شهدت دول كثيرة خلال العقود الأخيرة تحولا مهماً في مقاربتها للصحة النفسية، إذ توسعت خدمات الرعاية المجتمعية، وتعززت السبل المستندة إلى حقوق الإنسان، واتسعت مشاركة أصحاب التجربة المباشرة في صياغة السياسات. وقد أثبتت هذه التطورات أن الأشخاص الذين يعيشون مع اضطرابات نفسية قادرون على الاندماج وتحقيق إمكاناتهم داخل مجتمعاتهم عندما تتوافر لهم الرعاية الملائمة والدعم المستمر.
ومع ذلك، لا يزال عدد كبير من المصابين باضطرابات نفسية يعيشون خلف أبواب مغلقة في مستشفيات الطب النفسي ومؤسسات الرعاية الاجتماعية حول العالم. بعضهم أمضى أشهرا، فيما قضى آخرون سنوات طويلة. ووفقا لـ"أطلس الصحة النفسية" الصادر عن منظمة الصحة العالمية، أُدخل نحو نصف هؤلاء إلى تلك المؤسسات رغما عن إرادتهم، وحُرموا أبسط خيارات الحياة اليومية، من اختيار ملابسهم إلى تحديد مواعيد طعامهم، فيما انقطعت صلتهم بالعالم الخارجي.
غالبا ما يُنظر إلى الرعاية النفسية داخل المؤسسات المغلقة كنموذج تجاوزه الزمن، غير أن المسألة تتجاوز قصور هذا النموذج إلى انتهاك واضح لحقوق الإنسان. فما زالت دول كثيرة تعتمد اعتمادا واسعا على مستشفيات الطب النفسي المستقلة، ويُقدّر أن ما يقارب نصف الإنفاق الحكومي العالمي على الصحة النفسية يُخصص لإبقاء هذه المؤسسات قيد التشغيل، بينما تعاني خدمات الرعاية المجتمعية نقصا في التمويل وإهمالا في التخطيط، رغم حاجة ملايين الأشخاص إليها.
في هذا السياق، اختارت سريلانكا إعادة بناء منظومة الرعاية النفسية عبر إحلال الخدمات المجتمعية محل المؤسسات المعزولة. واستنادا إلى سياسات وطنية تبنتها البلاد خلال العقدين الماضيين، انتقلت سريلانكا من نموذج يقوم على المصحات النفسية إلى شبكة لامركزية من الخدمات المنتشرة في المناطق والمجتمعات المحلية. واليوم، تُقدَّم الرعاية النفسية من خلال أقسام المرضى المقيمين والعيادات الخارجية في المستشفيات العامة، والعيادات الميدانية، ووحدات التأهيل المرحلي، وعيادات الصحة النفسية للأطفال في مختلف أنحاء البلاد.
وتُظهر التجارب أن مرافق الرعاية التي تصون حقوق الإنسان وكرامته واستقلاليته تعزز التعافي. أما حين يسود الإكراه والرقابة الصارمة والعزلة الاجتماعية، فإن الرعاية تفقد معناها العلاجي، وتتحول إلى شكل من أشكال الاحتجاز.
إن تجاوز نموذج المؤسسات المغلقة لا يقتصر على تقليص عدد الأسرّة، بل يستلزم تهيئة بيئة تسمح للأفراد بالعيش باستقلالية والمشاركة الكاملة في المجتمع، مع ضمان السكن الملائم والتعليم والعمل والحماية الاجتماعية، وتوفير رعاية نفسية وجسدية تتمحور حول احتياجات كل شخص. وعلى هذه الأسس تقوم منظومة للصحة النفسية تعزز التعافي والاندماج وتحترم حقوق الإنسان.
يجب أن نجعل حصول الناس على الدعم الذي يحتاجون إليه أولوية، وأن نوفر لهم بيئات تصون كرامتهم واستقلاليتهم، وتعزز علاقاتهم الإنسانية واندماجهم في المجتمع
كما ينبغي أن يترافق تقليص الأسرّة في مستشفيات الطب النفسي مع توسيع الخدمات المحلية وتوفير أشكال الدعم العملي، من السكن والرعاية المجتمعية ودعم الأقران وتعزيز الروابط الاجتماعية، إلى التعليم والعمل والمساعدة القانونية ودعم الأسر. ولا يجوز إخراج أي شخص من المستشفى من دون ضمان استمرارية الرعاية التي يحتاج إليها، ومن الضروري أن يجد المغادرون خدمات مهيأة لاستقبالهم ومجتمعات مستعدة لاحتضانهم.
وتثبت تجارب دول عديدة أن التحول نحو الرعاية المجتمعية ممكن، بغض الطرف عن تفاوت مستويات الدخل والموارد. وتتراوح السبل المتاحة لتحقيقه بين إصلاح ممارسات الرعاية وتوسيع البدائل لمستشفيات الطب النفسي، وصولا إلى إنشاء شبكات متكاملة من الخدمات المجتمعية. ويتطلب هذا التحول تغييرا في الثقافة السائدة، تشارك فيه مشاركة فعلية ومؤثرة فئات المجتمع كافة، وفي مقدمتها الأشخاص الذين عاشوا تجارب مباشرة مع الاضطرابات النفسية، والعاملون في تقديم الخدمات الصحية.
ولدعم هذا الانتقال، أصدرت منظمة الصحة العالمية إرشادات عملية جديدة تساعد المسؤولين عن القطاع الصحي على إدارة مختلف مراحل التحول. وتختلف نقطة الانطلاق من بلد إلى آخر، تبعا لما يتوافر لكل منها من موارد، وما يحكمها من قوانين وأنظمة للرعاية الصحية وشبكات للدعم المجتمعي. لذا، يتعين على القائمين على تنفيذ الإصلاحات اختيار خطوات عملية ومؤثرة، تراعي ظروف بلدانهم وإمكاناتها.
يجب أن نجعل حصول الناس على الدعم الذي يحتاجون إليه أولوية، وأن نوفر لهم بيئات تصون كرامتهم واستقلاليتهم، وتعزز علاقاتهم الإنسانية واندماجهم في المجتمع. وندعو الحكومات ومؤسسات الرعاية الصحية والاجتماعية إلى الالتزام بهذه الأولوية، وإشراك الأشخاص الذين عاشوا تجارب مباشرة مع الاضطرابات النفسية في جميع مراحل التحول، باعتبارهم شركاء أساسيين فيه.
* أنورا كومارا ديساناياكي، رئيس سريلانكا
* الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية