كان علي خامنئي في الرابعة والعشرين من عمره حين استقل الطائرة للمرة الأولى. وكان يفترض أن تكون لحظة مثيرة في حياة شاب في مثل سنه، غير أن الملابسات جرّدتها من أي بهجة. فقد كان رهن الاحتجاز لدى جهاز الأمن السري سيئ السمعة، “السافاك”، ويُنقل من زاهدان في جنوب شرق إيران إلى طهران، حيث كان في طريقه إلى سجن قزل حصار.
جرى ذلك في الأول من فبراير/شباط 1964، بعدما أمضى شهر رمضان في حشد الأنصار في زاهدان ومدن أخرى في إقليم بلوشستان الإيراني، دعما لحركة دينية ناشئة أخذت ترفع صوتها في مواجهة نظام الشاه. واعتمد في خطاباته الحماسية على المجاز والإيحاء، متجنبا استهداف الشاه مباشرة، إلا أن ذلك لم يحل دون إثارة الشبهات التي أفضت إلى سجنه.
عاش خامنئي حياة متقشفة. فقد ولد في منزل متواضع لا تتجاوز مساحته سبعين مترا مربعا في مدينة مشهد المقدسة شمال شرق إيران، وتزامنت سنواته الأولى مع الحرب العالمية الثانية والغزو الأنغلو-سوفياتي لإيران. وينحدر والداه من سلالة دينية وهو ما أتاح للأب وأبنائه حمل لقب سيد وارتداء العمامة السوداء بوصفهم رجال دين. وولد والده جواد في النجف بالعراق، المدينة الشيعية، وظل رجل دين طوال حياته.
على الرغم من نسبهم الرفيع، عاش آل خامنئي حياة فقر وتقشف. فقد تقاسمت الأسرة، المؤلفة من سبعة أفراد، فناء صغيرا ومطبخا وغرفتين لا غير. وخلال طفولته، تمثلت أمنية علي الكبرى في اقتناء حذاء رياضي يبدل نعليه المتواضعين. ولقنه والده القرآن منذ نعومة أظفاره، فنشأ ميالا إلى سلوك طريق العمل الديني. وفي السابعة من عمره قام بأول رحلة خارج البلاد إلى العراق. ولما عجز والده عن الحصول على جواز سفر، عبرا الحدود خلسة على متن قارب. وأمضيا ستة أشهر يتنقلان بين المراقد الشيعية في العراق، من دون أن يفلحا في بلوغ السعودية لأداء فريضة الحج.
لم يتخل علي عن طموحاته الدينية، فالتحق بالحوزة العلمية في مشهد، حيث تتلمذ على يد آية الله هادي ميلاني. ثم انتقل إلى قم، وهناك التقى عام 1957 بالرجل الذي سيغدو قدوته في مسيرته الدينية والسياسية، آية الله روح الله الخميني.
احتل رجال الدين الشيعة تقليديا مكانة رفيعة في إيران، وأدوا أدوارا سياسية محورية في إيران والعراق خلال التاريخ الحديث. غير أنه بحلول ستينات القرن الماضي استبدلت شريحة واسعة من المؤسسة الدينية الشيعية في إيران معارضتها التقليدية للنظام بولاء حظي برعاية ملكية. وحتى شخصيات مثل ميلاني لم ترغب في تحدي السلطة. وإظهارا لمراعاة مشاعر رجال الدين، كان الشاه أحيانا يتبنى أولوياتهم، فشهدت خمسينات القرن الماضي اضطهاد البهائيين، أكبر أقلية دينية غير مسلمة في إيران. كما لم يمنح إسرائيل اعترافا دبلوماسيا قانونيا كاملا، رغم العلاقات الوثيقة بين البلدين، مراعاة جزئية لموقف المؤسسة الدينية. وكان جهاز "السافاك" يتعامل في كثير من الأحيان بقدر من الاحترام مع آيات الله، حتى أثناء التحقيق معهم. لكن هذا التوازن لم يدم طويلا.
كان خامنئي من أوائل رجال الدين الذين انضموا إلى الخميني في القطيعة مع النزعة التقليدية التي آثرت الابتعاد عن السياسة، متجهين إلى تبني عمل سياسي راديكالي. وقد مهدت وفاة المرجع الأعلى آية الله العظمى حسين بروجردي عام 1961 الطريق أمام صعود حملة الخميني، إذ كان بروجردي قد سعى إلى كبح تسييس الحوزة العلمية.



