السياسة الإيرانية... حركة دائمة في فلك أيديولوجي واحد

ثوابت في النظام

(أسوشييتد برس)
(أسوشييتد برس)
امرأة في طهران تمر أمام لوحات تُظهر مجتبى خامنئي ووالده علي خامنئي الذي قتل في ضربات أميركية-إسرائيلية، 16 أبريل 2026

السياسة الإيرانية... حركة دائمة في فلك أيديولوجي واحد

لم يكتفِ اغتيال إسرائيل علي لاريجاني وكمال خرازي بإزاحة شخصيتين بارزتين من المشهد السياسي للجمهورية الإسلامية، فقد فهمته بعض الأوساط السياسية والتحليلية في طهران كمحاولة لمحو أمر أقل ظهورا وأبعد أثرا: قدرة النظام على التحدث بلغة التسوية. كما اندرج الاغتيال ضمن سياق أوسع يتصل باختفاء الرجال الذين ساعدوا طهران، طوال سنوات، على مخاطبة العالم الخارجي.

ظل لاريجاني، على امتداد سنوات طويلة، يؤدي دور المترجم بين القوة الصلبة الإيرانية واللغة الدبلوماسية اللازمة لإدارتها في الخارج. أما خرازي، وزير الخارجية السابق وصاحب الخبرة الممتدة لعقود، فكان حارس الإشارات الاستراتيجية للنظام والعارف بخفاياها وسبل إيصالها. وعلى مدى أعوام، شغل الرجلان موقع أبرز مستشاري السياسة الخارجية لدى "المرشد الأعلى" الراحل، آية الله علي خامنئي. وبدا اغتيالهما، للوهلة الأولى، تأكيدا لتحول يتجه نحو نظام أكثر انغلاقا وأكثر تصلبا، تتراجع فيه الدبلوماسية أمام منطق الميدان.

غير أن المشهد الذي تلى الاغتيال كان أكثر تعقيدا. فقد صمد النظام، ولم تتعطل آليات صنع القرار. واستمرت الحرب قبل الهدنة الهشة، كما استمرت القنوات غير المباشرة، والإشارات السياسية، وحسابات الضبط الدقيقة التي ميزت فن إدارة الدولة الإيرانية على مدى عقود. وما كشفته تلك المرحلة اللاحقة هو حقيقة أساسية عن الجمهورية الإسلامية: أن قدرتها على الصمود مؤسسية أكثر منها شخصية. فالسلطة لا تستقر في يد فرد واحد، مهما علا شأنه، وإنما في بنية متدرجة صممت لاستيعاب صدمات من هذا النوع تحديدا. ولا تزال مؤسسات مثل المجلس الأعلى للأمن القومي، و"الحرس الثوري"، والشبكة الأوسع التي تصل الأمن بالسياسة، تشكل المحركات الأساسية للاستراتيجية الإيرانية. وقد يؤدي غياب لاريجاني وخرازي، مع مرور الوقت، إلى تغيير نبرة السياسة وأسلوب عرضها، لكنه لم يغير اتجاهها الجوهري.

المشهد الذي تلى الاغتيال كان أكثر تعقيدا. فقد صمد النظام، ولم تتعطل آليات صنع القرار. واستمرت الحرب قبل الهدنة الهشة، كما استمرت القنوات غير المباشرة، والإشارات السياسية، وحسابات الضبط الدقيقة التي ميزت فن إدارة الدولة الإيرانية على مدى عقود

وهنا تحديدا يكمن خطر إساءة قراءة اللحظة الراهنة. فمن السهل الخلط بين التشدد الذي تفرضه الحرب وبين تحول أيديولوجي حقيقي. فالمشهد يبدو واضحا وقاسيا في آن واحد: "مرشد أعلى" جديد، مجتبى خامنئي، يفتقر إلى القدر نفسه من الاستقلالية والنفوذ الذي تمتع به والده الراحل، وهو وضع يرجح أن يستمر بينما يحاول تثبيت موقعه. وهناك طبقة سياسية تقلصت بعد أن فقدت كثيرا من أكثر شخصياتها السياسية والعسكرية خبرة. كما أن المؤسسات الأمنية، وفي مقدمتها "الحرس الثوري"، باتت أكثر حضورا في صناعة القرار وأكثر ميلا إلى فرض رؤيتها. وأصبح الخطاب الرسمي للنظام أكثر انضباطا وأقل تسامحا مع الغموض أو أي إشارة إلى تقديم تنازل للخارج. وفي ظل هذه الصورة، يبدو من السهل اعتبار ما يجري دليلا على تصلب أيديولوجي، أي على نظام يعرف نفسه على نحو أكثر إسلاموية، وأكثر ميلا إلى القمع في الداخل، وأكثر تشددا في عدائه للغرب ولإسرائيل.

غير أن المعطيات المتوافرة حتى الآن لا تؤيد هذا الاستنتاج بصورة كاملة، بل تشير، على نحو أوضح، إلى تماسك داخلي فرضته الضغوط. فقد عززت الحرب وانتقال السلطة موقع المؤسسات الأقدر على ضمان الاستمرارية، وفي مقدمتها "الحرس الثوري"، وأجهزة الاستخبارات، والشخصيات السياسية المتحالفة معها. وأنتج ذلك بيئة حكم أكثر ضيقا، تقل فيها الأصوات القادرة على طرح مقاربات بديلة على الملأ. أما لغة التسوية، فلم تختف، بل تعرضت للضغط والضبط، وجردت، قبل كل شيء، من طابعها الشخصي.

ومهما تكن صحة ادعاء دونالد ترمب بشأن حدوث "تغيير للنظام" في طهران، فإن التمييز هنا مهم، لأن الجوهر الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية لم يشهد تحولا فعليا. فالعناصر المؤسسة له، وهي مقاومة الهيمنة الغربية، والعداء لإسرائيل، وفهم السيادة انطلاقا من نظام ذي مرجعية إسلامية، كانت راسخة قبل الحرب الحالية بوقت طويل.

أ.ف.ب
علي لاريجاني في السفارة الإيرانية بالعاصمة اللبنانية بيروت في 17 فبراير 2020 أمام صورة للجنرال الإيراني الراحل قاسم سليماني

 

يكمن خطر إساءة قراءة اللحظة الراهنة في الخلط بين التشدد الذي تفرضه الحرب وبين تحول أيديولوجي حقيقي

فهذه ليست عقائد جديدة ولدت من أتون الصراع، بل مبادئ موروثة، منغرسة في بنية النظام منذ عام 1979، ورسختها عقود من المواجهة والتكيف. وما قد يكون في طور التغير ليس مضمون هذه الأيديولوجيا، وإنما الشروط التي تعبّر فيها عن نفسها، وكذلك الظروف التي يبدي فيها النظام استعدادا لتقديم تنازلات، في الداخل كما في مواجهة الضغوط الخارجية. واليوم، فإن اعتماد إيران على ورقة التحكم بمضيق هرمز، وضغوطها السيبرانية، وتصعيدها العسكري اللامتكافئ، يعكس أدوات دولة تخوض حربا أكثر مما يعكس تحولا في جوهرها الأيديولوجي.

ويجسد صعود مجتبى خامنئي هذا التحول بوضوح. فهو، بخلاف والده الذي منحته سنوات حكمه الطويلة سلطة لا تضاهى بين مختلف الأجنحة، يعتمد بدرجة أكبر على "الحرس الثوري"، ويرتبط على نحو أوثق بالمؤسسة الأمنية التي يسرت صعوده. ولا يجعله ذلك، في حد ذاته، أكثر أيديولوجية، لكنه يعني أن التعبير عن الأيديولوجيا بات أكثر التصاقا بمؤسسات قامت هويتها، حتى الآن، على انضباط الخطاب، وإحكام السيطرة على المجتمع، وروح المواجهة في وجه الخصوم الخارجيين. وفي مناخ كهذا، تغدو المرونة أصعب إظهارا، حتى إن ظلت قائمة في الممارسة.

ويعزز أسلوب التعامل مع الرئيس مسعود بزشكيان هذه الخلاصة. فقد قوبلت محاولته المبكرة، خلال الحرب، لتخفيف التوتر مع دول الخليج العربي– وهي لا تشكل خروجا جوهريا على ما درجت عليه إيران في دبلوماسيتها الإقليمية– برد فعل سريع وحاد. وكشفت هذه الواقعة ضيق الهامش المتاح لإعادة ضبط الخطاب. ففي مراحل سابقة، كان ممكنا استيعاب مثل هذه الإشارات ضمن السجل الأوسع الذي يستخدمه النظام في توجيه رسائله. أما اليوم، فهي مهددة بأن تُقرأ دليلا على الضعف. وكما في كثير من الأنظمة الأيديولوجية، فإن هذه الأنظمة تكشف عن نفسها، لا عبر ما تعلنه فحسب، وإنما أيضا عبر ما تحظره وتضيّق عليه. وليس ذلك، بالضرورة، دليلا على تحول أيديولوجي أعمق، بقدر ما هو مؤشر إلى نظام يتعرض للضغط، فيحكم إغلاق صفوفه، ويشدد الرقابة على حدوده الداخلية.

ويزيد غياب شخصيات مثل لاريجاني وخرازي هذا المسار وضوحا. فقد كان الرجلان من صلب النظام ومتجذرين عميقا في هياكل السلطة داخل الجمهورية الإسلامية. غير أنهما مثّلا أيضا تقليدا خاصا داخل هذا النظام، رأى في الدبلوماسية أداة لإدارة الصراع، حتى مع الحفاظ على خطاب المقاومة. ولا يعني غيابهما زوال هذا التقليد. فما زالت شخصيات مثل وزير الخارجية عباس عراقجي حاضرة، كما أن آخرين، مثل محمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى، يجمعون بين الخلفية الأمنية والبرغماتية السياسية. إلا أن ميزان التوازن تغير. فقد تقلصت الطبقة السياسية التي شكلت الوجوه الأبرز للدبلوماسية الإيرانية، ومعها تراجع الحضور العلني للمرونة. ومع اختفاء هذا الثقل الموازن، يميل النظام بطبيعته إلى مكوناته الأثقل والأشد رسوخا.

(أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجانب ملصق يحمل صورة مجتبى خامنئي في طهران، بعد فشل محادثات السلام بين واشنطن وطهران، 13 أبريل 2026

 

كما في كثير من الأنظمة الأيديولوجية، فإن هذه الأنظمة تكشف عن نفسها، لا عبر ما تعلنه فحسب، وإنما أيضا عبر ما تحظره وتضيّق عليه

وما يبرز هنا ليس اختفاء الدبلوماسية، وإنما تحولها. فالتفاوض، حيثما جرى، كما في المحادثات الأميركية الإيرانية الأخيرة في إسلام آباد، بات يدار على نحو متزايد عبر شخصيات يمكن وصفها بأنها هجينة، تقف عند تقاطع الأمن والسياسة وتتحرك بأريحية في المجالين معا. وبالنسبة إلى هؤلاء، لا يقدم التوافق على أنه تنازل، بل على أنه امتداد للقوة. تتبدل المفردات، لكن الحسابات العميقة تبقى على حالها.

وهذا ما يساعد على تفسير مفارقة اللحظة الراهنة. فعلى السطح، يبدو النظام أكثر صلابة، وأكثر قمعا، وأكثر مركزية، وربما أشد نفورا من الانخراط مع الخارج. غير أن المنطق الاستراتيجي، تحت هذا السطح، يكشف قدرا واضحا من الاستمرار. فما تزال إيران تتحرك داخل منظومة من القيود. فالضغط الاقتصادي، واختلال موازين القوة العسكرية، والتشابكات الإقليمية، كلها تفرض حدودا على ما يمكن أن تحققه سياسة المقاومة الخالصة. ويظل البقاء هو الأولوية العليا، وكان البقاء، على الدوام، يتطلب قدرا من المعايرة الدقيقة. ويعزز هذا التقدير إرسال وفد إيراني كبير ورفيع المستوى للتفاوض مع الأميركيين في باكستان.

لهذا كله، يبدو مبكرا الجزم بأن النظام دخل مرحلة من التطرف الأيديولوجي. فمظاهر التشدد حقيقية، لكن فهمها الأدق يكون بوصفها تحولات مؤسسية وإجرائية أكثر من كونها تحولا في العقيدة نفسها. لقد أصبح النظام أكثر خضوعا لهيمنة الأجهزة الأمنية، وأقل تسامحا مع الانحراف الخطابي، وأضعف توازنا بعد تراجع الشخصيات التي ارتبطت هويتها بالدبلوماسية. وتمنح هذه التغيرات الدولة مظهرا أشد أيديولوجية، إلا أن هذا المظهر قد يحجب استمرارا أعمق. فالتضييق ليس مرادفا للتحول.

ومع ذلك، ينطوي هذا المسار على خطر أبعد مدى. فالأنظمة التي تضيق فضاءها الداخلي إلى حد مفرط قد تفقد، مع مرور الوقت، مرونة التعبير ومرونة التفكير معا. إن تهميش الأصوات الدبلوماسية، ورفع مكانة الفاعلين الأمنيين، والحساسية المتزايدة تجاه كل ما قد يفسر على أنه لين، كلها تهيئ بيئة يغدو فيها التكيف أصعب بمرور الزمن. وما يبدأ تماسكا فرضته الحرب قد يتصلب، إذا طال أمده، ويتحول إلى سمة أكثر رسوخا وديمومة.

أما التقدير الأكثر اتزانا في الوقت الراهن، فهو أن الجمهورية الإسلامية لم تصبح، على نحو واضح، أكثر أيديولوجية في جوهر معتقداتها. والذي تغير هو درجة التركيز في كيفية إدارة هذه المعتقدات والتعبير عنها. وخلاصة الأمر أن اغتيال لاريجاني وخرازي، ومعهما مسؤولون آخرون كثر، لم يسلب النظام قدرته على التفاوض، بل غير هوية الذين ينهضون بهذه المهمة. فالتحول الحقيقي منذ 28 فبراير/شباط لا يتمثل في نشوء أيديولوجيا جديدة أشد قسوة، وإنما في أن الأيديولوجيا نفسها باتت تفرض ويعبر عنها عبر عدد أقل من الفاعلين، وأكثرهم صلابة وخشونة.

font change

مقالات ذات صلة