اِحتل الشعر الجاهلي مكانةً استثنائيةً في الثقافة العربية، فهو الوعاء الأكبر الذي اختزن وجدان العرب وذاكرتهم الجماعية، واحتفظ بما حملوه من قيم وأخلاق ومفاخر وأعراف. فـ"لا تعرف أنساب العرب وتواريخها وأيامها ووقائعها إلا من جملة أشعارها. فالشعر ديوان العرب، وخزانة حكمتها، ومستنبط آدابها، ومستودع علومها"- كما يقول أبو هلال العسكري- فهو سجلهم الذي وثق حياتهم في أدق تفاصيلها، منه عرفت أيامهم وحروبهم، واستدل به على طبائعهم وأخلاقهم ومعتقداتهم، وعلى أرضهم الممتدة من جبال ووديان وسهول وأودية، بل حتى على نظرتهم إلى الكون والجن والأسطورة والعالم.
ومبدأ الشعر عند العرب شفوي بلا خلاف، فقد ولد في فضاء القول المسموع، وارتبط بالإنشاد والتغني والحداء والأراجيز، فكان الأداء الصوتي جزءا من هويته الفنية ووسيلة نقله بين الأجيال، ومع مرور الزمن تشكلت هذه الأقوال الموزونة في قوالب إيقاعية، وقواف، وأوزان محددة، وتنوعت أغراضها بين الفخر والمدح والهجاء والرثاء والغزل، حتى غدت القصيدة نظاما لغويا وثقافيا كاملا تناقلته الألسنة جيلا بعد جيل، إلى أن شاعت الكتابة، فدوَّن ما لم يأت عليه الدهر أو يمحه الزمن من سجل الوجود.
نظرا لهذه المكانة، جاء صدور كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين قبل مئة عام، في سنة 1926 منعطفا مهما في تاريخ الثقافة العربية الحديثة. فالكتاب لم يناقش صحة قصائد بعينها، بل وجه الشك إلى جانب من الموروث الشعري نفسه، متأثرا بالمناهج النقدية الاستشراقية آنذاك، ففتح واحدا من أوسع السجالات الفكرية في القرن العشرين. ومنذ ذلك الحين أصبح الشعر الجاهلي موضوعا دائما للنقاش والجدال بين الثقة في صحته، أو الريبة في نسبته.
ولعل الأثر الأبرز لذلك الكتاب أنه تسبب في زعزعة الإيمان بـ"الشعر الجاهلي" عند طيف واسع من المثقفين الحداثيين، فبعد أن ظل قرونا يمثل شاهدا يُحتجّ به في اللغة والتاريخ، أصبح في نظر كثيرين نصا يحتاج أولا إلى إثبات صحته قبل الاستشهاد به.
وانتقلت الريبة من مناقشة بعض القصائد إلى التشكيك في صورة الشعر الجاهلي عامة، حتى أصبحت عبارة "الشعر الجاهلي منحول" تتردد في الخطاب الثقافي، وربما وجد فيها بعضهم مُدخلا لضرب صميم الثقافة العربية نفسها والحط من قدرها. ولم يقتصر هذا الأثر على الوسط الأكاديمي، بل تسرب إلى الوعي الثقافي العام، وغلب سؤال الانتحال على أسئلة أخرى لا تقل أهمية، مثل: كيف تكوَّن هذا الشعر؟ وكيف حُفِظ؟ وكيف وصل إلينا؟
فتح واحدا من أوسع السجالات الفكرية في القرن العشرين. ومنذ ذلك الحين أصبح الشعر الجاهلي موضوعا دائما للنقاش والجدال
ومع ذلك، لم يكن أثر الكتاب سلبيا من جميع الوجوه. فقد أعاد الشعر الجاهلي إلى قلب البحث العلمي، ودفع الباحثين إلى مراجعة الروايات، وتحقيق الدواوين، وإعادة النظر في مناهج دراسة الشعر العربي القديم. وازدهرت حركة التحقيق والنقد التاريخي، وظهرت دراسات جادة تناولت مصادر الشعر وطرق روايته وتوثيقه. فالكتب العاصفة لا تقاس بنتائجها وحدها، بل بما تثيره من أسئلة، وقد نجح كتاب طه حسين في إثارة سؤال ظل حاضرا في الثقافة العربية طوال قرن كامل.
غير أن التحول الحقيقي لم يأت من داخل ذلك السجال، وإنما جاء من تطور العلوم الإنسانية نفسها. فمنذ النصف الثاني من القرن العشرين، اتجهت الأنثروبولوجيا ودراسات الثقافة الشفهية إلى دراسة المجتمعات التي تعتمد على الشفاهة والرواية أكثر من التدوين والكتابة، وكشفت أن تلك المجتمعات لا تنقل معارفها عشوائيا، بل تمتلك أنظمة دقيقة لحفظ النصوص وتداولها.
وقد بينت أعمال ميلمان باري، وألبرت لورد، ووالترج أونج، ومن جاء بعدهم، أن الراوي الشفهي لا يحفظ النص كلمة كلمة، وإنما يتحرك داخل نظام من الإيقاعات والصيغ والتراكيب الموروثة، يعيد من خلالها بناء النص ويحافظ على هويته في الوقت نفسه.
ومن هنا بدأت هذه المناهج تجد طريقها إلى دراسة الشعر العربي القديم، لتطرح سؤالا جديدا: إذا كان العرب قبل الإسلام مجتمعا شفهيا في المقام الأول، فلماذا لا نقرأ شعرهم في ضوء قوانين الثقافة الشفهية التي أنتجته؟
وهنا تغيرت دلالة كثير من الظواهر التي طالما أثارت انتباه الباحثين. فالتكرار لم يعد مجرد حشو أسلوبي، بل وسيلة لتثبيت النص في الذاكرة. والإيقاع لم يعد عنصرا جماليا فحسب، بل أداة تساعد على الحفظ والاستدعاء. أما الصيغ الجاهزة التي تتكرر في افتتاح القصائد، أو في وصف الرحلة والليل والناقة والوقوف على الأطلال، فلم تعد تفسر على أنها دليل على التقليد أو ضعف الابتكار، وإنما بوصفها مخزونا لغويا مشتركا، تعتمد عليه الذاكرة الشفهية في بناء القصيدة. حتى السجع، الذي شاع في الخطب والأمثال وأقوال الكهان، يمكن النظر إليه على أنه تقنية تساعد الذاكرة السماعية على الاحتفاظ بالنص، قبل أن يكون لونا من ألوان الزخرف البلاغي.
ومن هذه الزاوية، تبدو السمات التي عُدَّت يوما موضعَ ريبة، شواهدَ على انتماء الشعر الجاهلي إلى نظام شفهي بالغ الانضباط، وبنية ثقافية عربية لها خصائصها المتفردة في حفظ الشعر جيلا بعد جيل. فالتشابه بين بعض القصائد، وتكرار بعض التراكيب، وتقارب البناء الفني بينها، لا يعني بالضرورة أنها منتحلة، بل قد يعكس خضوعها جميعا لقواعد ثقافة واحدة، تفرض على الشاعر أن يبدع داخل نظام مشترك، كما يكتب المؤلف المعاصر داخل نظام الكتابة وقواعدها، فقد كانت الذاكرة هي مكتبة العربي قبل الإسلام، وكانت هذه التقنيات هي الوسائل التي تحفظ تلك المكتبة من الضياع.
تطور العلوم الإنسانية يدعونا إلى إعادة النظر في طبيعة المجتمع الذي أنتج هذا الشعر، والآليات التي حفظته
لهذا بعد مئة عام على صدور كتاب "في الشعر الجاهلي" لم يعد السؤال الأهم: هل هذا الشعر صحيح أم منحول؟ بل كيف استطاع مجتمع شفهي أن ينتج هذا التراث الضخم، وأن يحفظه، وأن ينقله عبر أجيال متعاقبة؟
إن تطور العلوم الإنسانية لا يدعونا إلى إلغاء النقد التاريخي، ولا إلى التسليم بصحة كل ما نسب إلى العصر الجاهلي، ولكنه يدعونا إلى إعادة النظر في طبيعة المجتمع الذي أنتج هذا الشعر، والآليات التي حفظته، والأدوات التي صانت ذاكرته، عندها ستنفتح أمامنا أبواب كانت موصدة، وتضاء زوايا بقيت معتمة، وتتبدى لنا معالم في هذا التراث ظلت طويلا متوارية خلف جدل أضاع وقتنا واستهلك طاقتنا، حتى كادت تحجب عنا أسئلة أكبر، وأولى، وأعمق.