من موسكو إلى بكين، ومن واشنطن إلى نيودلهي، يبدو العالم وكأنه يدخل مرحلة جديدة تُصاغ ملامحها على يد أربعة رجال: دونالد ترمب، شي جينبينغ، فلاديمير بوتين، وناريندرا مودي.
في الساحة الحمراء، بدا "عيد النصر" الروسي هذا العام مختلفا عن السنوات الماضية. فالمناسبة التي كانت تُستخدم لإظهار هيبة "القيصر" والتفوق العسكري والثقة المطلقة بالقوة والتحالف في هزيمة النازية، جاءت هذه المرة أكثر تواضعا وحذرا، في ظل مخاوف جدية من هجمات أوكرانية محتملة قد تطال موسكو أو العمق الروسي خلال أكثر الأيام رمزية بالنسبة إلى بوتين.
الرئيس الروسي، الذي أراد حربا خاطفة في أوكرانيا تعيد رسم التوازنات في أوروبا خلال أسابيع، يجد نفسه اليوم في مواجهة حرب مفتوحة لسنوات تستنزف روسيا وأوروبا معا، وتعيد تشكيل التوازنات الدولية بوتيرة متسارعة. ولهذا بدا استعراض الساحة الحمراء هذا العام أقرب إلى عرض للصمود الروسي منه إلى احتفال بنصر حاسم.
ورغم أن روسيا وأوكرانيا أعلنتا وقفا لإطلاق النار لثلاثة أيام، للمرة الأولى منذ سنوات، غابت العربات المدرعة والصواريخ الباليستية عن الساحة وحضرت في الشاشة، ولم يجلس في مدرجات الساحة قادة دول غربية، كما كان يحدث في السابق، قبل أن تُبعدهم حرب أوكرانيا.
واللافت هذه المرة غياب الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة الضيف الأبرز في احتفالات بوتين. فالمشهد الدولي لا يتوقف عند موسكو والساحة الحمراء. فقد فضّل جينبينغ البقاء في بكين، التي تستعد لاستقبال ترمب. والأنظار تتجه الآن إلى القمة المرتقبة بين الزعيمين التي تبدو واحدة من أكثر المحطات السياسية حساسية في العالم. فهذه القمة لن تكون مجرد لقاء بروتوكولي بين رئيسين، بل مواجهة سياسية هادئة بين مشروعين كبيرين: مشروع أميركي يسعى إلى الحفاظ على موقع واشنطن باعتبارها القوة الأولى عالميا، ومشروع صيني يرى أن ميزان القوة الدولي بدأ يتحول تدريجيا نحو آسيا.
ملف إيران حاضر على طاولة شي وترمب، سواء من زاوية منع الحرب، أو من زاوية إدارة التوترات الإقليمية، ومنع تحولها إلى مواجهة مستمرة تعمق أزمة الاقتصاد العالمي
قائمة القمة طويلة: تايوان، الحرب التجارية، الطاقة، سلاسل الإمداد، الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية. وإذ يخشى كثيرون أن تتحول تايوان إلى أخطر نقطة اشتعال في العالم، لأن أي مواجهة هناك لن تكون نزاعا إقليميا محدودا، بل صداما مباشرا بين أكبر قوتين عالميتين، يبرز في الخلفية الشرق الأوسط مجددا بوصفه ساحة أساسية في التوازنات الدولية الجديدة. فالولايات المتحدة تدرك أن أي تجدد للحرب الواسعة مع إيران سيعمق أزمة الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية، كما قد تشتت اهتمام واشنطن عن أولويتها الكبرى: مواجهة الصين. أما بكين، التي ترتبط بعلاقات اقتصادية واستراتيجية متنامية مع طهران، تراقب السلوك الأميركي وترى في الاستقرار الإقليمي ضرورة لحماية مصالحها التجارية ومصادر الطاقة ومشروع "الحزام والطريق".
وتدل وساطة باكستان وزيارة وزير خارجية إيران إلى بكين واتصالات رفيعة على أن ملف إيران حاضر على طاولة شي وترمب، سواء من زاوية منع تجدد الحرب، أو من زاوية إدارة التوترات الإقليمية، ومنع تحولها إلى مواجهة أوسع قد تهز الاقتصاد العالمي.
أربعة قادة، لكل واحد منهم مشروعه الخاص لبلاده والعالم، لكنهم جميعا يشتركون في حقيقة واحدة: العالم الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة يتغير بسرعة
أما رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، فيواصل تثبيت موقعه في الداخل والخارج. فنتائج انتخابات إقليم البنغال حملت دلالات سياسية مهمة، بعدما أظهرت استمرار توسع نفوذ حزب مودي "بهاراتيا جاناتا" القومي، حتى في مناطق لطالما اعتُبرت بعيدة عن خطاب القومية الهندوسية، ما يجعله أقرب إلى "الحزب الحاكم" في هذه البلاد الواسعة.
الهند اليوم لم تعد مجرد دولة آسيوية صاعدة، بل قوة عالمية تحاول اللعب على التناقضات الدولية. فهي تتعاون مع الولايات المتحدة اقتصاديا وأمنيا، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها التقليدية مع روسيا، بينما تنافس الصين على النفوذ في آسيا. ويسعى مودي إلى ترسيخ "الهند الجديدة"، مستفيدا من تنافس واشنطن وبكين، ومن حاجة الغرب إلى شريك آسيوي كبير يوازن نفوذ الصين.
أربعة رجال، لكل واحد منهم مشروعه الخاص لبلاده والعالم، لكنهم جميعا يشتركون في حقيقة واحدة: العالم الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة يتغير بسرعة. ففكرة القطب الواحد تتراجع تدريجيا، في عالم يبدو أقل استقرارا وأكثر تنافسا من أي وقت مضى.