في ورقة بحثية حملت عنوان "من بغداد إلى لندن: الكشف عن التطوير المدني في أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا 88-1800" From Baghdad to London: Unraveling Urban Development in Europe, the Middle East, and North Africa, 800–1800 قارن باحثون بين المدينة العربية في العصر الذهبي والمدن الأوروبية، التي كانت في التوقيت نفسه تعايش عصورها المظلمة الوسطى، وكان المثير للانتباه في هذه الورقة أن المدينة العربية في نواح كثيرة كانت متفوقة تماما على المدن في أوروبا، حتى مع كونها مدنا داخلية لم تستفد من إطلالتها على البحار أو الأنهار في التجارة.
ففي الوقت الذي كانت فيه مدن أوروبا، كلندن، لا تزال بلدات صغيرة، كانت بغداد تحولت سريعا إلى متروبوليس عالمية يقطنها مئات آلاف البشر، تتشابه في ذلك مع مدن عظمى، كالقاهرة ودمشق وقرطبة، التي ظلت مراكز للقوة الاقتصادية والثقافية حتى عام 1200.
هذا التفوق كان جليا في معدل التمدن الذي بلغ حينها في الشرق الأوسط ثلاثة أضعاف نظيره الأوروبي، وكان الدور الحاسم في نمو هذه المدن يعود إلى كونها عواصم كانت تستقطب الثروة والنشاط الاقتصادي بفضل تركيز الإنفاق العام وتركز الامتيازات الملكية فيها.
لم يقتصر هذا الازدهار المدهش على حجم المدن فحسب، بل تجسد في قيام نظام حضري متكامل ومترابط جدا استمر حتى القرن العاشر، وولد هذا الترابط من رحم الوحدة السياسية تحت لواء حكم واحد، وسيادة اللغة العربية التي وحدت هذه الشعوب، فضلا عن المشتركات الثقافية والدينية، مما أسس فعليا لمنطقة تجارة حرة واسعة عززت التبادل والتفاعل الحضاري بين الأقطار الإسلامية المترامية.




