يأتي الكاتب والناقد العراقي المقيم في لندن فاروق يوسف من سياق ثقافي متعدد، إذ تشكلت تجربته بين النقد الفني والكتابة التأملية، فحمل إلى نصوصه حساسية بصرية ولغوية دقيقة. اشتغل طويلا على المتابعة النقدية للفن التشكيلي العربي والعالمي، مما منح لغته قدرة على بناء المشهد عبر التفاصيل، وعلى تحويل الصورة إلى طاقة سردية، حيث يظهر في كتاباته ميل واضح إلى إعادة إحياء الذاكرة، لتتقاطع التجربة الشخصية مع التحولات الكبرى التي شهدها العراق.
تنفتح نصوصه على أفق إنساني واسع، حيث تتجاور السيرة مع التأمل، وتتحول الكتابة إلى فعل بحث دائم عن المعنى. ضمن هذا المسار، يأتي كتابه الجديد "دعها نائمة" امتدادا لهذه الرؤية، حيث تتكثف اللغة، وتتداخل الحكاية مع الحلم، لتنتج نصا سرديا غنيا بالتجربة والحنين.
يندرج "دعها نائمة"، الصادر عن "دار الكتاب" في تونس (2026)، ضمن مساحة إبداع شديدة الخصوصية، تتقاطع فيها السيرة الذاتية مع التأمل الفلسفي، وتتشابك الحكاية مع استعادة الذاكرة، فتتشكل كتابة تنبع من الداخل أكثر مما تستند إلى تسلسل خارجي للأحداث. يتكئ الكاتب على حساسية عالية تجاه الزمن، ويعيد تشكيل التجربة عبر لغة مشحونة بالصور والانفعالات، فتغدو الكتابة فعل إقامة داخل الذاكرة، ومحاولة دؤوبة لالتقاط ما يتبدد.
ينهض الكتاب على إدراك عميق لطبيعة الذاكرة بوصفها عملية إعادة تشكيل مستمرة، إذ تعود الأحداث في هيئة كتابة تحمل أثر التجربة وروحها. لذلك يتحول السرد إلى حقل من التداخلات، حيث تتجاور الطفولة مع المنفى، ويتقاطع الحلم مع ما يروى، وتنبثق بغداد من بين هذه الأحداث بوصفها كيانا يعيد تكوين نفسه مع كل استدعاء.
بغداد تتكلم
تتجلى بغداد في الكتاب كشخصية مركزية تمتلك ذاكرتها الخاصة، وتتحرك داخل النص كأن الكلمات تمنحها جسدا متجددا، لتسهم في تشكيل التجربة وتوجه مساراتها، فتغدو جزءا أصيلا من نسيج السرد وحركته.



