الخوف على اللغة العربية ليس ابن عصرنا، ولا الشكوى من ضعفها أو تراجع مكانتها بين أهلها وليد هذا الزمن. فمنذ قرون طويلة، والعلماء والأدباء يكتبون عن فساد الألسنة، ويأسفون لانصراف الناس إلى اللغات الأخرى، ويخشون أن يفضي ذلك إلى انقطاع الصلة بتراث العربية، حتى ليخيل إلى القارئ أن كل جيل يظن أنه يقف أمام اللحظة التي توشك فيها اللغة أن تفقد مكانتها.
لكن حكايات التاريخ تكشف فارقا مهماً بين نوعين من الشكوى عن حال اللغة العربية؛ شكوى يطويها الزمن مع أصحابها، وشكوى يحركها قلق معرفي، وإيمان وعزم يتحول إلى مشروع ثقافي يبقى أثره على مر الزمان.
كان محمد بن مكرم بن علي، جمال الدين، المعروف بابن منظور الأنصاري (630-711هـ)، واحدا ممن رأوا هذا الخطر في زمانهم، فقد عاش في القرن السابع الهجري، في مرحلة كانت الحضارة الإسلامية قد راكمت تراثا علميا هائلا، لكنها في الوقت ذاته تمر باضطراب سياسي كبير بعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد، حيث شعر عدد كبير من العلماء بأن التراث العربي أصبح مهددا بالتفرق والنسيان، فاتجهت جهود كثيرة إلى جمع العلوم وترتيبها وصيانتها، وفي ميدان اللغة، كان مشروع ابن منظور واحدا من أعظم هذه المشاريع.
وقد وصف ابن منظور ما رآه من تغير أحوال اللغة العربية في زمانه، وواقعها بين أبناء جيله، فقال: "وذلك ما رأيته قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحنا مردودا، وصار النطق بالعربية من المعايب معدودا، وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية".
هكذا يتحسر ابن منظور، وهو يرى حال الناس في القاهرة وطرابلس وغيرها من بلاد العرب، وكيف أن النطق بالعربية صار عيبا، حتى غدت غريبة بين أهلها. غير أن شكواه هذه لم تكن مجرد كلمات منمقة في رثاء العربية، ولا دعوة عاطفية للدفاع عنها، إنما كانت إعلانا عن مشروع علمي استغرق سنوات من عمره، وأثمر عن أعظم موسوعة في مفردات اللغة العربية وآثارها، وهي موسوعة "لسان العرب".
لم يكد باحث في اللغة العربية أو الأدب أو التراث يعبر إلى الذاكرة اللغوية للعرب إلا وكانت هذه السفينة إحدى محطاته
مشروع ابن منظور كان محاولة واعية لجمع الذاكرة اللغوية العربية في مرجع واحد، فهو يقول: "لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط فضلها، إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية، ولأن العالم بغوامضها يعلم ما توافق فيه النية اللسان، ويخالف فيه اللسان النية"، فجمع ابن منظور في موسوعته خلاصة أمهات المعاجم العربية، وفي مقدمتها "تهذيب اللغة" للأزهري، و"المحكم والمحيط الأعظم" لابن سيده، و"الصحاح" للجوهري، و"حاشية ابن بري على الصحاح"، و"النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير، ثم صهر هذه المصادر في بناء واحد، استوعب ثمانين ألف مادة لغوية.
ولم يقف الكتاب عند حدود تفسير المفردات، بل تحول إلى ديوان جامع يزخر بالشواهد القرآنية، والأحاديث النبوية، وروائع الشعر والأمثال، مما جعل منه وثيقة تاريخية واجتماعية لا غنى عنها، ومرجعا أولا لكل باحث يسعى لفهم أسرار اللغة وسياقاتها الثقافية والدينية، حتى غدا "لسان العرب" أوسع معاجم العربية التراثية، وأكثرها حضورا وتأثيرا عبر القرون. ومنذ ذلك الحين، لم يكد باحث في اللغة العربية أو الأدب أو التراث يعبر إلى الذاكرة اللغوية للعرب إلا وكانت هذه السفينة إحدى محطاته.
ولكي نفهم أكثر دوافع ابن منظور في تأليف كتابه، يجمل لنا الأمر في مقدمته، حيث يصف واقع زمانه بعبارة بليغة جميلة، فيقول: "فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون، وسميته لسان العرب".
إنها صورة بلاغية عميقة، ومفتاح لفهم المشروع كله. فقد كان نوح يبني السفينة بينما كان قومه يمرون به ساخرين، لأنهم لم يدركوا الطوفان الجارف الذي يقترب، ولا الخطر المدلهم الذي قد يحدث في المستقبل القريب. وحين جاء الطوفان فهموا سر السفينة ومغزاها، فقد أصبحت طوق النجاة الذي حفظ الحياة من الفناء.
ولعل استعارة ابن منظور تقرأ على النحو نفسه، فقد كان يشعر أن اللغة قد تواجه عبر الزمن طوفانا من التحولات الدخيلة، وسيلا من اللغات الأجنبية، وأن الذاكرة اللغوية إذا لم تجمع وتحفظ فإن كثيرا منها قد يتبدد مع تعاقب الأجيال. فجاء "لسان العرب" أشبه بسفينة ضخمة تحمل أصول العربية، وألفاظها، وشواهدها، وتعبر بها من عصر إلى عصر.
اللغات لا يحفظها القلق عليها، ولا الحنين إليها، وإنما يحفظها أولئك الذين يحولون هذا القلق إلى مشروع
لقد مضى زمن ابن منظور، ومضى الذين كانوا يفخرون بغير العربية، أما السفينة فما تزال تبحر. ففي كل مرة يفتح فيها باحث، أو طالب علم، أو محب للعربية صفحات "لسان العرب"، يثبت هذا الكتاب أن الأعمال الكبرى أطول عمرا من الشكاوى، وأن اللغات لا يحفظها القلق عليها، ولا الحنين إليها، وإنما يحفظها أولئك الذين يحولون هذا القلق إلى مشروع، وهذا الحب إلى عمل، وهذه الشكوى إلى أثر يبقى. فلم يورثنا ابن منظور شكواه من زمانه، وإنما ورثنا السفينة التي بناها، وما تزال، بعد أكثر من سبعة قرون، تحمل ذاكرة العربية جيلا بعد جيل.