أزمة الطاقة لن تنتهي سريعا... حتى لو انتهت الحرب مع إيران

في حال صمود وقف النار فإن إزالة آثار الدمار ستستغرق أشهرا

("المجلة")
("المجلة")

أزمة الطاقة لن تنتهي سريعا... حتى لو انتهت الحرب مع إيران

استقبلت أسواق النفط إعلان التوصل إلى اتفاق لوقف النار بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت متأخر من مساء الثلاثاء، بحماسة مشوبة بالحذر. فهوت أسعار النفط الخام في نيويورك ولندن بأكثر من عشرة في المئة، ليتراجع سعر البرميل من 110-115 دولارا إلى ما دون المئة خلال ساعات.

غير أن هذه الحماسة ليست في محلها. فحتى لو صمد وقف إطلاق النار الهش، وهو أمر لا يزال يثير شكوكا كبيرة في ظل استمرار إطلاق النار في أنحاء المنطقة، وعمق التباين بين واشنطن وطهران في فهم ما اتفق عليه، فإن عودة أسواق الطاقة إلى حالتها الطبيعية ستحتاج إلى أشهر. ويصدق ذلك على المنتجات النفطية المكررة التي يستخدمها الناس يوميا أكثر مما يصدق على النفط الخام نفسه، أما سائر منتجات الطاقة، مثل الغاز الطبيعي المسال، فقد تحتاج إلى سنوات قبل أن تستعيد توازنها.

والحقيقة الجلية أن كل ما فُقد خلال شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان من إنتاج النفط الخام وتكريره وتصديره، ومن المنتجات المكررة، ومدخلات صناعة الأسمدة، والبتروكيماويات، قد مضى بلا رجعة. ويعني ذلك أن أسعار هذه المواد، بما فيها الديزل الذي يدير الشاحنات والجرارات، ووقود الطائرات الذي ينقل المسافرين والبضائع جوا في أنحاء العالم، والأسمدة التي تشكل ركنا أساسيا في إنتاج الغذاء، ستظل مرتفعة حتى النصف الثاني من هذا العام على أقل تقدير. وذلك على افتراض أن لا تنهار أسس السلام الهشة التي أُعلن عنها يوم الثلاثاء.

(رويترز)
مركبات تتزود بالوقود وسط مخاوف من الإمدادات بسبب الحرب، دكا، بنغلاديش، 6 أبريل 2026

وقالت ناتاليا لوسادا، المتخصصة في المنتجات المكررة في شركة "إنيرجي أسبكتس" الاستشارية في لندن: "يفترض السيناريو الأرجح لدينا أن تبدأ تدفقات الطاقة في العودة تدريجيا مع نهاية أبريل، وما حدث أمس لا يبدل هذا التقدير. وفي الحقيقة، لا يزال غير واضح ما الذي جرى الاتفاق عليه تحديدا. وعلى أي حال، فلن يكفي أسبوعان لاستعادة التدفقات عبر مضيق هرمز على نحو كامل".

المفقود من إنتاج وتكرير وتصدير النفط الخام والمنتجات المكررة والمواد الأولية للأسمدة والبتروكيماويات خلال شهري مارس وأبريل ضاع إلى الأبد

وأضافت: "لن يمكن تعويض كل الكميات التي فُقدت من المعروض لاحقا. وسواء كنت في آسيا أم في أوروبا، فستضطر إلى السحب من المخزونات ثم إعادة بنائها. وما دامت المخزونات عند مستويات منخفضة، فستظل الأسواق هشة ومعرضة للتقلب".

ولا يقتصر الأمر على تكاليف الوقود التي يدفعها المستهلكون يوميا أو الرسوم الإضافية التي تفرضها شركات الطيران على التذاكر. فاستمرار أزمة الطاقة يحمل كذلك كلفة بشرية. ففي أنحاء آسيا، من الهند وباكستان إلى كوريا الجنوبية، أفضت صدمة الطاقة إلى إغلاق مدارس وتقليص أسابيع العمل. كما ستبقى أسعار الغذاء مرتفعة بالنسبة إلى الفئات الأشد هشاشة، سواء في بعض تلك البلدان الآسيوية أو في مصر وتركيا، وفق تقديرات مجموعة "أوراسيا".

وكلما طال أمد تقييد تدفقات السلع عبر مضيق هرمز، وهو أهم عنق زجاجة في العالم، ازدادت تلك التداعيات حدة واتساعا. وهنا تبرز المشكلة الأولى، إذ إن مضيق هرمز لا يزال، من الناحية العملية، مغلقا.

ولا تزال الصورة ضبابية فيما يتعلق بما تريده الولايات المتحدة وإيران لمستقبل هذا الممر البحري، الذي يشكل الشريان الأهم للطاقة في العالم. فإيران تتصرف على أساس أنها ستواصل إدارة المضيق، كأنه نقطة جباية خاصة بها، ومن المفترض أن يكون ممرا مائيا دوليا تنظمه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتشير أحدث المقترحات إلى فرض رسوم عبور تسدد بالعملات المشفرة.

وفي المقابل، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الأربعاء فكرة دخول الولايات المتحدة في "مشروع مشترك" مع إيران لإدارة المضيق. لكن طهران عادت لاحقا فأعلنت أنها لن تعيد فتحه ما لم توقف إسرائيل هجماتها على لبنان، وهو شرط تؤكد إيران وباكستان أنه كان جزءا من اتفاق وقف إطلاق النار، فيما تنفي الولايات المتحدة وإسرائيل ذلك.

(أ.ف.ب)
مزارع يحمل الأرز المحصود في حقل بآتشيه، إندونيسيا، 2 أبريل 2026

وقال ريتشارد برونز، وهو محلل في الجغرافيا السياسية للطاقة لدى شركة "إنيرجي أسبكتس" في لندن: "تصريحات إيران واضحة جدا. فهي تتوقع أن تحتفظ بسيطرة واسعة على حركة السفن في هرمز بعد انتهاء النزاع. وبعض تعليقات الرئيس ترمب أوحت بأنها تقبل بهذا الواقع، حتى لو ظلت تفاصيله غير واضحة".

من الهند وباكستان إلى كوريا الجنوبية، أدت صدمة الطاقة إلى إغلاق مدارس وتقليص أسابيع العمل

وأضاف: "سيحاول الدبلوماسيون إعادة صياغة هذا الترتيب في صورة أكثر قبولا، كأن يطرح إنشاء كونسورتيوم دولي لإدارة المضيق. غير أن العودة إلى الوضع السابق، حين كانت الملاحة تمر بحرية ولا يتجاوز الأمر تهديدات لفظية من المتشددين الإيرانيين، تبدو احتمالا مستبعدا".

ويأتي ذلك فوق ما بدا أنه خرق لوقف إطلاق النار يوم الأربعاء، حين تعرض خط الأنابيب السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب، وهو خطة الطوارئ التي تعتمد عليها المملكة، لهجمات. وينقل هذا الخط النفط بعيدا عن مضيق هرمز إلى موانئ التصدير على البحر الأحمر، الذي بقي حتى الآن أقل عرضة للتهديد من الخليج.

وأعلن مصدر مسؤول بوزارة الطاقة السعودية، الخميس، عن تعرُّض منشآت الطاقة الحيوية في البلاد لاستهدافات متعددة مؤخراً، بما يشمل مرافق إنتاج البترول، والغاز، والنقل، والتكرير، ومرافق البتروكيميائيات، وقطاع الكهرباء في مدينة الرياض، والمنطقة الشرقية، وينبع الصناعية. وأوضح المصدر في بيان، أن هذه الاستهدافات شملت إحدى محطات الضخ على خط أنابيب شرق-غرب الحيوي، ما أدى إلى فقدان نحو 700 ألف برميل يومياً من كميات الضخ عبر الخط، والذي يعد المسار الرئيس لإمداد الأسواق العالمية في هذه الفترة، مشيراً إلى تعرض معمل إنتاج منيفة لاستهداف أدى لانخفاض إنتاجه بنحو 300 ألف برميل يومياً من طاقته الإنتاجية، في حين سبق تعرض معمل خريص لاستهداف أدى إلى انخفاض إنتاجه بمقدار 300 ألف برميل يومياً من طاقته الإنتاجية، مما أدى إلى انخفاض الطاقة الإنتاجية للمملكة بمقدار 600 ألف برميل يومياً.

وأفاد المسؤول بأن الاستهدافات امتدت إلى مرافق التكرير الرئيسة، بما فيها مرافق ساتورب في الجبيل، ومصفاة رأس تنورة، ومصفاة سامرف في ينبع، ومصفاة الرياض، مما أثر بشكل مباشر على صادرات المنتجات المكررة إلى الأسواق العالمية، مضيفاً أن مرافق المعالجة في الجعيمة تعرضت لحرائق، مما أثر على صادرات سوائل الغاز البترولي، وسوائل الغاز الطبيعي. زاد المصدر بأن استمرار هذه الاستهدافات يؤدي إلى نقص في الإمدادات، ويبطئ من وتيرة استعادتها، بما ينعكس على أمن الإمدادات للدول المستفيدة، ويسهم في زيادة حدة التقلبات في أسواق البترول، مؤكداً أن ذلك انعكس سلباً على الاقتصاد العالمي، خصوصاً مع استنفاد جزء كبير من المخزونات التشغيلية والاحتياطية (الطارئة) العالمية، مما أثر على توافر الاحتياطيات، وحدَّ من القدرة على الاستجابة لهذا النقص في الإمدادات.

ويعرقل تضييق الخناق على المضيق، في المقام الأول، تدفقات النفط الخام. غير أن ما يشغل الحكومات والرأي العام على نحو أكبر هو المنتجات المكررة.

فإلى جانب الأضرار المباشرة التي لحقت ببعض المصافي في الخليج وتوقفها عن العمل، تراجعت أيضا كميات النفط الخام التي تصل إلى المصافي القائمة والقادرة على التكرير. والنتيجة نقص في المنتجات الاستهلاكية مثل البنزين، وعلى نحو أشد في الديزل ووقود الطائرات.

وبدأت آسيا تشعر بهذه الضغوط منذ الأيام الأولى للحرب، أما أوروبا فاعتمدت حتى الآن على السحب من احتياطاتها، لكنها تقف على أعتاب مرحلة أشد إيلاما، حتى لو استمر وقف النار. وعرض معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة هذا الأسبوع، بالتفصيل، كيف أن تراجع القدرة التكريرية في أوروبا، مقترنا بانخفاض واردات المنتجات المكررة من الشرق الأوسط ومناطق أخرى، ينذر بمزيد من المتاعب لقارة كانت تعاني أصلا من ضعف النمو الاقتصادي.

(رويترز)
لهب يتصاعد من منشأة حرق الغاز في مصفاة "توتال إنرجيز" في دونج قرب سان نازير غرب فرنسا، 9 أبريل 2026

وقالت لوسادا: "إذا نظرنا إلى أوروبا، نجد أنها وصلت إلى نقطة حرجة". ومهما تكن مآلات وقف النار المعلن، فإن الدول الأوروبية ستجد نفسها مضطرة إلى مواصلة السحب من مخزوناتها التجارية من المنتجات النفطية لسد الفجوة التي خلفتها الناقلات التي لم تصل. وأضافت: "سيحتاج كل ذلك لاحقا إلى إعادة ملء، وهو ما سيعني، بشكل أو بآخر، مزيدا من الطلب"، بكل ما يستتبعه ذلك من بقاء الأسعار مرتفعة طوال النصف الثاني من العام.

قدرة التكرير الأوروبية، إلى جانب انخفاض واردات المنتجات المكررة، تنذر بمشكلات لقارة كانت تعاني أصلا من ضعف النمو الاقتصادي

ثم هناك الجانب المتصل بإنتاج النفط نفسه، وهو جانب لن يستعيد عافيته سريعا. فقد بدأت الدول المنتجة للنفط في الخليج، وفي مقدمتها العراق، خفض إنتاجها منذ المراحل الأولى للحرب، لأن تعذر نقل النفط يجعل الاستمرار في ضخه بالوتيرة نفسها أمرا مستحيلا. وتفاوتت درجات الإغلاق من دولة إلى أخرى في المنطقة، لكن المسألة الأهم أن إعادة تشغيل الإنتاج تحتاج إلى أسابيع عدة، وربما إلى أشهر، على ما أوضحه تقرير نشرته شركة "وود ماكنزي" الاستشارية الكبرى في مجال النفط والغاز يوم الأربعاء. أما العراق، فقد تستغرق عودته إلى مستويات الإنتاج السابقة ما بين ستة وتسعة أشهر، فيما يمكن أن يختلف الوضع في دول أخرى مثل الكويت، إلا أن مسار التعافي سيكون طويلا في جميع الأحوال.

وما ينطبق على أسواق النفط ومنتجاته ينطبق، بدرجة أشد، على أسواق الغاز الطبيعي. فقطر، ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، ستحتاج هي الأخرى إلى أسابيع أو أشهر قبل أن تتمكن من إعادة إنتاجها من الغاز إلى مستواه الطبيعي. وبعد ذلك، وحتى إذا استطاعت السفن العبور فعلا، فإن وصول الشحنات إلى الأسواق سيحتاج إلى بضعة أسابيع إضافية. أما نحو الـ6 في المئة من القدرة العالمية لإنتاج الغاز الطبيعي المسال، التي دمرتها إيران في المنشأة القطرية الكبرى، فستظل خارج الخدمة لسنوات.

وبعبارة أخرى، ربما فتحت أسواق الطاقة زجاجات الاحتفال قبل أوانها. فالعالم لا يزال أمام أشهر من تداعيات هذه الأزمة، حتى في أفضل السيناريوهات التي تفترض صمود وقف النار. وستطال أضرارها الناس في كل قارة، وتمس تفاصيل حياتهم اليومية على نحو يكاد لا يدع جانبا بمنأى عنها. وذلك هو السيناريو الأكثر تفاؤلا.

font change

مقالات ذات صلة