حرب إيران... هواجس تركيا وحساباتها

تركيا تعتبر نفسها أمام خيارين، إما القبول بملايين اللاجئين او التصدي التام لهذه الحرب من موقع المناهض الجذري

أ ف ب
أ ف ب
أيرانيون يصلون الى نقطة الحدود التركية في راضي – كابيكي في شمال شرق تركيا في 3 مارس

حرب إيران... هواجس تركيا وحساباتها

مواكبة للحرب الحالية على إيران، تعيش تركيا أوقاتا سياسية وأمنية قلقة للغاية، إذ تستشعر الدوائر المقربة من مركز صناعة القرار والقوى السياسية المقربة من "الدولة العميقة" أن تحولات جيوسياسية ستحدث في المنطقة ستؤثر على دور ومكانة تركيا ضمن الكل الإقليمي، وربما تمس هويتها الداخلية، فصعود القضية الكردية داخل إيران وزيادة مستويات الاستقطاب الطائفي وإمكانية تفكك عُرى دولة إيران، التي تطابق تركيا كوريثة لإمبراطورية تاريخية، أشياء تُثير "الذعر" السياسي والأمني التركي.

زعيم حزب "الحركة القومية" التركي، دولت بهجلي، شريك الرئيس أردوغان في التحالف الحاكم وأحد القادة الأتراك المعروفين بسيطرتهم على مؤسسات الدولة العميقة في البلاد، اختصر الهواجس التركية مما يجري في إيران، إذ قال ضمن خطابه المطول خلال الإفطار الرمضاني الذي أقامه حزبه: "علمتنا التجربة السورية بثمن باهظ، أن المناطق التي تضعف فيها سلطة الدولة سرعان ما تتحول إلى ساحات لمختلف الجماعات المسلحة، والعناصر الوكيلة، وحركات الهجرة غير النظامية، والشبكات الاقتصادية غير المشروعة، والتدخل الأجنبي. وينبغي النظر إلى التطورات الحالية التي تتركز في إيران بالحذر نفسه. عندما يتشكل فراغ في السلطة في منطقة ما، تصل الأسلحة أولا، ثم أجهزة الاستخبارات، تليها حروب بالوكالة. وبعد ذلك، يُسحق شعب تلك المنطقة تحت وطأة أجندات الآخرين. السؤال الحقيقي هو أين ستكون تركيا في البنية الإقليمية الجديدة التي ستُرسى لو حدث كل ذلك في دولة مثل إيران؟!".

ذاكرة حروب العراق

الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية التركية تعيش أوضاعا عامة تشبه ما كانت تحياه أثناء "حروب العراق" المتتالية، منذ أوائل الثمانينات. إذ ثمة إحساس بأن التحولات الإقليمية الاستثنائية الراهنة ستؤثر على التوازنات الداخلية في تُركيا، وأن موجات اللاجئين ستتدفق إلى البلاد، فيما لو طالت الحرب أكثر، وستحدث خلافات وأشكال من الاستقطاب الداخلي بين القوى السياسية التركية بشأن كل ما يجري، ما سيدفع الحكومة التركية لأن تتخذ قرارات صعبة، داخليا وإقليميا.

تسعى وزارة الدفاع التركية لإنشاء "منطقة حدودية عازلة" بين تركيا وإيران، بغية منع تدفق ملايين اللاجئين من الأراضي الإيرانية نحوها، تحسبا وتجهزا لأية تطورات ميدانية في هذه الحرب

وسائل الإعلام التركية نقلت معلومات تُفيد بسعي وزارة الدفاع التركية لإنشاء "منطقة حدودية عازلة" بين تركيا وإيران، بغية منع تدفق ملايين اللاجئين من الأراضي الإيرانية نحوها، تحسبا وتجهزا لأية تطورات ميدانية في هذه الحرب.
اتصلت "المجلة" بسكانٍ من بلدة غوليشلر "Güleçler" الحدودية التابعة لمحافظة "وآن"، وسألتهم عن أية إجراءات استثنائية مُلاحظة في المنطقة الحدودية. نفى السكان وجود أية إجراءات، لكنهم أكدوا كثافة وزيادة في حركة الحافلات العسكرية في تلك المنطقة. 
الباحث المختص في الشؤون الأمنية فيصل دنيز شرح في حديث مع "المجلة" ما أسماها الحِسابات التركية الاستراتيجية في ذلك السياق، نافيا أن تكون مثل هذه الإجراءات مجرد أعمال لوجستية بغية زيادة كفاءات الخدمات فيما لو حدثت أية حالة طارئة جراء الحرب، بل هي جزء من جهد سياسي وأمني استراتيجي، يتوقع ويستعد للتعامل مع ظرف خاص للغاية، قد يُعيد رسم خريطة تركيا من الداخل، سياسيا على الأقل، لو حدثت السيناريوهات التي تخشى منها تركيا. 

أ ف ب
دورية تركية قرب الجدار الحدودي بين تركيا وايران في مقاطعة وان في الاول من نوفمبر 2024

يضيف دنيز في حديثه: "بُعيد الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران، أصدرت أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية تقريرا بعنوان (حرب الأيام الاثني عشر ودروس تركيا)، اعتبرت فيه أن الفجوة الرئيسة في التعامل التركي مع هذا الحدث الجوهري هو قلة استعدادها وجاهزيتها لاستقبال ملايين اللاجئين الإيرانيين نحو الأراضي التركية، أو منع تدفقهم. فالتنوع العرقي في إيران، وتداخله مع ما في داخل تركيا، وكثافة السكان في المناطق الغربية مع إيران، بالقرب مع الحدود مع تركيا، ومعهم ملايين الفقراء الراغبين بالفرار بغية الوصول إلى الاتحاد الأوروبي، قد يشكل خطرا استراتيجيا على الأمن الداخلي التركي. لكن التقرير استنكف عن قول ثلاث حقائق بالغة الخطورة بالنسبة للنواة الصلبة للدولة في تركيا. فتدفق اللاجئين سيزيد حتما من غلواء النزعة القومية في البلاد، التي لن تكون صِدامية ضد المهاجرين فحسب، بل أيضا ضد أكراد تركيا وملايين اللاجئين السوريين، المقيمين حتى الآن في تركيا. فطوال السنوات الماضية، كانت مسألة اللاجئين هي اللاعب الأكثر فاعلية في تحريك المشهد الداخلي، تحديدا من زاوية دور اللاجئين في إثارة النعرات الطائفية. كذلك فإن إيران تحوي عدة ملايين من اللاجئين الأفغان، وهؤلاء سيكونون أول الفارين، فمستوى ما يعيشونه من أحوال حياتية تعيسة، وما يُمارس ضدهم من عنصرية واستغلال من قِبل طبقات واسعة من مجتمع العمل الإيراني، مع فقدان آلية حماية قانونية وأمنية واضحة، سيدفعهم للنزوح نحو تركيا بأي ثمن، وطبعا تستحيل إعادتهم لإيران أو أفغانستان. مع الأمرين، فإن تدفق ملايين اللاجئين سيعني عدم القدرة على استيعابهم في المخيمات، بل مختلف المدن التركية، وتاليا تأهبا أمنيا استثنائيا، قد يكلف الخزينة العامة أعباء إضافية". 

أكراد إيران كانوا الجماعة الكردية الوحيدة التي أعلنت تأسيس دولة كردية عام 1946، وخاضوا حربا مطولة ضد السلطة أوائل الثمانينات

يتابع الباحث دنيز حديثه مع "المجلة" قائلا: "إنشاء منطقة عازلة بين البلدين ليست مسألة بسيطة، فطول الحدود بين البلدين يقارب 550 كيومترا، وأغلبيته المطلقة مناطق جبلية وعرة للغاية، في بعض أجزائها غير القصيرة جبال صخرية حادة للغاية، لم تتمكن تركيا بسببها من إيقاف عمليات التهريب أو عبور المهاجرين في أي وقت كان. وهي إلى جانب ذلك مناطق خالية من السكان تقريبا، أي إن شبكة الإمداد والخدمات اللوجستية بعيدة نسبيا. أي إنها فعليا عكس الحدود البرية التي تجمعها مع سوريا، حيث احتاج الحائط الحدودي هناك لعدة سنوات حتى اكتمل بناؤه، وذلك لقربه من المدن وجاهزيته السابقة، بسبب الانتشار التقليدي لقوات (الجندرما) التركية. بهذا المعنى، فإن المُخطط له في العقل الأمني/السياسي التركي هو استعداد وجاهزية بعيدة المدى لحرب إيران، ستكون أضعاف ما جرى بسبب حرب العراق. فتركيا تعتبر نفسها أمام خيارين، إما القبول بملايين اللاجئين وتاليا الاستعداد لقرارات سياسية قاسية، في الداخل والخارج، كما جرى أوائل التسعينات، أيام الرئيس تورغوت أوزال وقبوله بالوضع السياسي لأكراد العراق وقتئذ، بغية إرجاع المهاجرين. وإما التصدي التام لهذه الحرب من موقع المناهض الجذري، وتاليا تلقي التأثيرات الاستراتيجية، بالذات من الولايات المتحدة، وهو ما حدث أثناء اعتراض تركيا على الحرب الأميركية الأخيرة على العراق عام 2003". 

ثلاث ملفات إيرانية مقلقة


فيما تستمر الحرب، فإن تركيا تتوجس من ثلاثة ملفات داخلية إيرانية، ذات تأثير موضوعي على تركيا، بالذات على التوازنات السياسية الحالية في الداخل. 
فعلى طول الحدود المشتركة ينتشر ملايين الأكراد الإيرانيين، الذين تتراوح أعدادهم بين 7-10 ملايين نسمة، يشكلون الغالبية لثلاث محافظات حدودية.
الوضع الحالي للأكراد الإيرانيين يذكر تركيا بما كان عليه أكراد سوريا خلال السنوات الماضية، الذين خلقوا حرجا جيوسياسيا لتركيا طوال عقد كامل، ودفعوها لخوض أكثر من حرب في الداخل السوري، وشهدت تركيا بسببهم صراعات وأزمات سياسية داخلية. 
أكراد إيران منظمون سياسيا للغاية، وللتيار المقرب من "حزب العمال الكردستاني"، وهو "حزب الحياة الحرة/بيجاك" نفوذ واسع في أوساطهم. والجغرافيا والديموغرافيا الكردية الخالصة في مناطقهم لا تسمح لتركيا بممارسة نفس السياسات الاستيعابية/القمعية التي مارستها مع أكراد سوريا. هذا إلى جانب الذاكرة الجمعية والتجارب التاريخية التي حدثت معهم. فأكراد إيران كانوا الجماعة الكردية الوحيدة التي أعلنت تأسيس دولة كردية عام 1946، وخاضوا حربا مطولة ضد السلطة أوائل الثمانينات. وحصولهم على مساحة سياسية وجغرافيا بسبب تبعات الحرب، سينعكس أولا على تطور المسألة الكردية في كل دول المنطقة، لكنه أيضا سيدفع أكراد تركيا نفسها لزيادة وتيرة ونوعية مطالبهم السياسية. 

تتوجس تركيا من تضعضع مديد للدولة والنظام العام في إيران، وتحولها بالتقادم إلى ساحة لمجموعة من الصراعات الداخلية ومراكز النفوذ الإقليمية والدولية

المسألة الثانية تتعلق بقرابة 15 مليون أذري، موجودون أيضا بالقرب من الحدود التركية، في ولايتي أذربيجان الغربية والشرقية، وحتى في العاصمة طهران نفسها. تصاعدت النزعة القومية في أوساط الأذر الإيرانيين منذ أوائل التسعينات، بفعل البروز الاقتصادي والسياسي لتركيا وجمهورية أذربيجان، وتحت تأثير وسائل الإعلام التركية المُتابعة للغاية من قِبلهم. يطرح أذر إيران الذين يشكلون قرابة رُبع سكان إيران طروحات سياسية تتراوح بين طلب الاستقلال أو الكونفدرالية أو الفيدرالية، وكلها تشكل تحديات بالنسبة لتركيا. 

رويترز
مقاتلون اكراد ايرانيون من "حزب حرية كردستان" اثناء التدريب في قاعدة خارج مدينة اربيل في العراق في 12 فبراير

جميع خيارات تركيا بالنسبة لمطالب الأذريين الإيرانيين صعبة للغاية. فالموافقة عليها تعني فعليا إما تفكيك إيران، وإما القبول بنظام سياسي فيدرالي، وتاليا الرضا بفيدرالية لأكراد إيران، وتكرار النموذج الفيدرالي للأكراد في أكثر من دولة إقليمية مجاورة لتركيا. لكن منع التطلعات الأذرية يعني الصِدام مع النزعات القومية التركية في الداخل، بالذات من أحزاب المعارضة. 
التطلعات الكردية والأذرية وإن كانت متطابقة من حيث المطالب، لكنها موضوعيا متصارعة على أرض الواقع. فالصراع السياسي والاقتصادي والرمزي بين الأكراد والأذر الإيرانيين في ولاية أذربيجان الغربية على أشده منذ سنوات، وهو ما قد يُحدث صِداما واسعا لو أنهار النظام السياسي في البلاد، الضابط الوحيد لها حتى الآن. شيء شبيه بما حدث بين أكراد وتركمان محافظة كركوك العراقية وتأثيرها على الموقف التركي. 
أخيرا، فإن تركيا تتوجس من تضعضع مديد للدولة والنظام العام في إيران، وتحولها بالتقادم إلى ساحة لمجموعة من الصراعات الداخلية ومراكز النفوذ الإقليمية والدولية. فالنظام الإيراني طوال السنوات الماضية فكك عُرى المؤسسات والأجهزة الوظيفية للدولة، وخلق نواة صلبة للحُكم متمركزة حول السلطة الحاكمة لا الدولة، في وقتٍ تعاني البُنى التحتية من انهيار جذري، في قطاعات الخدمات والصحة والتعليم، والمدن الكبرى تعاني من أسوأ أشكال الخدمات، بما في ذلك عدم القدرة على تقديم مياه صالحة للشرب. 
تعرف تركيا أن انفجار الداخل الإيراني سيتطلب سنوات كثيرة من إعادة التشكيل، وستكون له انعكاسات على تركيا نفسها، بالذات من باب غياب إمبراطورية تاريخية كان استقرارها جزءا من الأمن القومي التركي.

font change

مقالات ذات صلة