطاب الوحدة سابقا. كان خطاب الوحدة اليمنية يبنى على وهم أن وحدة اليمن أمر بديهي والهوية الوطنية بسيطة وليست مركبة، كذلك يتحدث الخطاب الجنوبي عن وحدة الجنوب كأنها أمر مضمون وهوية الجنوب بسيطة، متجاهلا إرث الانقسام وهو غير بعيد وأطول بكثير من فترتي الوحدة الجنوبية واليمنية. هذا الخطاب بنى تصورات وهمية أنه بمجرد تحقيق الوحدة ستتقدم البلاد وتنحل العقد وكذلك خطاب فك الارتباط أو الانفصال يتجه لنسج ذات الأوهام، بسبب غياب مشروع سياسي يستطيع أن يحقق تقدما فعليا ويخلق الاندماج السياسي المطلوب للدولة الوليدة.
هذه التصورات الوهمية التي تتجاهل ضرورة المشاريع السياسية التي تخلق مواطنة متساوية وتعزز مفهوم الدولة الجديدة تعول بشكل كبير على القوة لتكريس حضورها، والقوة المسلحة ليست مدانة بالمطلق في السياسة، لكن من دون مشروع سياسي مستقبلي تصبح فكرة خطيرة، حتى لو حققت انتصارات سريعة، فهي تخلق انقسامات وثارات طويلة الأمد.
تشكل "المجلس الانتقالي" عام 2017 مكرسا لكل العلل السابقة، الانفصال عن الواقع وعدم قراءة التاريخ والتعامل مع التدخلات الخارجية بثقة وحتمية بينما يتصاعد خطاب الهوية والكراهية ضد الشمال، واستمر في استثمار غضب الناس وإحباطهم. حتى بعد أن أصبح جزءا من السلطة ثم جزءا أساسيا ومتفوقا داخل السلطة، ظلت أدوات "الانتقالي" مرتبطة بالشعبوية وليس السياسة، وظل متمسكا ببيع أوهام الدولة الجنوبية رغم المعارضة الإقليمية الواضحة والتعقيدات الدولية، ناهيك عن فشله المستمر في معالجة الانقسامات الجنوبية.
تجاهل "المجلس" خطورة تدهور الأوضاع المعيشية لدى الناس، وسرعان ما بدأ يلعب لعبة التلاوم الشهيرة في السياسة اليمنية وهي لعبة تشارك السلطة دون نسيان الحصول على كل امتيازاتها والتخلي عن المسؤولية ملقيا باللوم على الآخرين، ورغم أن "المجلس" كان صاحب اليد العليا في الحكومة. لم يبد "المجلس" قدرا من المسؤولية في سلطته ولم يمارس شيئا من الانفتاح السياسي والعملي لتحسين أدائه في إدارة الدولة من خلال توظيف الكفاءات وليس الاقتصار على أصحاب الولاءات ممن يتبنون خطاب المزايدة ويكيلون المديح لقيادة "المجلس" حتى غرق بعضه في الفساد. وبالتالي فشل في تعزيز وجوده كممثل للقضية الجنوبية حتى ضمن قاعدته الشعبية المفترضة والتي تتبنى مطلبه في فك الارتباط.
التوسع جغرافياً وليس مجتمعياً وبقوة السلاح نحو الشرق دون إدراك الانقسامات الاجتماعية والسياسية الجنوبية، لأن الجنوب ليس موحدا بداهة كما هي اليمن، وكذلك دون اعتبار للحساسيات والمخاوف الإقليمية لدول الجوار هو نتيجة طبيعية لفقدان الصلة بالواقع والتاريخ، والارتهان للخارج والتحول إلى أسير للحظة ماضوية لا يمكن استعادتها.
يعد "المجلس الانتقالي" حالة فريدة من الحالات الانفصالية في العالم، فهي الحالة الوحيدة التي لا تطالب باستفتاء ولا تريد أن تبني مشروعها على فكرة الاستفتاء، هذه مسألة لا تعد فقط احتقارا لإرادة الشعب الذي يدعي تمثيله بل مرتبطة بحقيقة أن "المجلس" لا يضمن أغلبية شعبية في مناطق حرجة مثل عدن وحضرموت وغيرهما، لهذا يلجأ "المجلس" دوما للشارع والتحشيد اللذين لا يبنيان شرعية في هكذا مواقف، خاصة عندما يكون الداعي للتحشيد هو السلطة المتغلبة.
لهذا، بحكم التأسيس الخارجي-الإقليمي لـ"المجلس"، صار وبشكل متصاعد يوظف القضية الجنوبية لخدمة قوى إقليمية وليس العكس، حيث من المفترض أنه يبني تحالفات إقليمية لخدمة القضية التي يدعي تمثيلها، مما يفسر المسار الذي اتخذه مؤخرا، فيما يعد مغامرة كبرى بسبب غياب الرضا المجتمعي المحلي وإدخاله الجنوب في نزاع إقليمي لن يضمن وحدته، بل يفتح الباب لتدخل، له كلفته المفزعة على اليمن والجنوب وليس فقط على "المجلس".