الأصل هو النص

الأصل هو النص

استمع إلى المقال دقيقة

حين نرصد تحولات السينما السعودية اليوم، يتجه النظر غالبا إلى الأرقام: عدد الأفلام المنتجة، وحجم الاستثمارات، وحضور الأفلام السعودية في المهرجانات الدولية، والجوائز التي حصدتها الأعمال المحلية في المحافل العالمية، غير أن السؤال الأبرز يبقى بعيدا عن الأضواء، وهو المتعلق بالنص السينمائي.

وتكمن أهمية هذا السؤال في أن السينما مهما بلغت ميزانياتها أو تطورت تقنياتها، لا تبدأ من الكاميرا، بل من النص الذي يمنح الفيلم روحه ومعناه وأسباب بقائه في ذاكرة المشاهدين. ولعل التحدي الحقيقي الذي تواجهه السينما السعودية اليوم يكمن في بناء تقاليد ومعايير راسخة لاختيار النصوص القادرة على تحويل التجربة السعودية إلى مادة فنية وإنسانية تتجاوز حدود المكان.

ولعل عددا من المؤسسات الثقافية الجديدة أدركت أهمية النص، ولهذا ظهر أخيرا عدد من برامج تطوير السيناريو، وورش الكتابة، ومختبرات التحليل السينمائي التي تسعى إلى اكتشاف أصوات تستطيع التعبير عن المجتمع بلغته الخاصة وتحولاته المتسارعة. وهذا الإدراك بالغ الأهمية، لأن السينما العربية عموما عانت طويلا من أزمة النص، حيث كان الاهتمام غالبا موجها إلى الإنتاج والتنفيذ أكثر من الاهتمام بأساليب الكتابة نفسها. أما اليوم فإن الرهان يبدو مختلفا مع تزايد الوعي بأن مستقبل الفيلم يبدأ من مستقبل الكاتب.

وفي الوقت الذي تبحث فيه شركات الإنتاج عن قصص جديدة، تبدو الرواية السعودية منجما لم يستثمر بعد بالقدر الكافي. فعلى مدى عقود أنتج الروائيون السعوديون أعمالا رصدت التحولات الاجتماعية والثقافية التي عاشتها المملكة. وتناولوا المدن، والقرى، والحدود بحالاتها، وعلاقاتها الإنسانية، وصراع الأجيال، وأسئلة الهوية، والهجرة، والحداثة، والتحولات القيمية التي صاحبت النمو الكبير الذي شهدته السعودية. وكل هذه الأعمال لا توفر قصصا قابلة للتصوير فحسب بل تقدم عوالم مكتملة وشخصيات معقدة وصراعات درامية جاهزة للتحول السينمائي.

يمتلك المشهد السعودي إرثا غنيا يمكن أن يشكل مصدرا لا ينضب للنصوص المستقبلية

وإذا كانت السينما العالمية قد عادت في العقدين الأخيرين إلى الأساطير والتراث الشعبي بحثا عن هويات مميزة وقصص خالدة، فإن المشهد السعودي يمتلك في هذا الباب إرثا غنيا يمكن أن يشكل مصدرا لا ينضب للنصوص المستقبلية. فقبل ظهور الرواية الحديثة كانت المجالس الشعبية تحتفظ بسير الأبطال والرحالة والعشاق. وكانت حكايات البحر في المنطقة الشرقية، وقصص القوافل في نجد، وأساطير وخرافات الجنوب، وسرديات الحجاز، تشكل أرشيفا شفهيا هائلا انتقل من جيل إلى آخر ووثقه الكثير من الكتب.

وبما أن السينما السعودية لم تولد داخل صناعة متكاملة كما حدث في بعض الدول، إذ جاءت في ظروف معقدة واجه فيها صانع الفيلم تحديات كبرى ارتبطت بالتدريب، والإنتاج، والعرض والتوزيع. فكان المخرج غالبا يقوم بدور الكاتب والمنتج والمنفذ في آن واحد. لذلك لا ينبغي النظر إلى تلك الأعمال بمعايير اليوم، بل باعتبارها خطوات تأسيسية مهدت الطريق لما نراه حاليا، وحافظت على فكرة السينما نفسها، وأثبتت أن هناك رغبة سعودية راسخة في صناعة الحكايات بالصورة ونقلها للعالم.

أما اليوم فنحن أمام تحول سينمائي سعودي متسارع، استطاع الانتقال خلال مدة وجيزة من هامش المشهد الفني إلى قلبه، معه ظهر جيل جديد من المخرجين والكتاب والممثلين، وفيه توسعت فرص التمويل والإنتاج والعرض. لكن هذا التحول السريع أبرز تحديات وتساؤلات كبرى: هل نحن بحاجة إلى أفلام تجارية تستهدف شباك التذاكر؟ أم إلى أفلام فنية موجهة للمهرجانات؟ أم إلى نموذج ثالث يجمع بين القيمة الفنية والجاذبية الجماهيرية؟ وهذه الأسئلة الجوهرية ستظل مفتوحة أمام المشاهد، ليجيب عنها شكل السينما السعودية خلال السنوات المقبلة.

وإلى ذلك الحين على القائمين والمهتمين مضاعفة الثقة في نصوص القصص المحلية قبل أي قصص أخرى، فالتجارب العالمية الكبرى لم تحقق نجاحها لأنها حاولت تقليد الآخرين، بل لأنها قدمت خصوصيتها الثقافية، وسرديتها المعبرة. وكلما اقتربت السينما السعودية من تفاصيل مجتمعها وأسئلته الوجودية، ازدادت قدرتها على الوصول إلى جمهور إقليمي وعالمي أوسع. ثم إن السينما بحاجة إلى تعزيز النقد السينمائي المتخصص، وتقديم المنح الأكاديمية الداخلية والخارجية، وتوسيع الاستثمار في الكتابة، وتطوير السيناريو، وتشجيع الاقتباس الأدبي بوصفه أحد روافد الإنتاج المستدام.

تعتمد المرحلة المقبلة على المزيد من الكتاب والروايات والاستثمار في تطوير النصوص والثقة بالحكاية السعودية

في النهاية يمكن القول إن مستقبل السينما السعودية ستحدده الحكايات التي تختار أن ترويها للجمهور، فالسينما التي تمتلك نصوصا قوية تستطيع أن تعيش طويلا، وتصل سريعا، أما تلك التي تعتمد على الإبهار وحده فإنها سرعان ما تتلاشى. ولهذا تعتمد المرحلة المقبلة على المزيد من الكتاب والروايات والاستثمار في تطوير النصوص والثقة بالحكاية السعودية، وهذا ما شهدنا بداياته المبشرة التي تعد بتحول المكتبة السردية السعودية إلى خزان دائم للحكايات البصرية.

font change