رسوم مضيق هرمز... قراءة قانونية في "الجباية" الإيرانية غير المشروعة

إيران تُحصّل ما لا تملك

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
سفينة شحن قبالة سواحل الفجيرة بالقرب من مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، 25 فبراير 2026

رسوم مضيق هرمز... قراءة قانونية في "الجباية" الإيرانية غير المشروعة

يطرح إغلاق إيران مضيق هرمز وتداعياته العسكرية والدبلوماسية سؤالا قانونيا بالغ الدقة لم يحسم بعد: هل تملك إيران الحق في فرض رسوم مرور على السفن العابرة للمضيق، أم إن هذا الممر الاستراتيجي يخضع لنظام قانوني دولي يجرّد أي دولة من ممارسة السيادة عليه؟

وقد أضفت إيران على هذا السؤال طابعاً عمليا لا نظريا، حين أعلنت في 24 مارس/آذار فرضها رسوما تصل إلى مليوني دولار على بعض السفن مقابل السماح لها بالعبور، في سابقة لم تشهدها الملاحة الدولية في هذا الممر من قبل.

وتطرح تلك التطورات الميدانية المتلاحقة سؤالين جوهريين: هل يجوز قانوناً لإيران فرض مثل هذه الرسوم على المضيق شأنه في ذلك شأن الرسوم المفروضة في القنوات الدولية مثل قناة السويس وبنما وكييل بألمانيا، أم إن هذا المضيق ممر دولي لا يجوز لدولة ممارسة مظاهر سيادة عليه مثل فرض الرسوم أو منع بعض السفن من العبور؟

وتستند طهران ضمنيا إلى المنطق ذاته المعمول به في قنوات تلك الدول، حيث تجني الدول المشغّلة عوائد مالية مقابل خدمات الملاحة. غير أن ثمة فارقا جوهريا يميّز هرمز عن تلك القنوات، فهرمز مضيق طبيعي يخضع بموجب اتفاقية قانون البحار لنظام "حق المرور العابر"، الذي يكفل للسفن حرية المرور دون إذن مسبق أو رسوم إجبارية، في مقابل القنوات الاصطناعية التي تقع بالكامل تحت السيادة الوطنية لدولة بعينها.

ويزيد المشهد تعقيداً أن إيران وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لكنها لم تصدق عليها، مما يفتح الباب أمام تفسيرات متضاربة حول مدى إلزامية هذه الأحكام في حقها.

وفي 28 فبراير/شباط 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات عسكرية على إيران، فردّت طهران بإغلاق مضيق هرمز فعليا واستهداف ناقلات النفط ودول الخليج العربي، مما أفضى إلى انهيار حركة الملاحة وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية. وفي 21 مارس، أصدر الرئيس ترمب إنذاراً بـ48 ساعة مهدداً بضرب محطات الطاقة الإيرانية، قبل أن يمدّد المهلة بعد إعلانه التوصل إلى اتفاق مبدئي نفته طهران جملةً وتفصيلاً. وفي 24 مارس، أضافت إيران منعطفا جديدا حين أعلنت فرض رسوم على بعض السفن العابرة للمضيق، وهو الإجراء الذي يقف في صلب الجدل القانوني موضوع هذا المقال.

كما كشفت تقارير في الصحافة الأميركية عن مناقشات جدية داخل إدارة الرئيس ترمب بشأن دراسة خيار نشر قوات برية أو بحرية لفرض السيطرة على جزيرة "خرج" الإيرانية، وهي جزيرة تابعة لإيران تقع في الخليج العربي في وسط المضيق وتتحكم بالملاحة فيه، ويخرج منها حوالي 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية، لإجبار طهران على إعادة فتح المضيق.

وتقدمت البحرين نيابة عن دول الخليج بمشروع قرار أمام مجلس الأمن، يسمح لأي دولة باستخدام "كل الوسائل اللازمة" لضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.

ويزيد المشهد تعقيداً أن إيران وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لكنها لم تصدق عليها، مما يفتح الباب أمام تفسيرات متضاربة حول مدى إلزامية هذه الأحكام في حقها

هل يجوز لإيران فرض رسوم على المرور في مضيق هرمز؟

للإجابة على هذا السؤال  بتعمق قانوني ينبغي التفرقة بين مفهوم المضائق البحرية والقنوات البحرية اللذين يتشابهان فيما بينهما، فالمضائق الدولية هي "ممرات بحرية طبيعية تستخدم للملاحة الدولية وتربط بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر منهما"، بينما القناة البحرية هى "طريق مائي مصطنع بقصد تيسير الملاحة يقع في الأغلب بضفتيه في إقليم دولة، ومن ثم فإنها تعد جزءاً من إقليم هذه الدولة، وبالتالي يكون لهذه الدولة الحق في ممارسة كافة مظاهر السيادة عليها بما لا يتعارض مع حرية الملاحة، فتفرض عليها رسوم عبور وتطبق تشريعاتها الوطنية عليها وتمارس سلطاتها التنفيذية والقضائية على السفن العابرة للقناة".

رويترز
جندي قوات مشاة البحرية الأميركية، يراقب قوارب قريبة من السفينة الحربية "جون بي. مورثا" أثناء عبورها مضيق هرمز، في بحر العرب قبالة عُمان، 18 يوليو 2019

وعادة ما يتم تنظيم العبور في القنوات بموجب اتفاقيات دولية خاصة توازن بين حقوق الدولة المشاطئة وسيادتها وحقوق الملاحة الدولية لباقي الدول، بينما تخضع المضائق الدولية لقواعد قانون البحار الواردة باتفاقية الامم المتحدة.

هرمز مضيق طبيعي يخضع بموجب اتفاقية قانون البحار لنظام "حق المرور العابر"، الذي يكفل للسفن حرية المرور دون إذن مسبق أو رسوم إجبارية، في مقابل القنوات الاصطناعية في الدول

الإطار القانوني لقواعد المرور في المضائق الدولية

يُعد الإطار القانوني للمرور في المضائق الدولية أحد أبرز إنجازات اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982، حيث استحدثت هذه الاتفافية نظاما جديداً للملاحة وهو المرور العابر (Transit Passage)، ليكون تنظيماً وسطاً بين المرور الحر (Freedom of Navigation) المعمول به في المياه الدولية وأعالي البحار بوصفه حقا مطلقا غير مقيد بأي من شروط المرور بعيدا عن سيادة أي دولة، من ناحية، والمرور البرئ (Innocent Passage) والمعمول به في المياه الإقليمية للدولة الساحلية فهو محدود بالسماح بالملاحة فوق السطح فقط، وقابل للتعليق لأسباب أمنية، ويجب أن يكون "بريئاً" غير ضار بالدولة المشاطئة، من ناحية أخرى، ويمنح نظام المرور العابر جميع السفن والطائرات في المضائق الدولية الحق في ممارسة حرية الملاحة والتحليق وحدها لغرض المرور المتواصل والسريع، وهو حق لا يجوز إعاقته أو تعليقه. وقد حددت الاتفاقية واجبات الدول المشاطئة للمضيق في أنها لا يجوز لها فرض رسوم للعبور بالمضيق أو إعاقة المرور العابر، وعليها أن تعطي إشهاراً مناسباً لأي خطر يهدد الملاحة أو التحليق داخل المضيق أو فوقه تعلم به، ولا يجوز تعليق المرور العابر بأي حال.

مدى انطباق المرور العابر على مضيق هرمز كقاعدة قانونية ملزمة

يُصنف مضيق هرمز بوضوح كمضيق دولي يخضع لهذا النظام جغرافياً وقانونياً، حيث يربط بين الخليج العربي (المنطقة الاقتصادية الخالصة) وبحر عمان (أعالي البحار). ومع ذلك، تكمن الإشكالية في أن كلا من الولايات المتحدة وإيران قامتا بالتوقيع على هذه الإتفاقية لكن دون التصديق عليها حتى الآن، ومن ثم لا يمكن اعتبارهما طرفين في الاتفاقية، بل إن إيران أصدرت إعلاناً رسمياً عند توقيعها على الاتفاقية عام 1982، أكدت فيه صراحة أن بعض أحكام الاتفاقية (بما فيها نظام المرور العابر)، هي مجرد نتاج صفقة حزمية (Package Deal)، ومن ثم لا تشكل بالضرورة قواعد ملزمة دولياً بالنسبة لها، ولا تنطبق بالتالي إلا بين الدول الأطراف في الاتفاقية، كما أكدت أنها ستطبق بدلاً منها نظام المرور البريء غير القابل للتعليق وفقاً لاتفاقية قانون البحار القديمة الموقعة في جنيف عام 1958.

رويترز
خريطة تظهر مضيق هرمز في هذا الرسم التوضيحي الملتقط في 22 يونيو/حزيران 2025

وقد تأكد ذلك الاتجاه عام 1993، عندما أصدرت إيران قانوناً داخلياً بعنوان "قانون المناطق البحرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية"، والذي تم تحديد المياه الإقليمية الإيرانية بمقتضاه وبجانب فردي، بما فيها مضيق هرمز، وفقاً لحساب خط أساس بداية المياه الإقليمية والذي تدخل ضمن نطاقه مجموعة من الجزر حول جانبي المضيق من بينها الجزر الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، التي احتلتها إيران عام 1971 في أعقاب استقلال عُمان والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين عن الاحتلال البريطاني، وبموجبه تم تنظيم المرور في المضيق وفقاً لمبدأ المرور البريء ويسمح بتنظيم المرور وفق المصالح الاقتصادية والأمنية والوطنية الإيرانية، بما في ذلك حق إيران في فرض رسوم مرور، واشتراط الإذن المسبق لمرور بعض السفن.

ومن ثم فإن الموقف الإيراني في الأزمة الراهنة يستند بشكل واضح على عدم تصديق إيران على الاتفاقية واعتبار المضيق خاضعا للسيادة الإقليمية الإيرانية مع الحق في اتخاذ التدابير الدفاعية اللازمة بما فيها غلق المضيق في وجه الملاحة.

أصدرت إيران عام 1993 قانوناً داخلياً بعنوان "قانون المناطق البحرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية"، والذي تم تحديد المياه الإقليمية الإيرانية بمقتضاه وبجانب فردي

وجهة نظر الولايات المتحدة ودول الخليج  العربي في مواجهة انتهاكات إيران

ترى الولايات المتحدة ودول الخليج العربية المشاطئة لمضيق هرمز (السعودية والإمارات وعمان والكويت والبحرين وقطر) أن أفعال إيران تمثل انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي للبحار، تأتي في مقدمة هذه الانتهاكات إغلاق إيران الفعلي للمضيق، واستهداف الناقلات بالألغام والصواريخ، بالإضافة إلى محاولات فرض رسوم مرور أو "رسوم أمنية"، وهو ما يُعد مخالفة صريحة لمبدأ عدم جواز فرض أي رسوم على المرور العابر غير القابل للتعليق الذي نظمته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وتستند الولايات المتحدة في هذا الصدد على قاعدة في القانون الدولي العرفي تسمى "مبدأ أو اختبار حادثة كارولين" (Caroline affair Test)، والذي بمقتضاه يحق للولايات المتحدة ودول الخليج الدفاع عن أنفسهم استباقياً (Anticipatory Self-Defense) من هذه الانتهاكات بكافة الوسائل المناسبة، شريطة أن تكون هذه الانتهاكات "عاجلة وقاهرة بحيث لا تترك فرصة لاختيار الوسيلة أو وقتا للتشاور والتداول"، وتكون هذه الوسيلة متناسبة مع حجم الانتهاكات وفقاً لمبدأ التناسب (Proportionality)، ومن هذا المنطلق، يكون ذلك إجراء دفاعيا مشروعا ومتناسبا لحماية الملاحة الدولية، وليس اعتداءً على السيادة الإيرانية، بل تصحيح للانتهاكات المستمرة التي تهدد مصالح المجتمع الدولي بأكمله.

تستند الولايات المتحدة على قاعدة في القانون الدولي العرفي تسمى "مبدأ أو اختبار حادثة كارولين" (Caroline affair Test)، والذي بمقتضاه يحق للولايات المتحدة ودول الخليج الدفاع عن أنفسهم استباقياً (Anticipatory Self-Defense) من هذه الانتهاكات بكافة الوسائل المناسبة، شريطة أن تكون هذه الانتهاكات "عاجلة وقاهرة بحيث لا تترك فرصة لاختيار الوسيلة أو وقتا للتشاور والتداول"

السيطرة العسكرية كأداة لإنفاذ القانون الدولي

أحد أبرز السيناريوهات المطروحة في هذا الصدد السيطرة العسكرية المحدودة على مضيق هرمز أو جزيرة "خرج" تحديداً التي تتحكم في حركة الملاحة في المضيق، ووفقاً لهذا المنظور، فإن هذه السيطرة العسكرية ليست احتلالاً بالمعنى التقليدي لأرض خاضعة لدولة ذات سيادة، بل إجراء احترازي ومتناسب يهدف إلى استعادة الوضع القانوني السليم في المضيق إلى ما كان عليه، ومن ثم فهي تمثل وسيلة مشروعة لإنفاذ القانون الدولي وحماية حرية الملاحة، وليس اعتداءً على السيادة الإيرانية، بل تصحيح لانتهاكات طهران لالتزاماتها البحرية والتي يمكن للبعض وصفها بأنها شكل من أشكال "القرصنة السيادية" (Sovereign Piracy)، حولت إيران بموجبها ممرا مائيا دوليا لممر خاضع لسيطرتها التعسفية دون سند من القانون، مما يهدد حرية الملاحة كمصلحة جماعية لدول العالم، ويضر باقتصادات الدول المصدرة والمستوردة للنفط ويفتح الباب أمام فوضى بحرية عالمية.

هذه السيطرة العسكرية ليست احتلالاً بالمعنى التقليدي لأرض خاضعة لدولة ذات سيادة، بل إجراء احترازي ومتناسب يهدف إلى استعادة الوضع القانوني السليم في المضيق إلى ما كان عليه، ومن ثم فهي تمثل وسيلة مشروعة لإنفاذ القانون الدولي وحماية حرية الملاحة

وإذا نجحت دول الخليج العربي في إقرار مشروع قرار مجلس الأمن الذي قدمته البحرين، سيكون سنداً قانونياً قوياً، تمنح الأمم المتحدة به الدول الأعضاء الضوء الأخضر لاستخدام كافة الوسائل اللازمة، بما فيها القوة العسكرية، في نطاق مضيق هرمز وحوله، بما في ذلك في المياه الإقليمية للدول المشاطئة لتأمين المرور وضبط وتحييد ومنع أي محاولة لإغلاق أو عرقلة أو تدخل في الملاحة الدولية عبر المضيق. ومع ذلك ونظراً لطبيعة القانون الدولي الخاصة، فإن هذه المسألة تظل في منطقة رمادية شديدة التعقيد وتدخل فيها حسابات مصالح الدول المعنية وتتشابك فيما بينها بغض النظر عن طبيعة القواعد القانونية العامة المجردة.

font change

مقالات ذات صلة