العاطفة والمعرفة بين الفلسفة والتجربة الإنسانية

العاطفة والمعرفة بين الفلسفة والتجربة الإنسانية

استمع إلى المقال دقيقة

ليسوا قلة من يدهشون حين تربط المعرفة بالعاطفة، لأنهما يبدوان متنافرين. ظل سؤال المعرفة قرونا طويلة محكوما بسلطة العقل، وكأن الفهم لا يتحقق إلا حين ينجو الفكر من كل أثر للشعور. غير أن تاريخ الفلسفة نفسه يكشف لنا أن هذا التصور لم يكن يوما محل إجماع حقيقي، بل كان موضع مراجعة دائمة، وأن كبار المفكرين تعاملوا مع العاطفة لا بوصفها عدوا للمعرفة، بل بوصفها جزءا من بنيتها العميقة.

عند أفلاطون تظهر العاطفة في صورة مزدوجة، فقد تضل حين تستبد بالجسد، لكنها أيضا قوة دافعة نحو الخير حين تتجه إلى حب الحكمة والجمال. المعرفة عنده لا تولد من البرهان وحده، بل من الانجذاب نحو الحق، وهذا الانجذاب حالة وجدانية قبل أن يكون موقفا عقليا. أما أرسطو فتعامل مع الانفعالات بوصفها جزءا من تكوين النفس لا يمكن تجاهله في بناء الفضيلة، فالأخلاق عنده ليست علما نظريا بل تربية للشعور بحيث يصبح الإنسان قادرا على الإحساس المناسب في الموقف المناسب.

وذهب سبينوزا أبعد من ذلك، فاعتبر أن الفهم الحقيقي لا يتحقق إلا حين تتحول العاطفة من انفعال أعمى إلى قوة واعية، فالمعرفة ليست نقيضا للشعور بل تحويل له. هيوم بدوره قلب التصور التقليدي حين رأى أن العقل تابع للعاطفة، وأن أحكامنا في الخير والشر لا تقوم على البرهان بل على الإحساس. ورأى شوبنهاور أن جوهر الإنسان ليس الفكر بل الإرادة، وأن ما نسميه معرفة كثير منه صدى لرغبات عميقة غير واعية. ونيتشه أخيرا حطم الوهم القائل بعقل محايد، واعتبر أن كل فكر هو تعبير عن مزاج وقوة حياة، وأن الفلسفة نفسها اعتراف مقنع لا بناء مجرد. هذه المسارات المختلفة تؤكد أن العاطفة لم تكن طارئة على التفكير الفلسفي، بل كانت دائما في قلبه وإن اختلفت التقييمات.

لكن ليس كل شعور جديرا بأن يكون طريقا للمعرفة. هنا يبرز الفرق بين العاطفة السطحية والعاطفة الوجودية العميقة. العاطفة السطحية سريعة الاشتعال وسريعة الزوال، مرتبطة بالعادة أو بالإثارة أو بالمصلحة، وهي غالبا لا تكشف شيئا إلا عن تقلب المزاج. أما العاطفة العميقة فهي تلك التي تهز البنية الداخلية للإنسان، كالخوف الوجودي، والحب الذي يعيد تشكيل نظرتنا للعالم، والحزن الذي يكشف هشاشتنا، والدهشة التي تفتح وعينا على أبعاد لم نكن نراها. هذه العواطف لا تضيف معلومات، لكنها تغير موقعنا من الوجود نفسه، ومن هذا التغير تنشأ معرفة مختلفة في طبيعتها، معرفة تمس المعنى لا الوقائع.

 هذه المسارات المختلفة تؤكد أن العاطفة لم تكن طارئة على التفكير الفلسفي، بل كانت دائما في قلبه وإن اختلفت التقييمات

من هذا المنظور تصبح العاطفة أساسا للحقيقة الأخلاقية. فالقانون قد يصاغ عقليا، لكن قيمته لا تظهر إلا حين يتحول إلى إحساس حي. يمكن للعقل أن يبرهن على ضرورة العدالة، لكنه لا يجعل الإنسان عادلا. الذي يجعل الظلم مرفوضا هو الألم الذي نشعر به حين نراه، والقلق الذي يوقظه في ضميرنا، والقدرة على أن نضع أنفسنا موضع الآخر. أخلاق بلا تعاطف تتحول إلى منظومة صورية باردة، قابلة للتبرير والتلاعب. أما حين تتأسس الأخلاق على الإحساس بالآخر فإنها تصبح خبرة إنسانية حقيقية لا مجرد نظرية في السلوك.

والأمر ذاته يظهر في علاقة الإنسان بذاته. الوعي بالذات لا يتكون عبر التأمل العقلي وحده، بل عبر الاحتكاك الوجداني بالحياة. الإنسان قد يعرف تعريفات كثيرة عن شخصيته، لكنه لا يعرف نفسه حقا إلا حين يمر بلحظات تكشفه لنفسه بلا وساطة، لحظة غيرة تكشف تعلقا خفيا، لحظة خسارة تكشف قيمة ما كان يملكه، لحظة خوف تكشف حدود قوته، لحظة حب تكشف طاقته على الخروج من أنانيته. هذه التجارب ليست معطيات نفسية فحسب، بل مصادر للمعرفة، لأنها تعيد تشكيل صورة الذات وتفتح طبقات لم يكن العقل وحده قادرا على بلوغها.

من هنا يصبح نقد العقلانية الباردة ضرورة لا مجرد خيار نظري. العقلانية التي تتعامل مع الإنسان ككائن حسابي، وتقصي المشاعر بوصفها تشويشا، تنتج معرفة دقيقة لكنها مبتورة. إنها تفسر كثيرا من الظواهر لكنها تعجز عن فهم التجربة الإنسانية ذاتها. العالم الحديث حقق تقدما مذهلا في السيطرة التقنية، لكنه في الوقت نفسه أنتج شعورا واسع الانتشار بالفراغ وفقدان المعنى، لأن أدواته المعرفية تجاهلت البعد الوجداني الذي يعطي للحياة طعمها واتجاهها. حين يتحول العقل إلى جهاز ضبط فقط، يفقد قدرته على الإصغاء، ويغدو الإنسان غريبا عن نفسه رغم وفرة المعلومات.

لهذا يمكن القول إن العاطفة ليست حالة نفسية عرضية، بل طريق إلى المعنى. الإنسان لا يبحث عن الوقائع فقط، بل عما يجعل وجوده جديرا بأن يعاش. هذا المعنى لا يعطى عبر المعادلات ولا عبر التحليل المفهومي المجرد، بل عبر التجربة التي تمس القلب والوعي معا. الحب يمنح الوجود كثافة، الألم يمنحه عمقا، الدهشة تمنحه اتساعا، وكلها أشكال من المعرفة لا تختزل إلى بيانات. حين يشعر الإنسان بأن حياته ذات مغزى، فإن هذا الشعور ليس وهماً نفسيا بل إدراك وجودي لحقيقة علاقته بالعالم.

 هذه ليست دعوة إلى تمجيد الانفعال، بل إلى استعادة التوازن الذي يجعل الإنسان كائنا يعرف لأنه يعيش، لا لأنه يحسّ فقط

بهذا الفهم تصبح المعرفة فعلا مركبا لا يكتمل إلا باتحاد الحساسية والفكر. العقل يمنح الوضوح، والعاطفة تمنح الاتجاه. العقل يرسم الحدود والعاطفة تكشف القيمة. وحين يغيب أحدهما يختل الميزان، فإما عقل بلا روح، وإما شعور بلا بصيرة. أما حين يتفاعلان بصدق، يتشكل وعي قادر على أن يفهم وأن يحس، وأن يمنح لما يفهمه مكانه في الحياة. هذه ليست دعوة إلى تمجيد الانفعال، بل إلى استعادة التوازن الذي يجعل الإنسان كائنا يعرف لأنه يعيش، لا لأنه يحسّ فقط.

font change