كان كثيرون ينتظرون مشهدا دراميا واضحا. سقوط النظام الإيراني فور مقتل "المرشد" علي خامنئي، أو انهيارا مفاجئا للهيكل كما حدث بعد هروب بشار الأسد، أو انقلابا يقوده شخص من "الحلقة الضيقة" يعقد صفقة مع واشنطن كما حصل مع ديلسي رودريغيز بعد اعتقال نيكولاس مادورو، أو حتى زحفا عسكريا مباشرا نحو طهران كما جرى في غزو العراق 2003، أو إعلان استسلام غير مشروط شبيه بما فعله الإمبراطور الياباني هيروهيتو عام 1945.
لكن شيئا من ذلك لم يحدث. بالفعل بنية النظام الإيراني مختلفة. لم تسقط طهران. لم ينهَر النظام. لم تُرفع الرايات البيضاء. لم تتقدم المعارضة والقوات الأميركية إلى العاصمة. لكن هل هذا يعني أن النظام انتصر في هذه الحرب؟
الأنظمة لا تُقاس بلحظة انهيار واحدة، بل بما تفقده من عناصر القوة. الخسارة هنا ليست لحظة درامية، بل عملية تآكل عميقة أصابت جوهر النظام. سقوط صدام في 2003 بدأ في حرب 1991. وانهيار القذافي في 2011 بدأ في نهاية 2003. وهروب بشار في 2024 بدأ في 2011 أو في 2005 لدى انسحاب جيشه من لبنان، وهناك أمثلة أخرى.
أولى الضربات الأميركية لنظام طهران كانت مع خرق "الخطوط الحمراء" باغتيال قاسم سليماني في 2020، وثاني الضربات كانت في يونيو/حزيران 2025 بقصف المنشآت النووية والانتقال من "حرب الظل" إلى المواجهة المباشرة. والموجة الثالثة كانت في القلب عام 2026: مقتل علي خامنئي وعدد كبير من قادة "الحرس الثوري". هذا ليس تفصيلا عابرا، بل ضربة لمركز القرار نفسه، وشبكة الولاءات التي يقوم عليها النظام. الأنظمة العقائدية لا تعيش بالمؤسسات فقط، بل بتماسك النخبة الأمنية ورمزية القيادة. وعندما تُضرب هذه الطبقة، يبدأ التآكل حتى لو لم يظهر فورا. ثم جاءت الغارات. وتدمير منشآت نووية، والإضعاف الكبير للمنظومة الجوية والسيطرة على الأجواء الإيرانية، وتدمير القوة البحرية وضرب البنية التحتية العسكرية.
هذا يعني أن إيران فقدت جزءا مهماً من قدرتها على الردع والدفاع معا. لم تعد تلك القوة القادرة على حماية عمقها أو منع استهدافه. وهنا تتكشف الخسارة الأكبر، وهي انهيار العمود الاستراتيجي الذي شيدته "ثورة" إيران منذ 1979. الفكرة كانت واضحة: المعركة في ساحات الخارج. القبض على قرار عواصم في الجوار. اختراق حدود الدول. اليوم، حدث العكس: الضربات في الداخل الإيراني. الغارات في طهران. الحدود والأجواء مستباحة.
يمكن العودة إلى تجربة حرب 1967، خسرت الأنظمة العربية مساحات واسعة من أراضيها أمام إسرائيل، ومع ذلك قال منظّروها إنها "لم تُهزم" لأن الهدف كان إسقاط الأنظمة ولم يتحقق
الأكثر دلالة هو ما حدث لشبكة الوكلاء. هذه الشبكة التي صُممت لتكون خط الدفاع الأول ومد النفوذ واختراق الحدود، لم تعمل كما كان يُفترض وفشلت في لحظة الاختبار. "الحوثيون" لم يدخلوا الحرب بشكل حاسم. و"حزب الله"، الذي كان يُنظر إليه كأقوى أذرع إيران، لم يكن صاحب قرار الحرب أو التفاوض. أما الميليشيات العراقية فبقيت في إطار التهديد والمناوشات دون تغيير حقيقي في مسار الصراع.
صحيح أن إيران في زفرات التآكل، حاولت الرد بطرق أخرى، فهددت أمن الخليج، واستخدمت المسيّرات، وأيقظت "الخلايا النائمة"، وأغلقت مضيق هرمز. لكنها أدوات إزعاج، لا أدوات حسم. هي ترفع الكلفة، لكنها لا تغيّر النتيجة. بل إن اعتداءاتها أثبتت ما كانت دول الخليج تحذر منه، وستدفعها هذه الاعتداءات إلى تعزيز قدراتها وتطوير منظومات دفاع متقدمة وتوسيع خياراتها بشراكاتها الأمنية مع قوى دولية وإقليمية مثل الصين وروسيا وباكستان وتركيا، والبحث عن بدائل استراتيجية لنقل النفط والغاز عبر الأنابيب بعيدا عن مضيق هرمز وباب المندب.
لم ينهَر النظام الإيراني. لم تُرفع الرايات البيضاء. لكنه لم ينتصر. ولفهم أعمق لما يحدث، يمكن العودة إلى تجربة تاريخية ليست بعيدة. بعد حرب 1967، خسرت الأنظمة العربية مساحات واسعة من أراضيها أمام إسرائيل، ومع ذلك قال منظّروها إنها "لم تُهزم" لأن الهدف كان إسقاط الأنظمة ولم يتحقق. لكن هذا الخطاب لم يصمد. الواقع أن تلك الحرب شكّلت هزيمة استراتيجية عميقة أعادت تشكيل المنطقة لعقود، مهما حاولت الشعارات تجميلها.
إيران لا تخسر جولة عسكرية فقط، بل تخسر بنية استراتيجية كاملة بنتها منذ 1979: شبكة النفوذ، ومنظومة الردع، والحرب في أراضي الآخرين. فقدت قياداتها، وتضررت قدراتها، وانكشف عمقها. هذه ليست صورة نصر
هناك إعادة إنتاج الشعارات نفسها: إيران لم تخسر لأن النظام لم يسقط. لكن الحقيقة أن النظام، حتى وإن بقي، فقد تغيّر من الداخل. قُتلت قياداته، وتضررت بنيته، وتراجعت أدوات قوته. قد يصبح أكثر تشددا، لكنه تشدد نابع من الضعف، لا من القوة.
ثم هناك التحول السياسي الأوضح: قبول التفاوض مع الولايات المتحدة. لسنوات، بُني الخطاب الإيراني على رفض التعامل مع "الشيطان الأكبر". اليوم، لم يعد هذا الخطاب قابلا للصمود. القبول بالتفاوض وبقيادة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف مع نائب الرئيس جيه دي فانس في باكستان. أرفع لقاء مباشر منذ "الثورة". مفاوضات ماراثونية في ذكرى أربعينية "المرشد". كل هذا ليس مجرد تكتيك، بل اعتراف بحدود القوة أمام انكشاف الأجواء الإيرانية واحتمالات العودة للحرب.
إيران لا تخسر جولة عسكرية فقط، بل تخسر بنية استراتيجية كاملة بنتها منذ 1979: شبكة النفوذ، ومنظومة الردع، والحرب في أراضي الآخرين. لقد فقدت قياداتها، وتضررت قدراتها، وانكشف عمقها، وضعفت ميليشياتها، وتلاشت "خطوطها الحمراء"، واضطرت للتفاوض. هذه ليست صورة نصر. إنه مشهد تآكل.