عندما يقترب صانع القرار من خريف العمر، لا يتحدث فقط مع الحلفاء والخصوم والوسطاء. في مكتبه المعزول، يجلس طرف آخر على طاولة المفاوضات: التاريخ الشخصي. ولدينا أمثلة كثيرة لقادة رفضوا العرض الأخير تحت صوت القنابل أو هدير الاتصالات.
وقف "المرشد" الإيراني علي خامنئي أمام لحظة مفصلية. العقوبات الغربية مستمرة، والضغوط الاقتصادية تتصاعد، والحشود الأميركية تتكثف. راهن بعضهم على أن عامل العمر قد يدفعه إلى صفقة كبرى؛ تقييد صفري للبرنامج النووي والصواريخ مقابل رفع العقوبات وتجنب الحرب. بالنسبة إليه لم يعد البرنامج النووي مجرد ملف تقني. أصبح رمزاً. وفي الأنظمة العقائدية تصبح الرموز أحياناً أهم من الوقائع. وهنا لا يعود الخلاف مجرد خلاف حول بنود اتفاق. إنه خلاف حول معنى الزمن نفسه. زمن الانتخابات في واشنطن، وزمن التاريخ في طهران. أعطيت نافذة تفاوضية، لم يلتقطها. قرأ بشكل خاطئ إمكاناته وإمكانات خصومه وحجم الاختراقات. بدأ الهجوم الأميركي-الإسرائيلي وقتل خامنئي وقادة آخرون.
هل كان يمكن لخامنئي أن يجنب إيران الحرب؟ عندما يتحرر صاحب القرار من حسابات الانتخابات ويفقد أقنية التواصل الحقيقي مع العالم ويدخن الغليون في مكتبه المعزول، يبقى عنصر واحد في المعادلة: التاريخ. يمكن التفاوض على نسب مئوية. لكن من الصعب التفاوض على تفسيره لـ"الكرامة الشخصية". أولوية الحسابات الفردية على مصير الشعب.
هناك حالات أخرى جاء التفاوض مع التاريخ تحت صوت القنابل. رفض الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش تقديم تنازلات في كوسوفو لإنقاذ بلاده وشعبه، لأن التراجع كان سيُقرأ كخيانة للقومية الصربية. كان يعتقد، أن الغرب لن يذهب بعيداً في المواجهة. لكن حساباته أخطأت عندما بدأ قصف حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال حرب كوسوفو عام 1999. سقط ثم اعتقل ومات في سجن لاهاي عام 2006.
الأمر نفسه حدث مع الرئيس العراقي صدام حسين عام 2003. عاش في عزلة داخل عزلة. وقصره تحت الحصار لسنوات طويلة. التسوية تحت ضغط الصواريخ كانت ستفسَّر كإهانة سياسية. وكان يعتقد بإمكانية الانتصار. انتهى الأمر بالغزو الأميركي للعراق وسقوط النظام خلال أسابيع. اعتقل صدام في نهاية 2003 وأعدم في 2006.
في أماكن أخرى من العالم انتهت الحسابات بطريقة مشابهة. في بداية 2026 رفض رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو التنازل، فاعتقلته قوات أميركا من قصره ونقلته إلى سجونها
في أماكن أخرى من العالم انتهت الحسابات بطريقة مشابهة. رفض الحاكم العسكري لبنما، مانويل نورييغا، التنحي رغم الضغوط الأميركية، فكان الغزو الأميركي لبنما عام 1989 واعتقاله. وفي ليبيا رفض معمر القذافي مغادرة الحكم خلال انتفاضة 2011، فانتهت القصة بسقوط النظام ومقتل القذافي. وفي بداية 2026 رفض رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو التنازل، فاعتقلته قوات أميركا من قصره ونقلته إلى سجونها.
هناك حالات أخرى كان لصانع القرار فيها ترف رفض العرض الأخير. في عام 2000 كانت واشنطن ترعى مفاوضات سورية-إسرائيلية. راهنت الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس بيل كلينتون على عامل الزمن. الاعتقاد كان أن حافظ الأسد، الذي يقترب من نهاية حياته، قد يفضّل ترتيب انتقال السلطة إلى ابنه بشار عبر اتفاق يفتح الباب لعهد جديد. لكن الأسد قرأ من قصره المعزول المعادلة بطريقة مختلفة. بالنسبة إليه لم تكن القضية استعادة جغرافيا الجولان. كانت مسألة تتعلق بالتاريخ. هو خسر الجولان في حرب 1967. ووصل إلى القصر في 1970. ولم يكن مستعداً أن يورّث ابنه اتفاقاً ناقصاً.
هل كان ممكنا تجنب قصف بغداد وبلغراد وعملية كاراكاس؟ عندما يصبح صانع القرار معزولا يبدأ بالتفاوض مع التاريخ ويصبح التنازل أكثر كلفة والانتصار أكثر تجريداً. وبين هذا وذاك، غالباً ما تُكتب مصائر شعوب ودول ومناطق
مات الأسد في يونيو/حزيران عام 2000. وبعد أسابيع تكررت القصة في مفاوضات كامب ديفيد بين الإسرائيليين والفلسطينيين برعاية أميركية. كان ياسر عرفات تحت ضغوط هائلة لقبول "الفرصة التاريخية". دولة فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية مع ترتيبات معقدة حول القدس. في إحدى اللحظات المفصلية استحضر عرفات سيرة صلاح الدين الأيوبي والتاريخ والقدس. في تلك اللحظة لم يكن يفكر فقط في موازين القوى، بل في صورته. حوصر عرفات في المقاطعة في رام الله. ثم رحل من دون توقيع.
هل كان تجنب حرب إيران ممكنا؟ هل كان ممكنا تجنب قصف بغداد وبلغراد وعملية كاراكاس؟ عندما يصبح صانع القرار معزولا يبدأ بالتفاوض مع التاريخ ويصبح التنازل أكثر كلفة والانتصار أكثر تجريداً. وبين هذا وذاك، غالباً ما تُكتب مصائر شعوب ودول ومناطق.