مع تنفيذ إسرائيل هجوما واسعا، هو الأعنف منذ بدء الحرب، على بيروت ومناطق أخرى، عبر مئة غارة جوية خلال دقائق معدودة، يصبح السؤال الرئيس ليس إذا كان لبنان مشمولا بـ"هدنة إيران" أو لا، بل لماذا عبّرت إسرائيل عن عدم التزامها بهذه الهدنة التي توسطت فيها باكستان، من خلال ارتكاب مجزرة راح ضحيتها أكثر من مئة قتيل وثمانمئة جريح، في غزّ النهار ومن دون أي إنذارات مبكرة؟
الجيش الإسرائيلي برر الهجوم، بالحديث عن استهداف 100 مقر وبنية تحتية عسكرية تابعة لـ"حزب الله"، وقال في بيان: "إن هجوماً غير مسبوق كهذا هو تحذير قاس لقيادة “الحزب”، يوضح ماذا سينتظره إذا لم يقبل الشروط الإسرائيلية وينزع سلاحه تماماً". لكن حتى لو كانت هذه المواقع موجودة في بنك الأهداف الإسرائيلي، فإن توقيت استهدافها، والطريقة المروعة التي تم بها هذا الاستهداف، هي الأهم في كل ما حصل.
إذ إن اختيار إسرائيل موعد الهجوم بعد ساعات من إعلان هدنة الأسبوعين بين أميركا وإيران، لا تقتصر مفاعيله على لبنان وحسب بل تشمل إيران أيضا. بمعنى أن الهجوم الإسرائيلي الواسع في لبنان، والذي أعاد إلى الأذهان مشاهد من اجتياح بيروت عام 1982، وربما أقسى منها، يطرح سؤالا رئيسا عما إذا كانت إسرائيل تهدف من وراء هجومها العنيف والذي طال شوارع سكنية مكتظة في قلب بيروت وللمرة الأولى، ليس فقط تأكيد عدم قبولها شمول الهدنة الجبهة اللبنانية، بل تخريب الهدنة برمتها، أي إعادة استئناف الحرب.
بالتالي حوّلت إسرائيل لبنان إلى المحك الذي يحسم مستقبل هذه الهدنة، ولعل الصراع الرئيس بين إيران وإسرائيل هو الآن حول الموقف الأميركي، بمعنى أن كلا الطرفين، وكل بحسب موقعه في الصراع، يراهن على "كسب" الموقف الأميركي. فقول ترمب إن إيران تعلم أن لبنان غير مشمول باتفاق الهدنة، لا يفترض قراءته بمعناه اللبناني الحصري أي بإعطاء إسرائيل ضوءا أخضر لاستكمال عملياتها في لبنان، بل بمقدار تمسك ترمب بالهدنة مع إيران واستعداده للدفاع عنها حتى لو اضطر أن "يضبط" إسرائيل في لبنان.
أهمية موقف ترمب من لبنان تكمن عند هذه النقطة بالذات، أي إنه وفي مقابل إعلان إيران أن "اتفاق إسلام آباد" يشمل لبنان، فإن السؤال هو عمّا إذا كان الرئيس الأميركي يختبر استعداد إيران للإطاحة بالهدنة، دفاعا عن "حزب الله"، في حال واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان؟
وفي المقابل، فإن تصريح إيران أنها تدرس شن ضربات على إسرائيل لأنها لم تلتزم بوقف إطلاق النار في لبنان، يؤشر إلى أن طهران لا تدرك تماما إلى أي حد يتمسك ترمب بالهدنة، إذ إن رهانها الرئيس هو هنا. وبالتالي فهي تتحسب الدخول في رد تناسبي على هجمات إيران في لبنان، يمكن أن يطيح الهدنة من أساسها، في حال ردت تل أبيب في قلب طهران وليس في قلب العاصمة اللبنانية المنكوبة.
ولذلك فإن إيران لم ترد مباشرة على إسرائيل فور هجومها على بيروت، بل استهدفت عوضا عن ذلك دول مجلس التعاون الخليجي محاولة إرساء معادلة "لبنان مقابل دول الخليج"، لكنها معادلة لا تبدو متينة، إذ بات من الواضح أنها لم تردع إسرائيل التي تحاول ربما، من خلال تكثيف هجومها على بيروت، استدعاء رد إيراني ضدها، سيطيح الهدنة ويدفع واشنطن إلى استئناف حربها ضدّ طهران. وبالتالي هناك نوع من صراع إيراني إسرائيلي على موقف ترمب، وهذا يتجاوز مسألة ما إذا كان لبنان مشمولا بالهدنة أو لا، فالأساس هنا أن إسرائيل تعتبره خارج الاتفاق والإدارة الأميركية أيضا، فإما أن تقبل إيران، التي تتعامل استراتيجيا مع لبنان كما لو أنه جزء منها الآن، بهذه المعادلة وتذهب إلى المفاوضات الجمعة من موقع ضعف، وإما ترفضها وإن كان ثمن هذا الرفض سقوط الهدنة وعودة الحرب.
وكانت الولايات المتحدة وإيران اتفقتا على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، لتتوقف حرب مستمرة منذ ستة أسابيع أودت بحياة الآلاف وامتدت في أنحاء الشرق الأوسط وتسببت في اضطراب غير مسبوق في إمدادات الطاقة العالمية. في وقت كانت المنطقة تستعد منذ أيام لجولة تصعيد جديدة كانت ستكون الأعنف من كل سابقاتها منذ اندلاع "حرب إيران" في 28 فبراير/شباط الماضي، وكان السباق مع الوقت قد بدأ مع الدخول في الساعات الأخيرة لمهلة دونالد ترمب لإيران التي تنتهي عند الساعة الثالثة فجر الأربعاء بتوقيت الشرق الأوسط؛ فإما موافقة طهران على شروطه لإبرام اتفاق والانسحاب من الحرب، وإما تدمير المنشآت الطاقية ومحطات الكهرباء والجسور، وكل ذلك خلال 4 ساعات، ستكون كفيلة بإعادة إيران إلى "العصر الحجري" أو إفناء الحضارة الفارسية بأكملها، كما قال ترمب الثلاثاء. بيد أنه لم يكن مفاجئا إعلان الرئيس الأميركي لـ"هدنة الأسبوعين"، بعد أن كان قد مدد مهله لإيران ثلاث مرات منذ بدء الحرب.
على الرغم من ذلك كان على المنطقة توقع السيناريو الأكثر خطورة وإن كان حدوثه ليس حتميا، وقد بدأ الإسرائيليون بالفعل بتحديث قائمة أهدافهم داخل إيران، على اعتبار أنهم مستعدون للقيام بـ"العمل القذر"، كما سبق أن قال ترمب وكذلك المستشار الألماني فريدريش ميرتس وإن بصيغة أكثر دبلوماسية وأقل حدة. وهذا ما فعلته تل أبيب عندما اغتالت- "بيدها"- "المرشد" الإيراني علي خامنئي والعشرات من قيادات الصف الأول والثاني، إذ إن عملا كهذا "لا يليق" بدولة عظمى مثل الولايات المتحدة. ثم إن ترمب قد يوكل هذه "المهمة القذرة" إلى صديقه بنيامين نتنياهو، خصوصا في ظل الجدل الذي أثارته تهديداته الأخيرة لإيران، داخل الولايات المتحدة وخارجها، عن أنها ستعد في حال تنفيذها انتهاكا للقانون الدولي وجريمة حرب.
إلا أنّ السؤال المطروح كان يتجاوز من سيقوم بالمهمة وحجم الأضرار التي قد تطال "البنية التحتية المدنية" في إيران، فالسؤال الأكثر أهمية هو، ماذا سيحدث بعد موجة التصعيد هذه؟ هل ستدفع الضربات الموجعة النظام الإيراني إلى التنازل والقبول بالشروط الأميركية، أم إنه سيستمر في المواجهة ما أمكنه ذلك، على اعتبار أن استراتيجيته ترتكز على أمرين: الأول مواصلة استنزاف الولايات المتحدة من خلال السيطرة على مضيق هرمز والتأثير في أسعار النفط، والثاني الاستمرار في إطلاق الصواريخ الباليستية نحو إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي. وهنا يمكن استحضار إحدى أهم خلاصات تجربة "الجمهورية الإسلامية"، وهي أنها لا تتنازل إلا تحت الضغط الشديد، وفي الوقت نفسه فإن الضغط الخارجي يرسخ نظامها.


