دول الربيع العربي.. طريق طويل وصعب

دول الربيع العربي.. طريق طويل وصعب

[caption id="attachment_55241828" align="aligncenter" width="620"]عامان من "الربيع" ومازالت الشعوب تطالب بالخبز والكرامة عامان من "الربيع" ومازالت الشعوب تطالب بالخبز والكرامة[/caption]




أسفرت أحداث الربيع العربي عن تحول جوهري في الساحة السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كانت الشرارة الشهيرة التي أشعلت الثورات في جميع أنحاء المنطقة هي ما قام به محمد البوعزيزي الشاب الذي يبلغ من العمر 26 عاما في تونس. في 17 ديسمبر (كانون الأول) أشعل البوعزيزي النار في جسده عندما هددته شرطية ومساعدوها بمصادرة العربة التي يقتات منها. أصبح البوعزيزي – من بلدة سيدي بوزيد الريفية – رمزا للثورة ضد دولة أثقلها الفساد وتعاني من ارتفاع معدلات البطالة (التي تقدر بنسبة 30 في المائة في سيدي بوزيد). انتشرت الصور كالنار في الهشيم داخل الدولة وعبر الحدود. على الرغم من المحاولات التي بذلتها السلطات من أجل احتواء الاحتجاجات، بدأت الثورة التونسية رسميا في اليوم التالي: 18 ديسمبر 2010.

بعد عامين، سقطت الأنظمة في تونس ومصر وليبيا، وبدأت الثورات الشعبية تخرج العديد من الجماعات المعارضة الوليدة داخل دول أخرى في الشرق الأوسط. ومنذ بداية الاحتجاجات الثورية، تمر المنطقة بمرحلة انتقالية حرجة.



توارث السلطة




من أجل استيعاب أصول الربيع العربي بصورة أفضل، تجدر معرفة أن معظم الرؤساء في البلاد العربية اعتقدوا أن لديهم ملكية مطلقة لبلادهم. وكان هذا المفهوم للملكية من وجهة نظرهم مبررا لأفعالهم. استمر الرؤساء المطاح بهم في كل من مصر وتونس وليبيا في السلطة على مدار عقود. في أثناء تلك الأعوام أجريت تعديلات دستورية مفادها أن الرؤساء الثلاثة (بن علي في تونس والعقيد القذافي في ليبيا ومبارك في مصر) يملكون نفوذا كاملا على سلطات الحكم الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. ولم يكن أي منهم قابلا للمساءلة أمام أي أحد، مما أدى - كنتيجة حتمية – إلى تزايد الفساد والمحسوبية على أعلى المستويات. كان كل من العقيد القذافي وحسني مبارك يخططان من أجل تمرير منصب رئاسة بلديهما إلى ابنيهما. كانت الانتخابات ستزور – كما كان الأمر في الماضي - لضمان «توريث شرعي» للبلاد.



توزيع غير عادل




كما ذكرنا في السابق، حصل قادة هذه الأنظمة المستبدة من بلادهم على ما اعتقدوا أنه حقهم الشرعي، ثرواتها الاقتصادية. وكان هذا أكثر وضوحا في ليبيا، التي طالما انتشر الاعتقاد بأنها من أغنى الدول في العالم إذ تملك وفرة في موارد النفط عالي الجودة القريب من السطح. ولكن في الوقت ذاته، ما زال نحو 40 في المائة من سكانها يعيشون في فقر مدقع. يقدر الخبراء أن نسبة سنوية لا تتجاوز 10 في المائة من عائد البلاد من النفط والغاز يتم إنفاقه على البنية التحتية والخدمات التي من بينها الرعاية الصحية والتعليم. لذلك ليس من المفاجئ أن تكون البنية التحتية والخدمات الاجتماعية في ليبيا غير متطورة.

التفاوت بين الأثرياء والفقراء أقل حدة في مصر وتونس. يعتمد النمو الاقتصادي بدرجة كبيرة على سوق صادرات قوية (لا سيما في قطاعي المنسوجات والمنتجات الطازجة) ودخل كبير من صناعة السياحة. في حالة مصر، تساهم الصناعات الثقيلة (إسمنت، حديد، إلخ) بنسبة كبيرة في النمو الاقتصادي للدولة. كما تحتفظ الدولتان بعلاقات وثيقة مع الغرب. وتقيم تونس صلات تجارية قوية مع الاتحاد الأوروبي – شريكها التجاري الأول – وبخاصة فرنسا وإيطاليا. أما أهم شريكين تجاريين لمصر فهما الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، اللذان يمثلان نسبة 70 في المائة من التبادل التجاري في مجال السلع في مصر. تملك تونس ومصر بنية تحتية وخدمات اجتماعية أكثر تطورا (وبخاصة نظاما تعليميا قويا، سيتم تناوله بالتفصيل فيما بعد). ولكن حتى في تونس ومصر، منعت أعوام من الفساد وصول الرخاء الاقتصادي إلى الطبقات الدنيا من المجتمع.




[blockquote]

تواجه مصر، إلى جانب إدارة فترة التحول السياسي الصعبة والانقسام المجتمعي الحاد، عددا من التحديات الاقتصادية. فقد تضافرت عوامل خارجية مع تعطل النشاط التجاري بسبب الثورة ما أدى إلى إغلاق البورصة لفترات طويلة وانخفاض عائدات السياحة. وأدى تباطؤ الاقتصاد العالمي إلى تراجع تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي انخفضت 50 في المائة لتصل إلى 3.7 مليار دولار في المتوسط من 2009 إلى 2010، أو أقل من واحد في المائة من إجمالي الناتج المحلي، ثم واصلت انخفاضها عام 2011 لتصل إلى 0.9 مليار دولار.
كما هبط احتياطي البلاد من النقد الأجنبي هبوطا حادا في الربع الأول من عام 2011 بعد الثورة، وظل يتراجع منذ ذلك الحين ليصل إلى 18 مليار دولار بنهاية ديسمبر/ كانون الأول 2011، أي ما يعادل قيمة واردات البلاد من السلع والخدمات لثلاثة أشهر.
ونظرا للأثر التراكمي لهذه العوامل الداخلية والخارجية، يتوقع أن يصل النمو إلى 2.5 في المائة عام 2012 ثم إلى 3.5 في المائة عام 2013 على الرغم من أن مخاطر الهبوط كبيرة بسبب أزمة الديون السيادية المستمرة في أوروبا وانعدام اليقين بسبب عملية التحول السياسي. ويزيد انخفاض معدلات النمو من خطر الإحباطات الاجتماعية المتفاقمة إذ لن تكفي هذه المعدلات لتوفير الوظائف والفرص الكافية. ويتوقع أن تظل البطالة في إطار نطاقها البالغ 12 في المائة مع مخاطر كبيرة باحتمال زيادتها.



وأظهرت مصر خلال العقدين الماضيين تحسنا على صعيد عدد من المؤشرات الاجتماعية شملت: انخفاض معدلات وفيات الرُضَّع وسوء التغذية بين الأطفال بمقدار النصف، وارتفاع متوسط العمر من 64 عاما إلى 71 عاما. ومع أن 22 في المائة من سكان مصر ما زالوا يعيشون تحت خط الفقر الوطني، فإن هذا الرقم يرتفع إلى 43.7 في المائة في صعيد مصر. وعانى 20 في المائة آخرون من السكان من الفقر في وقت من الأوقات خلال العقد الماضي، وهو ما يزيد من الإحساس بالحرمان الاجتماعي وانعدام الأمن.

وسيواجه الرئيس الجديد محمد مرسي تحديا مزدوجا يتمثل في معالجة التفاوت الاجتماعي وفي الوقت نفسه تحرير النظام السياسي ليسمح لكل المصريين بالمشاركة الحقيقية. تُضاف إلى ذلك المهمةُ الملحّة المتمثلة في وضع حد لتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
الأكيد أن تحقيق معدلات نمو تشمل الجميع واستعادة ثقة المجتمع الدولي بشأن استقرار الاقتصاد الكلي لمصر سيتطلب إصلاحات واسعة النطاق. وسينطوي ذلك على إصلاح نظام دعم أسعار الطاقة والمواد الغذائية، وتطوير نظام تعليمي يزود الطلاب بالمهارات اللازمة للمنافسة في الاقتصاد العالمي، وإيجاد قطاع خاص يعمل في إطار قواعد وقوانين شفافة تحقق المساواة في دخول الأسواق والحصول على فرص الأعمال.


[/blockquote]






الزيادة السكانية




تعاني كل من تونس ومصر من مشكلاتهما الخاصة. في الأعوام الأخيرة، أصبح تعداد السكان في مصر يزداد بمعدل اثنين في المائة سنويا. ومن أجل تحمل هذه الزيادة السكانية الكبيرة، يجب أن يصل معدل زيادة الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 4 في المائة سنويا. وعندما لا يصل النمو الاقتصادي إلى الطبقات المتوسطة والدنيا، لا يمكن الحفاظ على مستوى معيشة مجموعات عريضة من السكان. لا ترتفع الرواتب، ولكن يرفع التضخم أسعار السلع. وبالتالي يصبح الفارق بين الدخل والنفقات حتميا، وتتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. وتشير التقديرات إلى أن نحو 40 في المائة من المصريين يعيشون حاليا تحت خط الفقر (أي يقل دخلهم عن دولارين يوميا).



البطالة ونقص العمالة




في تونس، كان الفساد والقمع أكثر انتشارا منه في مصر قبل أحداث الربيع العربي. كانت تونس تعاني أيضا من ارتفاع معدلات البطالة، وبخاصة بين الشباب (بنسبة 30 في المائة). وكما أشير في السابق، يخرج نظام التعليم في كل من تونس ومصر خريجين ماهرين إلى سوق العمل. وتتشابه المشكلة في الدولتين، تتسع الهوة بين الموظفين الماهرين وغير الماهرين. كما يقل عدد المؤسسات التعليمية الأخرى التي تدرب متخصصين شبه ماهرين. والشهادة الجامعية هي المؤهل الوحيد المقبول ثقافيا. وبالتالي أصبحت البطالة ونقص العمالة مفهومين شائعين. يُجبر الخريجون الحاصلون على درجة عالية من التدريب على ممارسة أعمال تقل عن قدراتهم، أو يجلسون في منازلهم، على الرغم من إنفاق كثير من الوقت والجهد والمال في التعليم.



الأمن الغذائي




«العيش» كلمة رئيسية يهتف بها المتظاهرون في الشوارع أثناء الثورة. يرمز العيش إلى الحياة، هو أدنى مصدر يحتاجه المرء من أجل البقاء، وأسمى الأهداف (وكانت الحرية والعدالة الاجتماعية الكلمتين الأخريين اللتين ترددتا أثناء المظاهرات). يؤكد بحث صدر مؤخرا عن المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية على أهمية الأمن الغذائي على المستويين الكلي والجزئي في العالم العربي. يشير البحث إلى أنه بدلا من دخل الفرد وعدم المساواة والحكم السيئ، أصبح الأمن الغذائي في الغالب سببا رئيسيا للنزاع في المنطقة، وتحسينه هو الحل للخروج إلى انتقال سلمي.
تشير الأرقام إلى أن «أداء ليبيا جيد على المستوى الكلي، فيما يتعلق بالأمن الغذائي (في الأساس بفضل ثروتها النفطية)، ولكنها تواجه تحديات أمن غذائي على المستوى الجزئي، حيث يعاني 21 في المائة من أطفالها من سوء تغذية» (بريسينجر وآخرون، 2012). يأتي أداء تونس على المستوى الجزئي أفضل نسبيا مقارنة بمصر وليبيا. ولكنها تحتاج إلى وضع سياسات من أجل تحسين المستوى الكلي للأمن الغذائي. بينما تظهر في مصر مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي على كل من المستويين الكلي والجزئي.



التضخم




كما نرى في الجدول بالأعلى، تجد مصر صعوبة في قضية الأمن الغذائي على المستويين الكلي والجزئي. من المعروف جيدا أن معدل التضخم يمكن أن يؤثر بقوة على الأمن الغذائي في الدول النامية. يمكن أن تؤثر معدلات التضخم المتقلبة على الأسعار وتبدد المدخرات والاستثمارات وتعوق النمو الاقتصادي، والأكثر أهمية أنها قد تؤدي إلى عدم استقرار سياسي واجتماعي. إذا ألقينا نظرة على معدلات التضخم منذ عام 2003 (انظر الشكل في الأسفل)، تصبح العلاقة بين الأمن الغذائي والتضخم واضحة. يظهر معدل التضخم في مصر أنه الأكثر تقلبا بين الدول الثلاثة محل هذه الدراسة. كما يثير معدل التضخم المكون من رقمين تحديدا في عام 2008 القلق. تعاني الغالبية العظمى من السكان في الدول النامية بالفعل من سوء التغذية، ومن المرجح أن يؤدي الارتفاع السريع في أسعار السلع الغذائية إلى مزيد من الإضعاف لهؤلاء السكان. وكما ذكرنا فيما سبق، قبل أحداث الربيع العربي، كان النمو الاقتصادي بالكاد يصل إلى الطبقات الوسطى والدنيا في الدول الثلاث. وتزداد الهوة بين الدخل والنفقات بدرجة لا يمكن تحملها عندما تصاحبها معدلات تضخم عالية. وهكذا يصبح الاضطراب الاجتماعي أمرا حتميا.



[blockquote]

لا تزال الحكومة التونسية تواجه تحديات اقتصادية نظراً لعدم تعافي الاقتصاد في 2011 بالوتيرة التي كانت متوقعة. ففي حين قامت الحكومة باعتماد موازنة تكميلية في يونيو/ حزيران 2011 تضمنت حزمة حوافز كبيرة للمالية العامة، لم يتم استيعاب سوى جزء منها، وبلغ عجز الموازنة 3.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في 2011 (بدلاً مما كان متوقع بنسبة 5.1 في المائة).
ونظراً لتدهور الميزان التجاري، وتراجع عائدات السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة، زاد العجز في الحساب الجاري بصورة كبيرة ليصل إلى 7.3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في 2011. وبالتالي تراجعت معدلات احتياطي النقد الأجنبي من 4.7 شهر لتمويل الواردات في نهاية 2010 إلى 3.5 شهر في نهاية 2011. وبدأ النمو في التعافي في 2012، ومن المتوقع أن يصل إلى 2.4 في المائة، ويرجع الفضل في ذلك بصورة رئيسية إلى زيادة عائدات السياحة، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتطبيق حوافز مالية عامة قامت السلطات الحالية باعتمادها.




ومن المتوقع أن تزيد وتيرة النمو لتصل إلى 3.7 في المائة تقريباً في 2013، و4.9 في المائة في 2014 نتيجة للانتعاش المستدام في الصادرات، والسياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة، واستمرار الاستثمارات العامة الكبرى، وحزمة الإصلاحات التي اعتمدتها الحكومة المؤقتة والتي من المتوقع أن تؤدي إلى زيادة في الاستثمارات.

استمرت الاضطرابات الاجتماعية في 2012 في صورة اعتصامات وإضرابات شملت تقريبا جميع القطاعات، ومن المتوقع أن تظل معدلات البطالة مرتفعة على المدى القصير. وفي أعقاب الثورة، زادت معدلات البطالة إلى 19 في المائة في 2011، وهي زيادة بلغت 6 نقاط مائوية مقارنة بالسنة السابقة. وعلى الرغم من تراجع معدلات البطالة في 2011 إلى 17.6 في المائة، فإن هذا التراجع لم يكن كافياً لخفض نسبة قوة العمل المعطلة من الشباب المتعلم. وبالتالي، من المتوقع أن تؤدي الأوضاع الاقتصادية الصعبة على المدى القصير إلى الإبقاء على معدلات البطالة عند 18 في المائة تقريباً في 2012 – 2013.

هذا ولا يزال اقتصاد تونس يتسم بانخفاض مستوى الأجور وتدني القيمة المضافة، وغير قادر على استيعاب الزيادة في العمالة الماهرة. وسمحت المحسوبية والممارسات المناوئة للمنافسة لأقلية محظوظة بالتمتع بنصيب الأسد من المنافع الناشئة عن النمو والازدهار. وقد أعلنت الحكومة الانتقالية التي بدأت في ممارسة مهام عملها قبل الانتخابات عن خطة طوارئ بمبلغ 1.5 مليار دولار لمعالجة قضايا البطالة وتحقيق التنمية الإقليمية ضمن مجموعة متنوعة من الشواغل الأخرى. و من دون نمو قوي وشامل للجميع، فإن مشاعر الإحباط والإحساس بالإقصاء - وهو ما أشعل الثورة - يمكن أن تهدد الاستقرار الاجتماعي مرة أخرى.
[/blockquote]



ترتفع نسبة التضخم نسبيا في تونس ولكنها أكثر استقرارا في مصر. هنا أيضا لا يصل الازدهار الاقتصادي إلى الغالبية العظمى من السكان، لذلك تؤثر الضغوط التضخمية بشدة على الدخول المتبقية للتونسيين.
كانت ليبيا في ظل حكم القذافي دولة اشتراكية، تتبع سياسات اقتصادية تختلف كثيرا عن مصر وتونس. أثرت صداقة العقيد القذافي مع فيدل كاسترو في كوبا بصورة مباشرة على بعض من سياساته الاشتراكية. لم يسمح النظام الليبي الاشتراكي بالتضخم. في الواقع، استقر التضخم في ليبيا في عامي 2003 و2004 عند نسبة 2.2 في المائة (انظر الجدول السابق). وكان التحكم في الأسعار جزءا من الحياة اليومية من خلال الدعم وقيود صارمة على الأسعار، وفرضت عقوبات قانونية على أي انتهاكات. أدت هذه السياسات إلى التسعير المزدوج وأخيرا إلى اقتصاد السوق السوداء.



حرية وعدالة اجتماعية




بعيدا عن المخاوف الاقتصادية السائدة في ليبيا وتونس ومصر قبل قيام ثورات الربيع العربي، من المهم أن نذكر أن الاحتجاجات كانت مدفوعة بدرجة كبيرة أيضا برغبة الشعوب في الحرية والعدالة الاجتماعية. اتسمت الأنظمة الثلاثة جميعها بالقمع المفرط، وإحكام قادتها قبضتهم على جميع جوانب المجتمع والحياة السياسية لكي يضمنوا مواقعهم ويحرسوا ثرواتهم الهائلة. قبل الثورات، كانت هذه الدول ديكتاتورية بوليسية، تضع الحكومة فيها قيودا صارمة وقمعية على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للأمة بمساعدة أجهزة وقوات شرطة سرية. كانت أنظمة مستبدة تفتقد إلى المنافسة السياسية والشفافية وحرية التعبير وحق الاختلاف في الرأي واحترام حقوق الإنسان ومساءلة المؤسسات الحكومية.

وكي تضمن الأنظمة أن تظل الشعوب في جهل، تم فرض قيود على الاتصالات ورقابة على المطبوعات. وفي تونس وليبيا على وجه الخصوص، لم تكن المؤشرات الاقتصادية الدقيقة متاحة، إما لأنها لم تكن تصدر مطلقا وإما أنه يتم تزويرها. وكان الغرض الأساسي من هذه الإجراءات هو الإبقاء على الوضع القائم ومنح الأنظمة سلطة سحق المعارضة والسيطرة على عملية تفكير الجماهير، وبخاصة الشباب. لم يكن الحظر يشمل التلفزيون والإذاعة والصحف والكتب فحسب، ولكنه وصل إلى الإنترنت أيضا، وتحديدا شبكات التواصل الاجتماعي مثل «فيس بوك» و«تويتر» الذي يلجأ إليه الشباب للتفاعل وأحيانا التنفيس عن إحباطهم.

هذه الأنظمة القائمة على الفساد والقمع تهاوت عندما ازدادت الشفافية ووصلت إلى الجماهير عبر التطور المستمر لقنوات التواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من الانقطاع المتكرر للاتصالات الذي تسببت فيه هذه الأنظمة لمنع الانتفاضات، استطاع ملايين من الجماهير تنسيق مظاهرات منظمة نسبيا (في حالة ليبيا كانت ثورة مسلحة شاملة) تسببت في إسقاط الحكومات.



«دعم» الربيع العربي




[caption id="attachment_55241831" align="alignleft" width="262"]تغيّر "الكبير" ولم تتغيّر مطالب الشعوب تغيّر "الكبير" ولم تتغيّر مطالب الشعوب[/caption]

عمد قادة ليبيا وتونس إلى تقييد قوة جيشيهما. وعلم القذافي وبن علي أن وجود جيش قوي ذي إعداد جيد سيمثل تهديدا للنظام القائم، وقد تكون الثورة المصرية أثبتت صحة رأيهما. يمكن القول إن مصر تملك أقوى جيش في المنطقة العربية، لذا عندما أيدت القوات المسلحة المصرية المتظاهرين في الشوارع في يناير (كانون الثاني) 2011، علم الجميع أن أيام مبارك في حكم مصر أصبحت معدودة.
في الوقت الذي انتشرت فيه الصدمات السياسية جراء الثورات في تونس ومصر وليبيا في جميع أنحاء المنطقة، سارع الزعماء السياسيون الدوليون إلى وضع أنفسهم في جانب الثوار. وواجه القادة العالميون انتقادات حادة بسبب عدم تأييدهم الأولي لهذه المظاهرات. وكان النظامان المصري والتونسي على وجه التحديد على علاقات وثيقة بالغرب، وبدا قادته أكثر اهتماما بالحفاظ على الاستقرار الإقليمي واستمرار تدفق التجارة والاستثمارات مع الشرق الأوسط حتى اتضح لهم أن المظاهرات سوف تسقط الأنظمة.



طريق طويل وصعب




اليوم وقد مرّ عامان على اندلاع الثورة التونسية التي أشعلت الربيع العربي، ما زال الاقتصاد في مصر وتونس وليبيا متأثرا في أعقاب الثورات، وتستمر الاضطرابات بينما يصر القادة الجدد للدول الثلاث على المضي قدما وإعادة بناء اقتصادهم المتعثر. وكان الهجوم على الأنظمة السابقة - التي اتسمت بالعلمانية - يعني تولي المعارضة الدينية الأكثر تنظيما والتي تمثلها جماعة الإخوان المسلمين السلطة في كل من تونس ومصر.
يبدو أن القيادة الجديدة في ليبيا غير قادرة على التعامل مع المشاكل التي تواجهها مع الميليشيات المسلحة. وقد تعثرت التحقيقات التي تجرى في الهجوم الأخير على القنصلية الأميركية في بنغازي وأسفر عن مصرع السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز وثلاثة آخرين، بسبب تردد السلطات الليبية في اتخاذ إجراءات ضد المتطرفين المشتبه بهم والمنتمين إلى هذه الميليشيات القوية.

في تونس ومصر، يبدو الطريق إلى الديمقراطية هشا. أصبح معدل البطالة في كلتا الدولتين أعلى مما كان عليه منذ عامين، عندما بدأت الثورة. لم تثمر سلسلة من التغييرات الوزارية ومحاولات وضع دستور جديد عن نتائج مستقرة حتى الآن. كما أن حزم المساعدات المالية الدولية لم تتحقق حتى الآن، على الرغم من استمرار المباحثات بين المنظمات الدولية المختلفة وقادة كل من تونس ومصر. وتكمن عقبة أخرى خطيرة أمام الإسراع بالإصلاح السياسي في المعارضة المستمرة للقوى الليبرالية لغالبية القوانين والقرارات التي يصدرها النظام الحالي.
لا شك في أن الربيع العربي يقدم فرصا عظيمة للحكومات والمجتمع المدني من أجل معالجة التحديات الاقتصادية القديمة في المنطقة، ومن بينها عدم وجود نمو شامل، وارتفاع مستويات عدم المساواة والبطالة، وكذلك ارتفاع معدل عدم الأمان الغذائي.
لا يجب أن تثنينا العقبات عن إدراك هذه الحقيقة، ولكن على الأرجح سيكون الطريق إلى المستقبل طويلا وصعبا.
font change