ما مصير كتب التراث العربي؟

ما مصير كتب التراث العربي؟

استمع إلى المقال دقيقة

في زمن تعاد فيه صياغة المعرفة الإنسانية بشكل غير مقنن، يجب أن يعاد فيه السؤال عن مصير كتب التراث العربي باعتبارها قضية في حاضر العرب ورصيدهم المعرفي المستقبلي. هل ستهمل المكتبة التراثية التي أسست علوم الطب والفلك والرياضيات والاجتماع، أم ستجد مؤسسات ثقافية تحمي مخطوطها من الزوال عبر إعادة استثمارها كمؤثر عالمي، تماما كما كانت قديما أحد محركات الحضارة الإنسانية؟

ما يجعل من كتب التراث العربي إحدى ثروات العلوم البشرية هو تعدد مجالاتها، وشموليتها العلمية والتطبيقية، إضافة إلى كونها شبكة معقدة من الأمكنة والذكريات والخرائط الزمنية المتعاقبة، التي تعكس خبرة الشعوب وحركة الفكر عبر القرون. فالمكان التراثي العربي مثلا يمكن الاستدلال عليه بالنقوش باعتبارها الشاهد الأكبر، وكذلك بما دونته كتب التراث من أحداث أهله، وممارساتهم، ومعارفهم.

وهذا بعض ما أدركه المستشرقون والباحثون الغربيون منذ وقت مبكر، مؤكدين أن المكتبة العربية وتحديدا التراثية منها تحتوي على مفاتيح مهمة لفهم تاريخ العلوم والأديان واللغات في الشرق، ومن يومها انطلقت موجة واسعة لجمع المخطوطات وفهرستها ودراستها في المراكز العلمية الأوروبية والغربية في سياق علمي اختلط فيه الفضول المعرفي بالأهداف الاستراتيجية. ومهما كان وبال تلك المرحلة إلا أنه لا يمكن إغفال ما أسهمت به في خدمات علمية مهمة للتراث العربي، أبرزها إدخال مناهج التحقيق الحديثة، وطباعة نصوص كثيرة لأول مرة من مخطوطاتها، ما أسهم في لفت الانتباه العالمي إلى قيمة هذا التراث وأهميته في تاريخ المعرفة الإنسانية.

عندما وصلت تلك العلوم العربية، كما دونها الأوائل، إلى الغرب، تحول المستعمر والمستعرب والمستشرق إلى مستثمر وجد كنزه في كتب التراث، فنقلت أعداد كبيرة من المخطوطات إلى المكتبات الأوروبية. وفي المقابل، احتكرت المراكز البحثية الغربية زمام المبادرة في دراسة التراث العربي لفترة طويلة. وهكذا، يمكن القول إن المستعمر كشف، دون قصد منه، عن ضخامة الثروة المعرفية العربية، لكنه في الوقت ذاته عمق فجوة امتلاكها المؤسسي، وهي فجوة ما زال العالم العربي يسعى إلى ردمها حتى اليوم.

ولا يمكن استعادة تاريخ خدمة كتب التراث العربي بموضوعية دون الإقرار بالدور الذي اضطلع به بعض المستشرقين المخلصين خلال القرنين الماضيين، وتحديدا أولئك الذين شكلوا مدرسة علمية أسهمت في لفت الأنظار إلى كنوز المخطوطات العربية في وقت كان فيه جزء كبير من هذا التراث يعاني الإهمال أو التشتت. وعليه، تقتضي القراءة المتوازنة التمييز بين الجهد العلمي من جهة، والخلفيات الفكرية لبعض القراءات من جهة أخرى. كما لا يمكن إغفال الأسماء الكبرى التي قرأت النصوص العربية في سياقها الحضاري، معتمدة على مناهج تحقيق ودراسة دقيقة أسهمت في تطوير علم المخطوطات (الكوديكولوجيا) وتوسيع حضور التراث العربي في الدوائر الأكاديمية العالمية. من تلك الأسماء المستشرق البريطاني هاملتون جب، والباحث الألماني الأميركي فرانتس روزنتال، والمؤرخ الأسكتلندي مونتغمري وات.

المستعمر كشف، دون قصد منه، عن ضخامة الثروة المعرفية العربية، لكنه في الوقت ذاته عمق فجوة امتلاكها المؤسسي

وبينما نستذكر الجهود التي بذلها هؤلاء المستشرقون لتحقيق أقصى فائدة لمجتمعاتهم، فإننا لا نغفل أدوار الباحثين والمهتمين العرب، وما أنجزته بعض المؤسسات من مراكز متخصصة في تحقيق المخطوطات، ومشاريع الرقمنة، وإقامة معارض للكتاب التراثي، وإصدار سلاسل نشر محققة سعت لتقديم النصوص الكلاسيكية في طبعات علمية أكثر دقة. كما لا ينسى مشروع الربط بين التحقيق الورقي والمنصات الرقمية الذي أتاح للباحثين والقراء الوصول إلى مواد كانت حتى وقت قريب محصورة في خزائن محدودة. ومع كل هذا التقدم، لا تزال هناك فجوة تتمثل في غياب قاعدة بيانات عربية موحدة وشاملة للمخطوطات، وغياب خريطة استراتيجية تربط بين التحقيق والنشر والتعليم، الأمر الذي يحد من الأثر التراكمي لهذه المبادرات.

إن التحدي الأكبر يتمثل في الانتقال من مرحلة المبادرات المتفرقة إلى بناء مشروع عربي شامل يحول خدمة كتب التراث إلى صناعة معرفية مستدامة، تقوم على التخطيط طويل المدى، والتكامل المؤسسي، والاستثمار الرقمي. فالأمر لم يعد يتعلق بإطلاق مشاريع جديدة بقدر ما يتعلق ببناء منظومة عمل تتسم بالكفاءة والاستمرارية. وفي السياق ذاته، يمثل دمج التراث في التعليم ضرورة استراتيجية. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجال فهرسة النصوص، أصبح بالإمكان تحليل المحتوى وتصنيف المواضيع وربطها بقاعدة معرفية ضخمة، والاستفادة من هذه التقنيات المتاحة باتت ضرورة حضارية يمكن أن تشكل أساسا لبناء اقتصاد ثقافي رقمي مستدام، يعيد للتراث مكانته الطبيعية في صناعة الهوية والوعي الجمعي للأمة.

من المهم أيضا تقريب التراث من الجيل الجديد باستخدام لغته وأساليبه المعاصرة، وذلك عبر الطبعات المبسطة والمنصات الرقمية التفاعلية، ليصبح جزءا لا يتجزأ من ثقافتهم اليومية وفكرهم النقدي، فالأمم التي تفقد صلتها بكتبها التأسيسية ستفقد تباعا القدرة على رسم ملامح مستقبلها، ما يضعف تدريجيا مشاركتها الفاعلة في صناعة المعرفة العالمية. لذا، فإن استعادة التراث وإعادته إلى مكانته الطبيعية ليست مجرد رفاهية ثقافية، بل هي واجب حضاري ومسار استراتيجي يضمن استمرارية هوية الأمة وعمقها الفكري، ويؤمن استمرار الصلة الحية بين الأجيال وميراثها الفكري، ومصدر إلهامها، ومقياس وجودها بين الأمم.

إن الفشل في حفظ التراث وتفعيله لا يعني مجرد ضياع المخطوطات، بل هو فقدان للهوية الثقافية ذاتها

إن الفشل في حفظ التراث وتفعيله لا يعني مجرد ضياع المخطوطات، بل هو فقدان للهوية الثقافية ذاتها. والتاريخ يقدم لنا درسا بليغا في تجربة حضارة المايا التي ازدهرت بين عام 2000 قبل الميلاد و1500 ميلادية، ثم تلاشت تدريجيا حين انقطعت الصلة الحية بين أجيالها وموروثها المعرفي. والرسالة هنا واضحة: التراث الذي لا يعاد تفعيله في الحاضر، يتحول ببطء إلى مجرد ذاكرة منسية.

font change