لم يكتفِ اغتيال إسرائيل علي لاريجاني وكمال خرازي بإزاحة شخصيتين بارزتين من المشهد السياسي للجمهورية الإسلامية، فقد فهمته بعض الأوساط السياسية والتحليلية في طهران كمحاولة لمحو أمر أقل ظهورا وأبعد أثرا: قدرة النظام على التحدث بلغة التسوية. كما اندرج الاغتيال ضمن سياق أوسع يتصل باختفاء الرجال الذين ساعدوا طهران، طوال سنوات، على مخاطبة العالم الخارجي.
ظل لاريجاني، على امتداد سنوات طويلة، يؤدي دور المترجم بين القوة الصلبة الإيرانية واللغة الدبلوماسية اللازمة لإدارتها في الخارج. أما خرازي، وزير الخارجية السابق وصاحب الخبرة الممتدة لعقود، فكان حارس الإشارات الاستراتيجية للنظام والعارف بخفاياها وسبل إيصالها. وعلى مدى أعوام، شغل الرجلان موقع أبرز مستشاري السياسة الخارجية لدى "المرشد الأعلى" الراحل، آية الله علي خامنئي. وبدا اغتيالهما، للوهلة الأولى، تأكيدا لتحول يتجه نحو نظام أكثر انغلاقا وأكثر تصلبا، تتراجع فيه الدبلوماسية أمام منطق الميدان.
غير أن المشهد الذي تلى الاغتيال كان أكثر تعقيدا. فقد صمد النظام، ولم تتعطل آليات صنع القرار. واستمرت الحرب قبل الهدنة الهشة، كما استمرت القنوات غير المباشرة، والإشارات السياسية، وحسابات الضبط الدقيقة التي ميزت فن إدارة الدولة الإيرانية على مدى عقود. وما كشفته تلك المرحلة اللاحقة هو حقيقة أساسية عن الجمهورية الإسلامية: أن قدرتها على الصمود مؤسسية أكثر منها شخصية. فالسلطة لا تستقر في يد فرد واحد، مهما علا شأنه، وإنما في بنية متدرجة صممت لاستيعاب صدمات من هذا النوع تحديدا. ولا تزال مؤسسات مثل المجلس الأعلى للأمن القومي، و"الحرس الثوري"، والشبكة الأوسع التي تصل الأمن بالسياسة، تشكل المحركات الأساسية للاستراتيجية الإيرانية. وقد يؤدي غياب لاريجاني وخرازي، مع مرور الوقت، إلى تغيير نبرة السياسة وأسلوب عرضها، لكنه لم يغير اتجاهها الجوهري.

