أزمة هرمز تدفع أوروبا نحو الجزائر... هل حان وقت الغاز الصخري؟https://www.majalla.com/node/330968/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2-%D8%AA%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%86%D8%AD%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D9%87%D9%84-%D8%AD%D8%A7%D9%86-%D9%88%D9%82%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D8%9F
مع اشتداد أزمة الطاقة العالمية جراء إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي وفرض سيطرة كاملة عليه ردا على الحصار الأميركي وشح الإمدادات من الخليج، شهدت الجزائر توجها أوروبيا مكثفا وغير مسبوق. يتمثل هذا النشاط في زيارات رفيعة المستوى لتأمين الإمدادات من النفط الخام والغاز الطبيعي إلى أوروبا.
فهل تملك الجزائر القدرات اللازمة من أجل تلبية الطلب المتزايد على المنتجات الطاقوية، وهل آن الأوان لتنويع مصادر الطاقة لتشمل الغاز الصخري، لا سيما أن الجزائر تصنَّف اليوم إلى جانب كل من الإمارات والمكسيك وأوستراليا وتركيا وأندونيسيا ضمن المناطق الست الأكثر جذبا للاستثمارات المستقبلية في هذا المجال؟
منذ أن استعرت نار الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير/ شباط 2026، عرفت البلاد زيارات مسؤولين رفيعي المستوى مثل رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني ووزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس ووزير الخارجية البرتغالي باولو رانغيل. وناقشوا جميعهم قضية أمن الطاقة لمواجهة تقلبات السوق في أعقاب الصراع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز وانخفاض إنتاج النفط والغاز من دول الخليج كقطر والبحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة.
مع تفاقم أزمة الطاقة إثر إغلاق مضيق هرمز وتراجع إمدادات الخليج، كثفت أوروبا تحركاتها نحو الجزائر عبر زيارات رفيعة لتأمين إمدادات النفط والغاز
تكشف آخر البيانات والإحصائيات الرسمية والتقارير المتاحة ارتفاع إنتاج الجزائر من الغاز الطبيعي خلال فبراير/شباط الماضي بنسبة 1.5 في المئة على أساس سنوي، ليبلغ 8.95 مليار متر مكعب، أي بزيادة قدرها 128 مليون متر مكعب، مقارنة بالفترة ذاتها من العام المنصرم. وقد صعد متوسط الإنتاج اليومي إلى 11.29 مليار قدم مكعبة، مقابل 11.12 مليار قدم مكعبة يوميا في فبراير/شباط من العام الماضي.
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلا رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني في الجزائر العاصمة، 25 مارس 2026
وفي السياق ذاته، ارتفع استهلاك الغاز في البلاد بنسبة 4 في المائة، ليبلغ 5.17 مليار متر مكعب مدفوعا أساسا بقطاع توليد الكهرباء الذي استهلك وحده 1.64 مليار متر مكعب مع اعتماد شبه كامل على الغاز بنسبة تصل إلى 99 في المائة. دفع ذلك خبراء الاقتصاد إلى دق ناقوس الخطر لأن ارتفاع الطلب الداخلي على الغاز يؤثر سلبا على صادرات البلاد لا سيما نحو الجنوب الأوروبي.
احتياطات ضخمة
أمام الطلب المتزايد على الغاز الجزائري، يرى مختصون أنه آن الآوان للتوجه نحو إعادة فتح ملف استغلال الغاز الصخري في الصحراء الجزائرية للنهوض بالاقتصاد الوطني. أكد هذه الفكرة المهندس الجيوفيزيائي بشركة "سوناطراك" الجزائرية (أكبر شركة للنفط والغاز في أفريقيا)، سليمان قلاتي، في محاضرة بعنوان "تحرير إمكانات الموارد البحرية وغير التقليدية للمحروقات في الجزائر خلال معرض نايباك"، الذي انعقد في وهران في سبتمبر/ أيلول الماضي. وقال: "لا يمكن إطلاقا أن تكتفي الجزائر بالمحروقات التقليدية، في وقت يشهد العالم تحولات طاقوية عميقة وتراجع الحقول الناضجة، مما يجعل استغلال الموارد البحرية وغير التقليدية بمثابة ضرروة ملحة".
وتأتي الجزائر في المرتبة الثالثة عالميا من حيث الإحتياطات القابلة للاستخراج تقنيا بموارد تُقدر بنحو 707 تريليونات قدم مكعبة، وتأتي خلف الصين والأرجنتين، وفقا لدراسات قامت بها إدارة معلومات الطاقة الأميركية، شملت 41 دولة حول العالم.
شعار شركة الطاقة الحكومية "سوناطراك" في مقرها الرئيس في الجزائر العاصمة، 25 نوفمبر 2019
تتوزع هذه الاحتياطات على 7 أحواض رئيسة هي: حوض بركين، حوض إليزي في الجنوب الشرقي، حوض تيميمون، حوض أحنات، حوض مويدير في وسط الصحراء الجزائرية، وأخيرا حوض رقان وحوض تندوف في أقصى الجنوب الغربي الجزائري. ويعتبر هذا الحوض آخر اكتشافات الجنوب وهو يغطي منطقة احتمال تفوق مساحتها 40,000 ميل مربع داخل الحدود الجزائرية. وحسب أرقام رسمية تحتوي هذه الأحواض على نحو 3,419 تريليون قدم مكعبة من الغاز الصخري.
ينبه الأمين العام للمركز الجزائري للدراسات الاقتصادية والبحث في قضايا التنمية المحلية البروفسور نصر الدين ساري في حديثه إلى "المجلة" أن "في إمكان الجزائر أن تعزز موقعها كقوة طاقوية على الساحة الدولية خاصة في ظل تنامي مؤشرات الطلب في السوق الإقليمية الأوروبية والدولية والحاجة الماسة إلى مورد آمن وموثوق به".
في إمكان الجزائر أن تعزز موقعها كقوة طاقوية على الساحة الدولية خاصة في ظل تنامي مؤشرات الطلب في السوق الإقليمية الأوروبية والدولية والحاجة الماسة إلى مورد آمن وموثوق وبه
نصر الدين ساري، الأمين العام للمركز الجزائري للدراسات الاقتصادية والبحث في قضايا التنمية المحلية
ويشير إلى أن "استغلال غاز الإردواز أو غاز الشيست قد يسمح برفع إنتاج الغاز من 137 مليار متر مكعب حاليا إلى نحو 200 مليار متر مكعب سنويا في حلول 2030، كما أن الاستثمارات المرتقبة في هذا المجال قد تتخطى عتبة 50 مليار دولار، وهو ما يعزز قدرة الجزائر على زيادة صادراتها إلى أوروبا وآسيا. ويمكن الغاز أن يسهم في الناتج الداخلي الخام من طريق استعماله كمصدر للطاقة التي تمثل أهم محددات النُمو الاقتصادي".
مصدر مالي واعد
هناك دور حيوي آخر يحتاج إلى تسليط الضوء عليه وفق البروفسور ساري وهو "قدرة الغاز على تحقيق تنمية مستدامة في شقها الاجتماعي كخفض معدلات الفقر وتوفير آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة". وبلغة الأرقام، يقول المتحدث إن "الجزائر، وفي حالة الشروع رسميا في استغلال هذا الغاز، مرشحة لتحقيق إيرادات إضافية قد تتجاوز 25 مليار دولار في حلول 2035 وهو ما يعزز قدرتها على تمويل مشاريع التنمية وتوسيع استثماراتها في الطاقات المُتجددة".
وعلى الرغم من الاحتياطات الواسعة التي تحوزها الجزائر ، فالخطوات التي خطتها في هذا الملف تتسم بالبطء والتأني وذلك نتيجة التخوف من الآثار البيئية لتقنية "التكسير الهيدروليكي"(Hydraulic Fracturing)، ويُعرف أيضا بـ"التصديع المائي" أو "الفراكينغ"، وهي تقنية تُستخدم لاستخراج النفط أو الغاز الطبيعي من باطن الأرض عبر ضخ سوائل (ماء + رمل + مواد كيميائية) تحت ضغط عالٍ لكسر الصخور العميقة وإطلاق الموارد المحتجزة داخلها.
موقع وصول خط أنابيب "ميدغاز" لنقل الغاز الطبيعي تحت البحر بين الجزائر وإسبانيا، في ألميريا بإسبانيا، 10 يونيو 2022
وهنا يمكننا أن نستحضر المعارضة الشعبية الكبيرة التي أوقفت عملية بداية حفر الآبار التجريبية عام 2015.
ويرى البروفسور ساري أن "التحول إلى الغاز الصخري يحتم على الجزائر ضرورة تطوير تكنولوجيا استغلاله واستخراجه مع التركيز على استقطاب خبرات دولية لضمان أقصى درجات الأمان البيئي".
وعلى الرغم من التباطؤ، يبرز وجود اتفاق تقريبي حول الجوانب الفنية مع الشركاء الأجانب بينما لا يزال التفاوض جاريا حول بعض الجزئيات التجارية مع عملاقي الطاقة الأميركيين "إكسون موبيل" (ExxonMobil) و"شيفرون" (Chevron)، لاستكشاف وتطوير الموارد غير التقليدية.
ضرورة بناء توافق وطني
ويقول الأمين العام للمركز الجزائري للدراسات الاقتصادية والبحث في قضايا التنمية المحلية إن "الجزائر تستند في هذا التوجه إلى إصلاحات قانونية مهمة أبرزها قانون المحروقات لعام 2019 الذي وفر بيئة استثمارية أكثر جاذبية". ويعد قانون المحروقات الجزائري الجديد (رقم 19_13 المؤرخ في 11 ديسمبر/ كانون الأول 2019) الإطار القانوني الحالي لاستكشاف واستغلال الغاز الصخري، إذ أدرج للمرة الاولى وبشكل صريح أنشطة الغاز والنفط الصخريين لجذب المستثمرين الأجانب عبر تعزيز الشراكات (عقود مساهمة، مشاركة) وإلغاء قيود العمق.
متظاهر يلوّح بالعلم الجزائري خلال اعتصام في 5 مارس 2015 في ساحة الصمود ببلدة عين صالح الصحراوية جنوب الجزائر، احتجاجا على استكشاف الغاز الصخري
المطلوب أيضا وفق المتحدث "إبقاء النقاش حول هذا المورد في إطاره العلمي والاقتصادي بعيدا من التجاذبات. فالموضوع يتعلق بثروة وطنية يمكن أن تشكل رافعة للتنمية الاقتصادية"، والأهم على حد تعبيره هو "بناء توافق وطني حول هذا الملف الاستراتيجي وهذا من خلال إشراك المواطن في المعلومة والقرار وضمان الشفافية في مراحل الاستغلال تفاديا لتكرار سيناريو 2015 إذ شهدت البلاد احتجاجات شعبية في الجنوب بعد إعلان الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة بداية عمليات الاستكشاف".
المطلوب إبقاء النقاش حول هذا المورد في إطاره العلمي والاقتصادي بعيدا من التجاذبات. فالموضوع يتعلق بثروة وطنية يمكن أن تشكل رافعة للتنمية الاقتصادية
نصر الدين ساري، الأمين العام للمركز الجزائري للدراسات الاقتصادية والبحث في قضايا التنمية المحلية
ويخشى سكان الجنوب من الأخطار التي قد تلحق بالبيئة مثل: تلويث المائدة المائية وحتى استنزافها، إذ تشير دراسات علمية إلى أن الماء يُستعمل في عملية التكسير الهيدروليكي لصخر الشيست وتتراوح الكمية المطلوبة بين 1,000 إلى 25,000 متر مكعب للبئر الواحدة. تضاف إلى ذلك المخاوف القائمة من تلويث سطح الأرض بالمياه المرتجعة والمنتجة والكيماويات وانبعاثات غاز الميثان الذي يُعتبر من أهم الغازات المسببة للاحتباس الحراري بعد ثاني أكسيد الكربون، على الرغم من أن بعض الدراسات أكدت أن تسربه من الآبار ومعدات المعالجة نادر جدا ووجوده في المحيط ناجم عن تحلل المواد العضوية ومناجم الفحم بنسبة 90 في المئة.
وإذا نجحت الجزائر في هذا المسار وتخطت جميع العقبات البيئية، التقنية، والاجتماعية، فإنها ستتحول إلى فاعل رئيس في سوق الغاز العالمية، ليس فقط كمصدر تقليدي للغاز الطبيعي بل أيضا كأحد أبرز منتجي الغاز الصخري بما يمنحها وزنا جيوسياسيا متزايدا ويساهم بشكل كبير في تعزيز أمن الطاقة على المستويين الإقليمي والدولي.