كان يمكن، إلى وقت قريب، النظر إلى الوحدة باعتبارها شأنا شخصيا لا يعني الحكومات في شيء. شخص لا يجد من يحدثه، أو شيخ يقضي أيامه الأخيرة وحيدا، أو شاب يشعر بأنه غريب وسط الناس، كلها أحوال تدخل في نطاق الحياة الخاصة، مثل الحزن والحب والحنين. لكن شيئا ما تغير. الوحدة خرجت من الغرف المغلقة وأصبحت موضوعا للسياسات العامة.
في يونيو/حزيران 2025 أصدرت منظمة الصحة العالمية تقريرا كبيرا عن "التواصل الاجتماعي"، وقدرت أن واحدا من كل ستة أشخاص في العالم يعاني الوحدة، وأن المشكلة أشد انتشارا بين المراهقين والشباب. ولم تعد المنظمة تتحدث عنها بوصفها شعورا مزعجا فقط، بل بوصفها عاملا له صلة بالصحة الجسدية والنفسية وبالعمر والعمل والتعليم وتماسك المجتمعات.
وذهبت اليابان أبعد من ذلك. فقد سنت قانونا خاصا لمواجهة الوحدة والعزلة، وأنشأت داخل الحكومة جهازا يتولى تنسيق السياسات المتعلقة بهما. لم تعد المسألة، إذن، أن يقول شخص لطبيب نفسي: أشعر بالوحدة، بل أن تسأل الحكومات نفسها: لماذا أصبح عدد كبير من مواطنينا وحيدين؟ وماذا نستطيع أن نفعل حيال ذلك؟ هنا تبدأ المشكلة الفلسفية. فالدول تكافح الفقر بتوفير فرص العمل، وتكافح الأمية ببناء المدارس، وتستطيع شق الطرق وإنشاء الحدائق والمستشفيات. ولكن ماذا تفعل مع إنسان يقول: ليس لدي صديق؟
السؤال يبدو ساخرا، لكنه يكشف حدودا أساسية للعمل السياسي. هناك أشياء تستطيع المؤسسات توفيرها، وأشياء لا تظهر إلا داخل العلاقات الإنسانية نفسها. تستطيع الدولة أن تبني مقهى، لكنها لا تستطيع أن تضمن أن يجلس فيه شخصان ويتحول لقاؤهما إلى صداقة. تستطيع بناء حديقة عامة، لكنها لا تستطيع إنتاج الألفة. تستطيع تمويل مركز اجتماعي، لكنها لا تستطيع أن تصدر قرارا إداريا بالمحبة.
الوحدة ليست نقصا عدديا في الأشخاص المحيطين بنا، بل نقص في العلاقة التي تجعل وجود شخص آخر يعني لنا شيئا
وربما لهذا ينبغي التمييز بين الوحدة والعزلة. قد يعيش الإنسان منفردا ولا يشعر بالوحدة، وقد يعيش وسط عائلة كبيرة ويشعر بها بقسوة. الوحدة ليست نقصا عدديا في الأشخاص المحيطين بنا، بل نقص في العلاقة التي تجعل وجود شخص آخر يعني لنا شيئا. وهنا تحديدا تظهر مفارقة الحياة الحديثة. لقد قضى الإنسان قرونا يطالب بمزيد من الاستقلال. أراد أن يتحرر من سلطة العائلة الكبيرة، ومن رقابة القرية، ومن تدخل الجيران، ومن الجماعة التي تعرف تفاصيل حياته. وكانت هذه مطالب مفهومة، فقد كانت الجماعة القديمة تمنح الحماية، لكنها كانت تطلب ثمنا باهظا: الطاعة والتشابه والانضباط. ثم جاءت المدينة الحديثة ومنحت الإنسان قدرا غير مسبوق من الخصوصية. تستطيع اليوم أن تسكن سنوات في بناية ولا تعرف اسم جارك. تستطيع أن تأكل وحدك، وتسافر وحدك، وتتسوق من دون الحديث إلى أحد، وتنجز أعمالا كانت تتطلب عشرات اللقاءات البشرية من خلال شاشة صغيرة. لقد انتصر الفرد نسبيا، ولكن يبدو أنه اكتشف متأخرا أن التحرر من الآخرين يختلف عن القدرة على العيش من دونهم.
هذه واحدة من المفارقات الكبرى في زمن الحداثة: نحن نريد من الآخرين أن لا يتدخلوا في حياتنا، ثم نكتشف أن الحياة التي لا يتدخل فيها أحد قد تصبح ثقيلة بصورة لا تحتمل. ولذلك ليس من الدقة أن نلقي بالمسؤولية كلها على وسائل التواصل الاجتماعي. الهاتف ربما ضاعف المشكلة، لكنه لم يصنعها من العدم. هناك تحولات أعمق سبقت الهاتف، ضعف الأسرة الممتدة، تقلص الجيرة، كثرة التنقل، تأخر الزواج في مجتمعات كثيرة، تغير طبيعة العمل، واتساع المدينة على حساب الحي الصغير. التكنولوجيا دخلت إلى عالم كان قد بدأ أصلا يفقد كثيرا من مؤسساته التقليدية المنتجة للألفة. والغريب أن المجتمع الحديث بالغ في الاهتمام بحق الإنسان في الاستقلال، لكنه لم يفكر بالقدر نفسه في حاجته إلى الانتماء.
في الفلسفة القديمة كان الأمر أوضح. حين قال أرسطو إن الإنسان "حيوان سياسي" لم يكن يقصد الانتخابات والأحزاب بالمعنى الحديث، بل كان يقصد أن الإنسان كائن لا تكتمل حياته منفردا. وجود الآخرين ليس إضافة اختيارية إلى حياتنا، بل جزء من الطريقة التي نصبح بها بشرا.
لكن العودة إلى الجماعة القديمة ليست حلا أيضا. ليست الحكمة أن نستبدل عزلة الفرد بخنق الجماعة. المجتمع التقليدي يستطيع أن يقهر الإنسان باسم الانتماء، مثلما يستطيع المجتمع الفرداني أن يتركه وحيدا باسم الحرية. المطلوب أصعب ويكمن في أن نجد صيغة تجمع الحرية والألفة.
الإنسان يحتاج الحرية، نعم، لكنه يحتاج أيضا شخصا ينتظر وصوله، ويلاحظ غيابه، ويتذكر قصته
وهنا تستطيع السياسة أن تفعل شيئا. نستطيع أن نصمم المدن بحيث يلتقي الناس بدلا من أن تعزلهم. تستطيع الأحياء أن تستعيد المساحات المشتركة. تستطيع المدارس والجامعات ومؤسسات الثقافة والرياضة أن تخلق فرص اللقاء الحقيقي. فحتى منظمة الصحة العالمية حين تتحدث عن حلول للوحدة لا تتحدث عن علاج فردي فقط، بل عن المجتمع والبيئة والسياسات والمساحات التي تساعد البشر على الاتصال بعضهم ببعض. لكن عند نقطة معينة تتوقف الدولة. فالإنسان يحتاج شيئا لا تصنعه القوانين: أن يكون مهماً عند إنسان آخر.
ربما كانت هذه هي الحقيقة البسيطة التي أخفتها عنا عقود من الاحتفاء بالفرد المستقل. الإنسان يحتاج الحرية، نعم. لكنه يحتاج أيضا شخصا ينتظر وصوله، ويلاحظ غيابه، ويتذكر قصته، ويتصل به. لا لأنه يريد خدمة منه وإنما لأنه يريد أن يسمع صوته. الدولة تستطيع أن تقلل العزلة. أما الوحدة، في النهاية، فلا يهزمها إلا إنسان آخر.