لم يكن برنامج "أبناؤنا في الخارج" الذي قدمه الإعلامي السعودي الراحل ماجد الشبل في أواخر الستينات مجرد نافذة تلفزيونية ترصد أحوال المبتعثين السعوديين، بل كان في جوهره محاولة مبكرة لطرح سؤال الهوية حين يلتقي المحلي بالعالمي. واليوم، وفي ظل التحولات المتسارعة والثورة الرقمية التي ألغت الحدود النفسية قبل الجغرافية، أصبحت تجربة الدراسة في الخارج أكثر تعقيدا وتأثيرا، فالطالب صار ينتقل بين منظومات قيم وسرديات ثقافية تعيد تشكيل وعيه بذاته وبالعالم.
إن الدراسة في الخارج هي تجربة إنسانية عميقة، تتجاوز الجانب الأكاديمي، لأنها تفتح المجال أمام ما يمكن تسميته "المثاقفة" (acculturation)، أي التفاعل الحي بين الثقافات الذي يدفع الإنسان إلى إعادة اكتشاف ذاته من خلال الآخر. وهنا تتجلى المفارقة، فكلما اقترب الإنسان من العالم، ازدادت حاجته إلى جذوره الأولى، وكلما اختبر اختلاف الآخرين، ازداد وعيه بتكوينه الثقافي الخاص.
وقد أثبتت التجارب أن الطالب المبتعث يمر غالبا بمراحل متداخلة تبدأ بالانبهار، ثم الصدمة الثقافية، قبل أن يصل- إذا نضجت التجربة- إلى مرحلة إعادة بناء الهوية بصورة أكثر اتزانا ووعيا. فالتعرض المكثف لثقافة جديدة قد يولد شعورا بالاغتراب والقلق، خصوصا عندما يجد الطالب نفسه بين منظومتين مختلفتين في اللغة والقيم وأنماط الحياة. لكن الوجه الآخر لهذه الرحلة أكثر عمقا، إذ يمنح الاحتكاك بالعالم قدرة أعلى على فهم الذات والآخر، وينتج وعيا إنسانيا أكثر انفتاحا ومرونة. "ارتحلوا... انطلقوا أيها الرحالة، فأنتم لستم نفس الأشخاص عند بدء الرحلة". هكذا يلخص الشاعر ت. س. إليوت المعنى الأعمق للسفر بوصفه تجربة تسهم في تشكيل هوية الفرد.
وفي هذا السياق، قادتني تجربتي الشخصية في الابتعاث إلى دراسة علمية تناولت كيفية تشكل هوية الطلبة السعوديين في بريطانيا، وأظهرت النتائج ما يمكن وصفه بـ"الهوية العالمية-المحلية" (Glocal Identity)، وهي هوية لا تنفصل عن الجذور الوطنية، لكنها في الوقت ذاته قادرة على التفاعل مع العالم بثقة ووعي. فالمبتعث السعودي المعاصر لم يعد يعيش معادلة الاختيار بين الانتماء والانفتاح، بل أصبح أكثر قدرة على الجمع بينهما، سعوديا في قيمه وانتمائه، وعالميا في أفقه ومعرفته.
المبتعث السعودي المعاصر لم يعد يعيش معادلة الاختيار بين الانتماء والانفتاح، بل أصبح أكثر قدرة على الجمع بينهما
وهذا التحول لم يأت عفويا، إنما يعكس إدراك المملكة المبكر لأهمية التماس الحضاري مع العالم. فمنذ عقود، تعاملت السعودية مع الابتعاث بوصفه مشروعا حضاريا طويل المدى لبناء الإنسان، ويتجاوز صفته الأكاديمية المحضة. واليوم تدخل المملكة مرحلة أكثر طموحا، مع افتتاح فروع لجامعات عالمية ومراكز بحثية دولية داخل السعودية مثل جامعة "نيو هيفن" الأميركية وجامعة "ولونغونغ" الأسترالية وغيرهما، بما ينقل التجربة من ابتعاث الطالب إلى الخارج، إلى استضافة العالم أكاديمياً داخل البيئة المحلية نفسها.
هذه النقلة تمثل تحولا فلسفيا في مفهوم التعليم. فوجود الجامعات العالمية داخل السعودية يخلق نموذجا جديدا من "المثاقفة التعليمية"، يتيح للطالب التفاعل مع المناهج العالمية والبيئات الأكاديمية متعددة الجنسيات داخل سياق وطني أكثر استقرارا ثقافيا ونفسيا. وهنا تصبح العالمية جزءا من التكوين التعليمي اليومي، لا تجربة استثنائية مؤقتة.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه الجامعات تكمن في قدرتها على بناء بيئة تعليمية تشجع الحوار والتفكير النقدي والتعددية الفكرية، وتخلق تفاعلا حقيقيا بين الخبرات المحلية والعالمية، أكثر مما تكمن في أسمائها أو تصنيفاتها الدولية. فالتفاعل بين الطلاب والأساتذة من خلفيات متعددة ينتج في نهاية المطاف خبرة إنسانية تعيد تعريف معنى الانتماء، وتمنح الأجيال الجديدة قدرة أكبر على الحركة داخل العالم بثقة واتزان.
كما تمنح هذه المرحلة المملكة فرصة لإعادة تعريف علاقتها بإنتاج المعرفة عالميا، ليس بوصفها مستهلكا للنماذج التعليمية الدولية، بل شريكا في صياغة مستقبل التعليم والمعرفة، عبر تطوير نموذج يجمع بين العمق الثقافي المحلي والانفتاح المعرفي العالمي. ومن هنا، تتحول تجربة الابتعاث والجامعات العالمية إلى إحدى أدوات القوة الناعمة السعودية، ليس فقط لنقل المعرفة، بل أيضا لتقديم صورة أكثر واقعية وإنسانية عن المجتمع السعودي.
فالطالب السعودي حين ينجح أكاديميا، ويتفاعل إنسانيا، ويحافظ في الوقت ذاته على توازنه القيمي والثقافي، فإنه يمارس شكلا من أشكال "الدبلوماسية الثقافية" غير الرسمية. فالعلاقات الإنسانية التي يبنيها، والانطباعات التي يتركها، تسهم في تفكيك الصور النمطية وإعادة تعريف المملكة خارج الخطابات السياسية والإعلامية التقليدية.
غير أن هذه التحولات لا تخلو من التحديات. فالعالم المعاصر يعيش حالة سيولة ثقافية حادة، فيما يضاعف الفضاء الرقمي من أثر العولمة وتدفق الأفكار والهويات بصورة قد تربك الفرد أو تدفعه إلى فقدان مرجعيته. ولذلك فإن نجاح تجربة الابتعاث والجامعات العالمية يقاس بقدرة المجتمع على تكوين جيل يمتلك وعيا نقديا وهوية واثقة، قادرة على التفاعل مع العالم دون فقدان جذورها، أكثر مما يقاس بالتحصيل الأكاديمي وحده.
الاستثمار في الجامعات والابتعاث يمتد إلى بناء شخصية أكثر انفتاحا وثقة وقدرة على التفاعل الإنساني والاجتماعي في عالم متشابك
ويتطلب ذلك بناء شراكات بين المؤسسات التعليمية والثقافية والأسر، باعتبار تكوين الإنسان المتوازن مشروعا اجتماعيا وتربويا متكاملا، إلى جانب دعم خطاب ثقافي سعودي معاصر يجمع بين الانفتاح العالمي والعمق المحلي بثقة واتزان. فـ"أبناؤنا في الخارج" اليوم ليسوا مجرد طلاب علم، بل جيل يعيد صياغة العلاقة بين الوطن والعالم، ويؤكد أن الهوية الحية لا تتناقض مع الانفتاح الإنساني، فيصبح الانتماء أكثر نضجا، إذ لا يقوم على العزلة أو الرفض، بل على القدرة على استيعاب الاختلاف دون الشعور بالتهديد. كما أن البيئات الجامعية متعددة الثقافات تعزز "المرونة الثقافية"، وقدرة الفرد على التنقل بين الأطر الثقافية المختلفة مع الحفاظ على اتساقه النفسي والشعور المستقر بالذات. ولذلك، فإن الاستثمار في الجامعات والابتعاث لا يقتصر على إنتاج رأسمال معرفي، بل يمتد إلى بناء شخصية أكثر انفتاحا وثقة وقدرة على التفاعل الإنساني والاجتماعي في عالم متشابك ومتغير.