في تطور لافت بعد تصاعد الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة منذ اندلاع الحرب، برزت أوكرانيا بشكل مفاجئ كمصدر خبرة عملية في ملف بات يؤثر مباشرة على أمن الطاقة والموانئ والمطارات وشبكات البنية التحتية في الشرق الأوسط. لا يعود ذلك إلى امتلاك كييف منظومة دفاعية سحرية جديدة، بل إلى خبرة عملياتية تراكمت تحت ضغط يومي خلال الحرب، دفعتها إلى تطوير أساليب أكثر كفاءة لرصد واعتراض طائرات "شاهد" المسيرة بتكلفة منخفضة للغاية، قد تصل في بعض الحالات إلى نحو ألف دولار فقط للاعتراض.
في هذا السياق، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن عددا من قادة دول الخليج تواصلوا معه لبحث الاستفادة من الخبرة الأوكرانية في مواجهة هجمات الطائرات المسيرة. وأوضح أنه أجرى اتصالات مع قادة من الإمارات وقطر والبحرين والكويت، إلى جانب الأردن. كما ذكرت وكالة "رويترز" أن اتصالات جرت بين زيلينسكي وكل من رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وتناولت المباحثات التطورات الإقليمية وإمكانات التعاون في مواجهة تهديد الطائرات المسيرة.
وأكد زيلينسكي استعداد بلاده لتبادل الخبرات وتقديم الدعم التقني، وشدد على ضرورة ألا يأتي ذلك على حساب الجبهة الأوكرانية أو يؤثر على قدراتها الدفاعية داخل البلاد.
كما علق الرئيس الأميركي دونالد ترمب على فكرة الاستفادة من التجربة الأوكرانية، مؤكدا انفتاحه على أي تعاون أو مساعدة يمكن أن تقلل الأخطار وترفع كفاءة الدفاعات في مواجهة هجمات الدرونز المنخفضة التكلفة.
لذا، لم يعد السؤال المطروح ما إذا كانت دول المنطقة تمتلك منظومات دفاع جوي، بل كيف يمكن بناء طبقات دفاع متعددة قادرة على امتصاص موجات متتالية من الطائرات المسيرة دون استنزاف سريع للمخزون الدفاعي أو ارتفاع كبير في تكلفة الاعتراض. وهنا تبرز أهمية التجربة الأوكرانية في ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد اعتراض المسيرات"، فماذا فعلت أوكرانيا تحديدا، وما نقاط القوة والضعف في نموذجها، وهل يمكن تحويل هذه التجربة إلى مشروع إقليمي شبيه بما يناقشه الاتحاد الأوروبي تحت مسمى "حائط الدرونز"؟
الخبرات الأوكرانية
أصبح اقتصاد اعتراض المسيرات نقطة التحول التي جعلت الخبرة الأوكرانية مطلوبة خارج حدودها. ففي هجمات الإغراق لا يكون الهدف مجرد إصابة موقع محدد، بل فرض معادلة استنزاف طويلة الأمد بواسطة مسيرات رخيصة تطلق بأعداد كبيرة في مواجهة دفاعات تقليدية تعتمد على ذخائر مرتفعة التكلفة.
وقد واجهت أوكرانيا هذه المعضلة بتغيير منطق الدفاع نفسه ونقلت جزءا متزايدا من عبء الاعتراض من الصواريخ التقليدية إلى وسائل أقل تكلفة وأكثر قابلية للتوسع. في مقدمة هذه الوسائل ظهرت درونات اعتراض جوية تعمل ضمن طبقات دفاع متكاملة، أي مسيرات مصممة خصيصا لمطاردة وإسقاط مسيرات أخرى.

