قادة أكراد إيرانيون لـ"المجلة": هذا ما نريده من أميركا

تحول أكراد إيران والقوى السياسية الممثلة لهم إلى مادة سياسية رئيسة أولى على مستوى العالم، بعد الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بزعيم "الحزب الديمقراطي الكردستاني-إيران" مصطفى هجري

رويترز
رويترز
انفجار في مدينة سنندج بمحافظة كردستان إيران في 5 مارس 2026

قادة أكراد إيرانيون لـ"المجلة": هذا ما نريده من أميركا

تحول أكراد إيران والقوى السياسية الممثلة لهم إلى مادة سياسية رئيسة أولى على مستوى العالم، بعد الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بزعيم "الحزب الديمقراطي الكردستاني-إيران" مصطفى هجري، مناقشاً إمكانية انخراط الفصائل المسلحة التابعة للأحزاب الكردية في حرب برية واسعة بمناطقهم، لتكون شرارة إخراج النظام الإيراني من منطقة جغرافية داخل البلاد، وتالياً إحداث انقلاب شعبي ضده.

ميدانياً، يسود ترقب شديد معظم المناطق ذات الأغلبية الكردية في شمال وغرب إيران، فيما أعلنت خمسة أحزاب سياسية كردية إيرانية تأسيس مجلس ائتلافي فيما بينها، لاقى ترحيباً من قِبل بعض قوى المعارضة الإيرانية، وتحذيراً من أخرى. وكشف مصدر سياسي كردي إيراني من حزب "كوملة" في حديث مع "المجلة" رؤية حزبه والتنظيمات السياسية الكردية الإيرانية للمرحلة المقبلة.

عقب مكالمته مع الهجري، أجرى ترمب محادثتين هاتفيتين مع زعيمين كرديين عراقيين، مسعود بارزاني عن "الحزب الديمقراطي الكردستاني"، وبافل طالباني عن "الاتحاد الوطني الكردستاني". وبعدها شهدت محافظتا كردستان وكرمانشاه غرب إيران، ذواتا الأغلبية الكردية، عمليات قصف مكثفة. وتضمن بنك الأهداف عشرات من مواقع الجيش والاستخبارات و"الحرس الثوري" وحتى مرافق الأمن المدنية، مثل مقرات الشرطة، ما فسره المراقبون كأداة لدفع الأكراد نحو السيطرة الميدانية على مناطقهم.

وقال مصدر سياسي رفيع من "الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني" في حديث مع "المجلة" إن تحركهم الميداني مرتبط بثلاث رؤى غير واضحة حتى الآن، هي: "كيف تريد الولايات المتحدة أن تُنهي هذه الحرب؟ هل بتغيير جذري للنظام أم بتغيير رأس النظام أم بتدمير البرنامج العسكري والنووي الإيراني وترك باقي التفاصيل الداخلية للشعب؟ وما هي الضمانات الحمائية التي يُمكن أن تُقدم للكُرد من قِبلهم، سواء أمنياً عسكرياً أم سياسياً؟ أيضا، ما هي الرؤى التي يُمكن لها أن تفرضها على باقي القوى السياسية الإيرانية، بشأن مستقبل البلاد وهوية النظام السياسي وموقع الكرد فيه".

لا توجد إحصاءات رسمية لأعداد الأكراد في إيران، لكن التقديرات تذهب إلى أن تعدادهم يتراوح بين 7 و10 ملايين نسمة، لكن قرابة ثلثهم مستقرون في العاصمة طهران والمدن الرئيسة في البلاد

ميدانياً، قالت أنباء متداولة بشكل واسع إن مواجهات مسلحة حدثت في تلك المحافظة بين وحدات من "الحرس" ومقاتلين أكراد، دون أن يتبنى أي حزب كردي إيراني مسؤوليته عنها، أو أن تُصدر الجهات الرسمية الإيرانية أية بيانات رسمية. لكن مقاطع مصورة نُقلت عن عدد من المُدن الكردية أظهرت تعبيرات فرح السكان المحليين بعد سماع نبأ مقتل "المرشد" علي خامنئي، مطلقين شعارات باللغة الكردية، تدعو لإسقاط النظام الإيراني وتطالب بالحرية للشعب الكردي.

رويترز
مقاتلون أكراد إيرانيون من حزب حرية كردستان يشاركون في تدريب في قاعدة على مشارف أربيل، العراق، 12 فبراير 2026

في حديث مع "المجلة"، كشف الناشط فرياد جمكار، والمقيم في مدينة سنندج، المجريات الحياتية في المناطق الكردية من إيران، قائلاً: "منذ قرابة أسبوعين، مع ارتفاع التوقعات بشأن الحرب، بدأ عشرات الآلاف من الأكراد المقيمين في العاصمة طهران ومدن تبريز وأصفهان وحتى مشهد بالعودة إلى المناطق الكردية، خصوصاً الطلبة والعائلات التي ليس من بين أفرادها موظفون رسميون. فالاعتقاد السائد هو تعرض هذه المُدن لحملات قصف شديدة خلال الحرب، وغالباً حدوث أشكال من الفوضى العارمة، فأحياء مثل الصادقية ونارمك وستارخان ذات الأغلبية الكردية في العاصمة طهران أصبحت شبه فارغة من سكانها الأكراد. بموازاة ذلك، فإن سكان المدن الكردية غرب البلاد يغادرون نحو الأرياف والبلدات الأصغر حجماً. وفي الأثناء كان ثمة إقبال شديد على شراء المواد الغذائية والوقود خلال الساعات الماضية، حيث ارتفعت الأسعار بشكل استثنائي، ورفض الكثير من التجار بيع بضاعتهم. يحدث ذلك لأن المجتمعات الكردية، وإن كانت لا تصرح بذلك علانية، لكنها تستبطن شعوراً دفيناً بأن تحولات كبرى ستجري في مناطقهم عما قريب، وغالباً ستكون مناطقهم شرارة المواجهات المتوقعة بين النظام والمجتمعات المحلية الإيرانية. وسلوكياتها الراهنة هي بمثابة استعداد لما قد يحدث في المستقبل القريب".

لا توجد إحصاءات رسمية لأعداد الأكراد في إيران، لكن التقديرات تذهب إلى أن تعدادهم يتراوح بين 7 و10 ملايين نسمة، يشغلون الغالبية المطلقة لمحافظات أذربيجان غربي وكرمانشاه وكردستان غرب البلاد، لكن قرابة ثلثهم مستقرون في العاصمة طهران والمدن الرئيسة في البلاد، فالفقر الناتج عن سوء التنمية الشديد في المناطق الكردية دفع مئات الآلاف منهم للهجرة إلى الداخل الإيراني منذ أوائل التسعينات.

تشهد المناطق الكردية أشكالا من الاحتجاج المتواصل، وصلت في بعض الأحيان إلى ثورات شعبية عارمة، مثلما حدث في عام 2022، عقب اغتيال الشابة مهسا أميني

وللأكراد الإيرانيين تجربة سياسية موسعة، تمتد إلى أوائل القرن المنصرم، حينما بدأت التمردات الكردية على نظام الدولة القاجارية، وصولاً لإعلانهم تأسيس أول دولة كردية في مدينة مهاباد عام 1946، في ظل حُكم الشاه، وليس انتهاء بالكفاح المسلح الذي خاضته الأحزاب الكردية الإيرانية أوائل الثمانينات، مع نجاح "الثورة الإسلامية" حيث سيطرت طوال سنوات على المناطق ذات الأغلبية الكردية، إلى أن تمكن النظام الإيراني من إعادة السيطرة عبر عمليات محق طالت لسنوات.

مصطفى هاجري، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران

منذ ذلك الحين، تشهد المناطق الكردية أشكالا من الاحتجاج المتواصل، وصلت في بعض الأحيان إلى ثورات شعبية عارمة، مثلما حدث في عام 2022، عقب اغتيال الشابة مهسا أميني. والسلطات الإيرانية تحكم المناطق الكردية بأدوات وأجهزة أمنية، فارضة حالة طوارئ متواصلة. فنصف المعتقلين السياسيين الإيرانيين، ومثلهم المحكومون بالإعدام في البلاد، هم من أبناء القومية الكردية. والسلطات الإيرانية تعتبر المجتمعات الكردية الأكثر انضباطاً في علاقتها مع القوى السياسية المعارضة للنظام، وتراهم كمناهضين جاهزين ومستدامين لجوهر النظام الحاكم، بسبب الاختلاف الهوياتي الثنائي، القومي والطائفي.

رؤية سياسية موحدة

مصدر سياسي كردي من حزب "كوملة"، ذي الهوية القومية اليسارية الكردية الإيرانية، كشف في حديث صحافي رؤية المنظومة السياسية الكردية الإيرانية للأحداث الراهنة، وما قد يحدث خلال الأسابيع والأشهر القادمة، وأضاف: "نعتقد أن واحداً من مشهدين سوف يحدثا في إيران خلال القريب العاجل. فإما سيسقط النظام تماماً، وإما سيبقى هيكل هزيل منه، بدعم من القوى الدولية، التي لا تريد أن تواجه حالة من الفوضى المفتوحة وغير محسوبة العواقب. في الحالتين، ندعو إلى تشكيل مجلس سياسي مصغر، مؤلف من القوى السياسية الرئيسة في البلاد، للاتفاق على ثلاثة أمور رئيسة بشكل عاجل للغاية: أولاً تحديد رؤية استراتيجية لما يجب أن يحدث في البلاد تباعاً، للتحول إلى نظام سياسي جديد، عبر خطوات واضحة ومراحل محددة بدقة، بغية تجنب أية أشكال للفوضى والصراعات الداخلية. الأمر الآخر هو التوقف مطولاً عند المشكلات الجوهرية التي أوصلت إيران إلى هذا الوضع التاريخي المذري، الناتج عن نُظم سياسية متتالية، كان القاسم المشترك بينها جميعا هو الراديكالية القومية والأيديولوجيا العقائدية، مع مركزية شديدة التحكم بكل خيرات ومؤسسات وجغرافيا البلاد. فعل ذلك بغية الاتفاق على ملامح نظام سياسي جديد، مغاير تماماً لكل تلك السمات والممارسات. أخيراً، رسم شكل العلاقات المستقبلية بين القومية الفارسية المركزية، وحقوق باقي القوميات الإيرانية، العربية والكردية والأذرية والبلوشية، عبر نظام فيدرالي يحترم خصوصيات هذه القوميات ضمن حدود الدولة الإيرانية، ويمنع أي شكل جديد من الهيمنة القومية أو الطائفية لأية جهة على مستقبل إيران".

رضا بهلوي وصف تشكيل الائتلاف الجديد بـ"عدة جماعات انفصالية، قدمت مزاعم وهمية وعبثية حول السلامة الإقليمية والوحدة الوطنية لإيران"، مهدداً بالانتقام منها عبر الجيش الإيراني الحالي

قبل اندلاع الحرب الأخيرة بعدة أيام، أعلنت خمسة أحزاب سياسية كردية إيرانية، هي الأكبر وتعبر عن كافة الحساسيات السياسية الكردية، القومية واليسارية والمحافظة، أعلنت عن تشكيل "ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران"، بعد اجتماعات ماراثونية عقدتها في "مركز الحوار من أجل التعاون". مصادر مراقبة قالت إن التحالف الجديد جاء نتيجة ضغوط ورعاية أميركية وغربية لهذا التحول، كضغط سياسي على النظام الإيراني. لكن الأحزاب الكردية قالت في البيان الذي أصدرته بالمناسبة بأن مشروعها السياسي جاء استعداداً لـ"مرحلة جديدة وهامة من العمل الميداني". البيان الذي وقعه حزبا "حرية كردستان"، و"الحياة الحرة في كردستان" المقرب من "حزب العمال الكردستاني" بزعامة عبدالله أوجلان. و"الحزب الديمقراطي لكردستان إيران" المقرب من "الحزب الديمقراطي الكردستاني" في العراق. و"منظمة كردستان الإيرانية"، و"منظمة كادحي كردستان" (كوملة) المقرب من "الاتحاد الوطني الكردستاني". قال في بيانه: "إن هدف التحالف هو الوحدة والنضال المشترك، من أجل توسيع الحركة السياسية الكردية في إيران، وتعزيز دور كردستان في المعادلات السياسية للبلاد، وضمان حقوق وحريات شعب كردستان، والمشاركة الفعالة في إعادة تصميم مستقبل إيران.. ندعم التشكيل التدريجي لإحداث انتقال ديمقراطي وشامل، قائم على الاعتراف بحقوق الأمم وقبول الديمقراطية ورفض أي ديكتاتورية".

أ.ب
أعضاء من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني يقفون عند نقطة تفتيش تؤدي إلى مقرهم في قضاء كوية بمدينة أربيل، العراق، 27 فبراير 2026

نجل حاكم إيران الأسبق رضا بهلوي وصف تشكيل الائتلاف الجديد بـ"عدة جماعات انفصالية، قدمت مزاعم وهمية وعبثية حول السلامة الإقليمية والوحدة الوطنية لإيران"، مهدداً بالانتقام منها عبر الجيش الإيراني الحالي، موجهاً خطابه إلى الجيش الإيراني الحالي: "في الأيام والأسابيع القادمة، ومع انهيار الجمهورية الإسلامية بالكامل وطرد هذا النظام من البلاد، سنكون أكثر يقظةً وثباتاً واجتهاداً من أي وقت مضى في الدفاع عن وحدة إيران الوطنية وسلامة أراضيها. وبالالتزام بهذا المبدأ الأساسي، نتوقع من الجيش الإيراني أن يؤدي واجبه الوطني، وأن يقف إلى جانب الوطن، وأن يدافع عن إيران ضد الجمهورية الإسلامية والانفصاليين".

زعيمة "مجاهدي خلق" الإيرانية مريم رجوي تعهدت بتشكيل دولة لامركزية، يكون فيها لأبناء القوميات غير الفارسية تشكيل فيدراليات وأشكال حكم محلية

وردّ "التحالف الكردي" على تصريحات بهلوي، واصفاً إياها بـ"الضعيفة" و"الباطلة"، وأضاف: "إن تحالف القوى السياسية في كردستان إيران، في الوقت الذي يدين فيه هذه التصريحات الضعيفة والباطلة التي أدلى بها رضا بهلوي، يؤكد على مواقفه المبدئية في الدفاع عن مُثل الأمة الكردية والحقوق المشروعة للشعوب المضطهدة في إيران، ويعتقد أن هذه الكراهية التي لا أساس لها لن تؤدي في نهاية المطاف إلى أي نتيجة، بل ستزيد من تصميم الأمم الحرة والشعب المحب للحرية في إيران على النضال من أجل تحقيق مُثل الحرية للشعب الذي نهض داخل البلاد، ودفن الديكتاتورية والفاشية بجميع أشكالها وأنواعها إلى الأبد".

زعيمة تنظيم "مجاهدي خلق" الإيرانية، مريم رجوي، نددت بتصريحات بهلوي، واصفة إياها بأنها محاولة لإعادة تشكيل نظام سياسي "قائم على الشمولية القومية"، مؤكدة حرص تنظيمها على تأسيس نظام لا يضم أعضاء السلطة الحالية أو من سبقهم من أعضاء نظام الشاه، متعهدة بتشكيل دولة لامركزية، يكون فيها لأبناء القوميات غير الفارسية تشكيل فيدراليات وأشكال حكم محلية.

font change

مقالات ذات صلة