السعودية ومفهوم الدولة

السعودية ومفهوم الدولة

استمع إلى المقال دقيقة

ليس من السهل فهم السياسة السعودية إذا قرئت فقط بمنطق التحالفات الظرفية أو الحسابات التكتيكية قصيرة الأمد، لأن خلف كثير من مواقفها تصورا أعمق يتعلق بفكرة الدولة ذاتها. فالمملكة لا تتعامل مع الدولة بوصفها مجرد أداة من أدوات النفوذ، بل بوصفها قيمة سياسية وجودية، أي إطارا ضروريا لحفظ النظام والمعنى والأمان. ولهذا كثيرا ما تبدو مواقفها من الأزمات الإقليمية وكأنها تنحاز إلى مبدأ الدولة قبل أن تنحاز إلى مضمونها، وإلى بقاء الكيان السياسي قبل أن تنشغل بطبيعة النظام القائم داخله.

هذا التصور لم يولد من فراغ، بل تغذى من تجربة تاريخية قاسية في المنطقة العربية، حيث أثبت انهيار الدول في أكثر من موضع أن الفراغ السياسي لا يولّد حرية ولا ديمقراطية، بل يولد ميليشيات، وانقسامات طائفية، وتفككا اجتماعيا، وتدخلا خارجيا، وانهيارا للاقتصاد وللحياة اليومية. التجربة العراقية بعد سقوط الدولة، والتجربة الليبية، والتجربة اليمنية، والتجربة السورية في مراحل متعددة، كلها شواهد حية على أن انهيار الدولة لا يفتح طريقا للخلاص بل يشرع بابا للكارثة. ومن هنا يمكن فهم الحساسية السعودية العالية تجاه أي مشروع يهز بنية الدولة، حتى لو كان يرفع شعارات جذابة في ظاهرها.

فلسفيا، يمكن القول إن هذا الموقف ينتمي إلى تصور محافظ بالمعنى العميق للكلمة، لا بمعنى الجمود بل بمعنى الوعي بأن وجود الدولة هو الشرط الأول لكل إصلاح ممكن. فلا حرية من دون إطار قانوني يحميها، ولا عدالة من دون مؤسسات قادرة على تطبيقها، ولا تنمية من دون استقرار يسمح بالتخطيط الطويل المدى. الدولة هنا ليست مجرد جهاز إداري، بل هي البنية التي تجعل الاجتماع البشري قابلا للاستمرار. ولهذا فإن انهيار الدولة يعني انهيار السياسة نفسها، وتحول المجتمع إلى ساحة صراع بين قوى هاجرة لكل التزام.

الدولة هنا ليست مجرد جهاز إداري، بل هي البنية التي تجعل الاجتماع البشري قابلا للاستمرار

هذا الفهم يفسر أيضا سبب رفض السعودية التقليدي للثورات، لا لأنها ضد التغيير من حيث المبدأ، بل لأنها ترى أن التغيير الذي يهدم الدولة قبل أن يبني بديلا مؤسسيا واضحا هو تغيير انتحاري. فالتاريخ القريب علمها أن من يرفع شعار إسقاط الدولة غالبا لا يملك تصورا واقعيا لما بعدها، وأن النتيجة النهائية تكون تفتت المجتمع وضياع السيادة وفتح الأبواب أمام قوى خارجية تعبث بالخراب. من هنا يصبح الدفاع عن الدولة، حتى إن كانت الدولة الأخرى خصما سياسيا، موقفا عقلانيا لا مجرد حساب مصلحي.

وهذا لا يعني أن السعودية ترى كل دولة على أنها نموذج كامل أو أنها تتغاضى عن أخطاء الأنظمة السياسية، بل يعني أن معيارها الأول هو الحفاظ على الكيان السياسي من التفكك. فالدولة الناقصة يمكن إصلاحها من الداخل، أما الدولة المنهارة فلا يمكن إصلاحها أصلا. الدولة السيئة تظل قابلة للتفاوض والإصلاح والتطوير، أما غياب الدولة فلا يترك مجالا إلا للعنف العاري. ولهذا يصبح الدفاع عن الدولة موقفا أخلاقيا بقدر ما هو سياسي، لأنه دفاع عن الحد الأدنى من الحياة الممكنة.

وإذا أردنا أن نضع هذا التصور في أفق الفكر السياسي الكلاسيكي، وجدنا أنه يلتقي مع خطوط كبرى في الفلسفة الحديثة. توماس هوبز، في كتابه "الليفياثان"، انطلق من تصور قاتم للطبيعة البشرية حين تترك بلا سلطة عليا، ورأى أن غياب الدولة يعيد الإنسان إلى حالة حرب الجميع ضد الجميع، حيث لا قانون ولا أمن ولا صناعة ولا ثقافة ولا مجتمع، وحيث تكون حياة الإنسان فقيرة وقاسية وقصيرة. الدولة عند هوبز ليست مثالية، لكنها ضرورة وجودية، لأن أي سلطة، مهما كانت ناقصة، أفضل من الفوضى الشاملة. هذا المنطق يلتقي بوضوح مع الفكرة التي ترى أن سقوط الدولة ليس تحررا بل انهيار.

أما هيغل فقد دافع عن الدولة من زاوية مختلفة تماما. لم ينطلق من الخوف بل من العقل والحرية. في كتابه "أصول فلسفة الحق" يرى أن الدولة ليست مجرد جهاز قمع أو تنظيم، بل هي تحقق الفكرة الأخلاقية في الواقع، وهي الشكل الذي يصبح فيه العقل واقعا تاريخيا. الفرد عند هيغل لا يمتلك حقيقته كاملة إلا داخل الدولة، لأن الحرية لا تكون حرية فعلية إلا داخل نظام قانوني عقلاني ينظم العلاقات ويجعل الاعتراف المتبادل ممكنا. خارج الدولة لا توجد حرية حقيقية، بل مجرد رغبات متصارعة بلا إطار جامع.

تبدو السعودية ميالة إلى الحلول التي تحافظ على الهياكل القائمة وتمنع تفككها، حتى لو كانت تلك الهياكل تحتاج إلى إصلاح عميق

الفرق بين هوبز وهيغل كبير في المنطلق والمنهج، فهوبز يبرر الدولة بالخوف من الفوضى، وهيغل يبررها بالأمل في تحقق العقل والحرية، لكن النتيجة واحدة عند كليهما، انهيار الدولة ليس خلاصا بل سقوط في العدم السياسي. من هذه الزاوية يمكن فهم الموقف الذي يجعل من الدفاع عن الدولة أولوية، لا بوصفه دفاعا عن نظام بعينه، بل دفاعا عن الإطار الذي يجعل السياسة والحياة المشتركة ممكنتين أصلا.

وهذا الفهم لا يعني الجمود أو رفض التطور. على العكس، فالمملكة نفسها تشهد في السنوات الأخيرة تحولات كبيرة في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكنها تحرص على أن يكون هذا التغيير من داخل الدولة لا على أنقاضها. الإصلاح هنا يفهم بوصفه عملية إعادة بناء تدريجية، لا قطيعة فوضوية. وهذا ينسجم تماما مع تصور الدولة بوصفها قيمة ينبغي تطويرها لا هدمها. فالتغيير من داخل الدولة يحافظ على الاستقرار ويمنع الانزلاق إلى المجهول.

ومن زاوية أعمق يمكن القول إن هذا الموقف يعكس فهما خاصا لمعنى السياسة نفسها. السياسة هنا ليست مجرد صراع على السلطة، بل فن إدارة الممكن وحماية الحد الأدنى من النظام الذي يجعل الحياة المشتركة قابلة للاستمرار. لهذا تبدو السعودية ميالة إلى الحلول التي تحافظ على الهياكل القائمة وتمنع تفككها، حتى لو كانت تلك الهياكل تحتاج إلى إصلاح عميق.

بهذا المفتاح يمكن فهم مواقفها من أزمات كثيرة في المنطقة، حيث كانت تميل إلى دعم استمرارية الدولة ومؤسساتها ورفض كل ما يؤدي إلى تفكيكها. قد يختلف مع هذه السياسة في تفاصيلها، وقد تنتقد بعض نتائجها، لكن من الصعب إنكار أنها تقوم على رؤية متماسكة لفكرة الدولة بوصفها شرطا للأمن والمعنى. هذه ليست برغماتية سطحية، بل رؤية سياسية ذات جذور فلسفية عميقة، حتى لو لم تصغ دائما بلغة فلسفية.

في النهاية يمكن القول إن السعودية، في تصورها العميق للسياسة، لا تدافع عن الدولة بوصفها كيان قوة فقط، بل بوصفها الإطار الوحيد الذي يحمي المجتمعات من الانزلاق إلى العدمية السياسية. هي تدرك أن الفوضى لا تنتج حرية، وأن انهيار الدولة لا يولد كرامة، وأن الأمن ليس ترفا بل شرط لكل حياة إنسانية ممكنة.

ومن هنا نفهم أيضا موقفها الذي لا تتراجع عنه، ضرورة وشرطية قيام الدولة الفلسطينية، لا بوصفها شعارا عاطفيا، بل بوصفها شرطا سياسيا وأخلاقيا لقيام نظام إقليمي قابل للحياة، ولإنهاء حالة اللادولة التي لا تنتج إلا العنف المفتوح وعدم الاستقرار الدائم. فغياب الدولة الفلسطينية لم يؤد إلى سلام، بل إلى فراغ دائم يولد التطرف ويغذي الصراع ويجعل المنطقة كلها تعيش في توتر مزمن.


معركة الدولة هي معركة الوجود السياسي ذاته، ومن دونها يصبح الحديث عن نهضة أو كرامة أو استقلال مجرد خطاب بلا أرض يقف عليها

في هذا الأفق ذاته، يصبح الموقف الطبيعي أن تقف معها كل الدول العربية والإسلامية، لا بدافع الاصطفاف السياسي الضيق، بل انطلاقا من إدراك أعمق بأن استعادة مفهوم الدولة في العالم العربي، بعد أن مزقت دول ودمرت جيوش الكثير من الدول العربية، وفتحت مجتمعات على الفوضى، وهي المعركة الأهم في هذا العصر. فالدفاع عن الدولة اليوم ليس دفاعا عن أنظمة بعينها، بل دفاع عن إمكان الاجتماع نفسه، وعن الحد الأدنى من السيادة، وعن إمكانية أن يكون للعرب والمسلمين مستقبل سياسي لا تحكمه الميليشيات ولا تمليه العواصم الخارجية. إن معركة الدولة هي معركة الوجود السياسي ذاته، ومن دونها يصبح الحديث عن نهضة أو كرامة أو استقلال مجرد خطاب بلا أرض يقف عليها.

font change