فيصل الأحمر لـ"المجلة": الخيال عندنا مرتبط بالكذب وعلينا تصويب هذه الرؤية

الشهرة لا تقاس بدرجات قبول الكتاب لعمليات تقليم الأظفار

فيصل الأحمر لـ"المجلة": الخيال عندنا مرتبط بالكذب وعلينا تصويب هذه الرؤية

يعتبر الروائي الجزائري فيصل الأحمر من القلائل، إن لم يكن الوحيد، الذين كتبوا في أدب الخيال العلمي في الجزائر. في مسيرته هذه، حاول أن يمنح النص الروائي الجزائري أبعادا جديدة، مغايرة لتلك التي وسمت متنه والتصقت به. في هذا الحوار، نتناول معه خلفيات هذه التجربة وماذا استفاد منها، وعن تجربته في كتابة ما يشبه السير الذاتية لشخصيات من التاريخ المنسي، المهمل، والبعيد عن الجزائر، بالإضافة إلى رؤيته للحركة النقدية، ومكانة الرواية الجزائرية في آفاق الرواية العربية.

تنزع أعمالك ذات الطابع التأملي والفلسفي، إلى التشويق والغموض في واقع مشتبك ومعقد في الجزائر، كيف تتجهز لأعمالك في هذا الفضاء الواسع؟

أحاول دوما ألا أتقيد بالأفق الفكري الذي يسعى دائما صوب موضوع واحد (موضوع الساعة)، ولا على الرؤية النمطية الموحدة للعالم، ذلك الذي يسميه ميشال فوكو إبستيمات الفترة الحالية. وأحب تلك المسافة الضرورية للفهم التي تفصل بين الطارئ والضروري. في أعمالي الأدبية والروائية، خاصة، أحاول أن أتنقل بخيالي وأسئلتي بحرية بين التاريخ والفلسفة، والذاكرة والسياسة، والمشاعر الشخصية والتجارب الجماعية، بمعنى أن نصوصي تصبح استكشافات مثيرة لأبعاد خفية في الحياة اليومية، محولا الحقائق المألوفة إلى فضاءات أدبية معقدة وجذابة. لا يهمني بت القضايا المحيطة بنا التي تملؤها الجعجعة، وإنما يشغلني البحث الدؤوب عن المعنى.

حافزي منذ ربع قرن وأكثر هو المعادلة الصعبة التي تحقق ذلك التناغم النادر بين الابتكار الشكلي والعمق الفلسفي. البحث عن التجريب بجرأة، عن بنية مميزة للسرد، ونبرة خاصة ومبتكرة للأصوات، وأساليب لغوية خاصة يفرضها الموضوع والسياق ووجهة النظر.

 لا يهمني بت القضايا المحيطة بنا التي تملؤها الجعجعة وإنما يشغلني البحث الدؤوب عن المعنى

 أعتقد أنني ظللت رافضا الصيغ المتكررة أو الأنماط التقليدية، وهذا ما التقطه القراء بشكل تراكمي. فما أبحث عنه في كتاباتي هو ما أحب من نصوص أقرأها، نصوص غنية فكريا دون أن تفقد رنينها العاطفي. ينبثق فيها التساؤل الفلسفي بشكل طبيعي من الشخصيات والمواقف والصور. نصوص تقول الجديد عن زمننا دون أن تعلن ذلك صراحة.

واقع الخيال العلمي

طرقت باب الخيال العلمي وكتبت رواية "أمين العلواني"، وهي من الأعمال التي كان الكثير من المتابعين للمشهد الروائي يقولون إنك من الأوائل الذين غامروا في هذا المتن بالجزائر. كيف تقرأ هذه التجربة الآن؟ ولماذا، في رأيك، يحجم الروائيون عن الولوج فيها؟

أعتقد أن تجربتي قد تميزت بنقطتين مهمتين، والكلام ليس كلامي فقط، بل هو إقرار منتشر بعض الشيء وسط أهل الاختصاص. النقطة الأولى هي استبعاد النظرة غير الجادة صوب هذا النوع الأدبي، الذي كثيرا ما ارتبط بكتابة تستهدف الشباب أو بنوع من سرحات الخيال التي لا يمكن أخذها على محمل الجد. وعلينا أن نتذكر دوما أن الخيال في الثقافة العربية مرتبط بالكذب، مما يمس بمقامه كمعطى بان، وليس هداما للحقيقة. وربما كان علينا أن ننتظر كثيرا قبل تصويب هذه الرؤية وإعادة تأهيل الخيال في بناء سرح الحقيقة.

النقطة الثانية، وأنا أراكم ثلاثين سنة أو أكثر من العمل في هذا المجال، هي أنني قد نجحت في خلق ولع شديد واهتمام انتقلت عدواه إلى كثير من الشباب، الذين كان حلمهم الأقصى منذ ثلاثين سنة أن يكتبوا قصصا أو روايات واقعية أو عاطفية. ونحن اليوم نراهم يبدعون في الخيال العلمي بثقة كبيرة، وهذا شيء جميل جدا.

فيصل الأحمر

شخصيا، أرفض تماما القناعة التي ترى أن العرب على صلة عسيرة بالخيال العلمي، يخشونه ويتجنبونه، لأنهم بلا ثقافة علمية أو لأن واقعهم فارغ من العلم والتكنولوجيا. أعتقد أن الظاهرة لم تناقش بشكل جيد بعد.

أرفض القناعة التي ترى أن العرب على صلة عسيرة بالخيال العلمي، يخشونه ويتجنبونه، لأنهم بلا ثقافة علمية أو لأن واقعهم فارغ من العلم والتكنولوجيا

رأيي الذي ذكرته في كتابي (عن الخيال العلمي، أتحدث)، هو أن ما يقف خلف الظاهرة، أمر يتعلق بما يسمى بالتخطيط المجتمعي، بالأطر الثقافية الموسعة، أي الأطر الحضارية، وليس مسألة ذوق فني  أو ميل أدبي. بالنسبة للخيال العلمي، أعتقد أن هناك عددا معتبرا لا يستهان به من الأعمال التي يمكننا أن نستشف منها ملمحا معينا. أقول هذا الكلام على بينة، لأن الفكرة التي لا مفر منها بالنسبة لمن يقرأ بتمعن كتابي الجماعي في هذا الميدان، "خرائط العوالم الممكنة"، ثم كتابي المكمل له، "أحفاد المعري"، وفيهما نصوص ودراسات وشهادات لنحو عشرين كاتبا من مختلف البلدان العربية، إحدى أفكار الكتاب هي الطريقة الجميلة التي دخل بها الكتاب العرب إلى ميدان الخيال العلمي الغربي (أو العالمي)، دخولا مشبعا بالولع والحماسة، والتبني الحماسي للأشكال والأفكار، ثم انتقاؤهم مجموعة من التيمات والأشكال الكتابية دون غيرها. الفكرة أن الكاتب العربي طوع جنون الخيال العلمي لمتطلبات الذوق العربي، والثقافة العربية، والبعد الجمالي المتماشي مع مخرجات الثقافة والتاريخ العربيين الإسلاميين، وفي هذا، تصرف حميد يدل على عبقرية معينة، لا على عقدة طورها من يشعرون بالنقص إزاء أمر دخيل عليهم، لا يرتاحون إليه.

غلاف "العشاء الأخير لكارل ماركس"

 "مدينة أوغسطين" و"العشاء الأخير لكارل ماركس" عملان لافتان من حيث استدعاؤك لهذه الشخصيات العالمية التي مرت بالجزائر. ما أهمية الاعتماد على مثل هذه الشخصيات في تناول الذاكرة والتاريخ؟

هناك ولع واضح لدى القراء بفكرة إعادة الحياة إلى شخصيات عاشت قديما، بهدف واحد ووحيد هو استنطاق هؤلاء "العظماء" والإصغاء إلى ما كانوا سيقولونه لو كانوا مكاننا، يعايشون ما نمر به وواجهتهم التحديات التي تؤرقنا. ماذا سيكون رأيهم وموقفهم مما نعيشه، وماذا كانوا سيقولونه في سياقنا هذا.

في روايتي حول ماركس، أعدت قراءة الرأي المتكرر الذي يعتبر خاطئا، وهو أنه لم يدن الاستعمار بشكل صريح. وهذه قراءة سطحية لا تتعمق في فهم فكر ذلك الفيلسوف الإنساني الكبير. وقد استدعيت ماركس إلى الجزائر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، فترة انتشار الحركة الاستيطانية في الجزائر، ثم بنيت له سياقا استنطق رأيه حول هذه الظاهرة التي كانت جديدة، فكان ما كان.

سيطرت على المشهد رؤية تجزيئية خاطئة ترد كل موضوع وكل مسألة إلى ضرورة اتخاذ موقع واضح على إحدى الضفتين: إسلامي وغير إسلامي

أما شخصية القديس أوغسطين، فقد ذهبت بها إلى مستقبل "ما بعد إنساني"، وجعلته يتحرك في رواية خيالية علمية ذات بعد فلسفي عميق. لقد جعلته يواجه الخسران الكبير لمشروعه: إنسان خارق، ابن مدينة الله، الذي يتغلب على نفسه ليصبح "مؤمنا" ويخرج من سجن البواعث الحيوانية صوب حرية "المحبة الإلهية". وهي تجربة لا تزال قيد القراءة والتقويم.

غلاف "مدينة القديس أوغسطين"

التاريخ الثري

على ذكر أوغسطين، كان لزيارة بابا الفاتيكان لاوون الرابع عشر، وقع استثنائي، إذ أعادنا إلى لحظة اكتشاف، أو كأننا أعدنا اكتشاف الزخم الحضاري والروحي الذي كنا تتمتع به الجزائر في زمن ما. في رأيك، هل يمكن أن تزيل هذه الزيارة الغبار عن التاريخ المنسي أو المهمل؟

هي معركة وعي، لا توجد تسمية أخرى. لقد سيطرت على المشهد رؤية تجزيئية خاطئة ترد كل موضوع وكل مسألة إلى ضرورة اتخاذ موقع واضح على إحدى الضفتين: إسلامي وغير إسلامي. وأدى هذا الاستقطاب المضحك إلى طرح مسائل في غاية السخافة وفي غاية الخطر أيضا: هل ينبغي أن نحتفي بميراث القديس أوغسطين كمكون جزائري كبير، وكإضافة إلى الميراث العالمي؟ أم علينا أن نستبعده بحكم كونه مسيحيا ينتمي إلى فضاء ديني مختلف؟

هذه المسألة تشبه برنامجا في الإعلام الآلي، فهو يطوع كل موضوع إلى لغته الخاصة، وهذا الخطاب الانتقائي الاقصائي قد عمل عميقا وتطور في غفلة منا بحيث صرنا اليوم نناقش بعسر ما كنا قد حسمناه منذ خمسين سنة، معتقدين أنها مسألة مفروغ منها. والدرس الكبير هو أن بيداغوجيا المجتمع وبيداغوجيا الحضارة تعتمدان دوما على المراجعة والتذكير والتكرار كما هي الحال مع الصغار. أما بالنسبة لزيارة البابا للجزائر فهي خطوة ضرورية للتذكير بصفحة مهمة في جزائر غفلت مطولا عن ثرائها وعمقها التاريخي، وهو حرفيا الكلام الذي كرره البابا مرارا في أحاديثه.

الروائيون والجوائز

إلى أي مدى، وأنت أكاديمي أيضا، ترى أن النقد واكب الحركة الروائية في الجزائر؟ هل وصل النص الروائي إلى آفاق أرحب، وأصطف مع الكثير من النصوص العربية؟ أين يقع الآن؟ وهل ساهمت الجوائز كمنافذ للتعريف بما يكتب لدينا؟

أعتقد أن النقد في الجزائر هو الغائب الأكبر. ورغم بعض المحاولات الجامعية الجادة، على قلتها وضيق دائرة انتشارها، فما هو موجود لا يفي بالغرض تماما. أما النقد الصحافي المعول عليه، فقد مات تماما، وقد اغتيل بشكل ممنهج في الربع الأخير من القرن الماضي.

غلاف "النبي الأفريقي"

شخصيا، لا أحب كثيرا وضع النص الجزائري في أفق عربي أو عالمي. يهمني أن تكون هناك نصوص جميلة تزين شرفات القول الجميل في كل مكان في العالم. يمكن وجهة نظر جدلية أن ترى في النصوص العربية نصوصا قليلة الحظ من الإبداع، يهيمن عليها الصمت، بعكس النصوص المحملة موضوعات التابوهات، وهي النصوص التي تطمع في الجوائز.

يمكن وجهة نظر جدلية أن ترى في النصوص العربية نصوصا قليلة الحظ من الإبداع، يهيمن عليها الصمت، بعكس النصوص المحملة موضوعات التابوهات

كثير من الكتاب العرب، يعرفون ذلك ويحاولون قدر الإمكان تجنبه تلقائيا. يمكن رصد نصوص تبدو شجاعة في الطرح، تأتي بكثرة من كتاب عرب يعيشون في الغرب، يسوقون لشكل معين من الحرية يفتقدها الفضاء العربي، إلا أنهم يقعون في المحظورات، فإقاماتهم "الحرة" في الغرب تبدو مرهونة بها. وهو وضع بائس يدركون خطورته.

عبر هذين الأفقين، يصبح وجود كاتب كالراحل الطاهر وطار ورشيد بوجدرة، أو إميل حبيبي، أو صنع الله إبراهيم، وغيرهم من أصحاب الأرواح الثائرة، الناقدة، واللهجات المتحررة، هبة حقيقية للإبداع العربي.

هذا هو الهاجس الذي علينا تتبعه، لا أن نقيس الشهرة بالانتشار الإعلامي المبرمج حسب درجات قبول الكتاب لعمليات تقليم الأظفار التي لا بد منها من قبل المؤسسات الراعية للإعلام وللتظاهرات الكبرى، التي آخر ما يهمها هو الفن، وأول ما يحركها هو محاربة حرية التعبير، أو الاحتكام إلى أرقام المبيعات، التي غالبا ما تدل على المحدودية الفنية أكثر مما تدل على الجودة.  

font change