صراع لا إصلاح

بين واشنطن وبكين، مرورا بطهران وكاراكاس، ووصولا إلى نيويورك وجنيف، يتبلور مشهد دولي أكثر صراحة في صراعاته

صراع لا إصلاح

استمع إلى المقال دقيقة

ما كشفته "المجلة" من وثيقة أميركية مقدّمة إلى الأمم المتحدة، لا يمكن قراءته كموضوع تقني عن الموازنات أو كجزء من مطالبات تقليدية من الممولين. هي تعبير مباشر عن تحوّل أعمق في شكل النظام الدولي، حيث لم تعد مسألة "الإصلاح" أو "الانسحاب" منفصلة عن إعادة توزيع القوة داخل هذا النظام ومؤسساته.

في الظاهر، ترتبط مطالب إدارة دونالد ترمب بإجراءات مألوفة: خفض الوظائف، تقليص الامتيازات، إعادة هيكلة المعاشات، وربط التمويل بمعايير الكفاءة. لكن قراءة أعمق لهذه البنود تكشف أن التمويل لم يعد أداة دعم، بل وسيلة ضغط. فواشنطن في ظل "أميركا أولا"، لم تعد مستعدة للاستمرار في تمويل منظومة دولية لا تعكس أولوياتها الاستراتيجية أو تحوّلت إلى منصة لخصومها؛ فهي إما تنسحب من مؤسسة، كما حصل مع أكثر من 60 هيئة نصفها تابع للمنظمة الأممية، أو تفرض شروط إذعان (كما حصل أيضا في "الناتو" والاتجاه لسحب 5 آلاف جندي من ألمانيا) وتعيد توجيه دورها.

هنا يبرز العامل الصيني. الإشارات الواضحة في الوثيقة إلى الحد من نفوذ الصين داخل المنظمة، واستهداف قنوات تمويل مرتبطة بها، تعكس انتقال التنافس بين واشنطن وبكين من ميادين التجارة والتكنولوجيا إلى داخل المؤسسات متعددة الأطراف نفسها. لم تعد هذه المؤسسات فضاءات محايدة نسبيا، بل أصبحت ساحة تنافس على قواعد اللعبة الدولية. وهنا يتشابك مسار دونالد ترمب التفكيكي مع مقاربة شي جينبينغ، الذي يسعى إلى توسيع الحضور الصيني داخل هذه الهياكل.

غير أن هذا التنافس المؤسسي لا يجري بمعزل عن التحولات الميدانية. فالأحداث الأخيرة، من "حرب التعريفات" إلى العملية الأميركية في كاراكاس التي انتهت بأسر نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، وصولا إلى الحرب مع إيران وما رافقها من تعطيل لحركة الملاحة في مضيق هرمز، تشير إلى أن تأثير التصعيد يتجاوز حدود العلاقة الثنائية، ويمس العالم.

تواصل الصين الدفاع عن خطاب التعددية، ولكن ضمن نموذج يوسّع النفوذ الاقتصادي دون انفتاح موازٍ في المجال السياسي

تكشف هذه التطورات تداخلا متزايدا بين التحركات العسكرية والرسائل السياسية لإعادة تشكيل التوازنات الدولية. وتعيد طرح سؤال دور المؤسسات الدولية نفسها. فالأمم المتحدة، التي صُممت لإدارة النزاعات ضمن إطار ما بعد الحرب العالمية الثانية، تواجه اليوم نمطا من الطلبات والصراعات يتجاوز قدرتها التقليدية على الاحتواء. وأي نقاش حول إصلاحها لا يمكن فصله عن هذه التحولات الميدانية.

الأبعد من ذلك أن ما نشهده ليس فقط تراجعا في فعالية المؤسسات متعددة الأطراف، بل إعادة تعريف لوظيفتها. الولايات المتحدة تميل إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي وإعادة التفاوض على التزاماتها الدولية واعتبار الهيئات الدولية امتدادا لمؤسساتها وأولوياتها، في حين تواصل الصين الدفاع عن خطاب التعددية والتغلغل في هذه المنظمات، ولكن ضمن نموذج يوسّع النفوذ الاقتصادي دون انفتاح موازٍ في المجال السياسي. النتيجة هي نظام دولي أقل ميلا إلى التوافق، وأكثر انكشافا على منطق القوة.

بين واشنطن وبكين، مرورا بطهران وكاراكاس، ووصولا إلى نيويورك وجنيف، يتبلور مشهد دولي أكثر صراحة في صراعاته، وأقل اعتمادا على التوافقات الرمزية

في هذا السياق، يكتسب اللقاء المرتقب بين دونالد ترمب وشي جينبينغ أهمية تتجاوز الملفات الثنائية التقليدية خصوصا بعد قبض ترمب على نفط فنزويلا وخنق نفط إيران. فالعلاقة بين القوتين لم تعد تُدار فقط عبر التجارة أو التكنولوجيا، بل عبر إعادة رسم حدود النفوذ داخل النظام الدولي ذاته، بما في ذلك داخل الأمم المتحدة والمنظمات متعددة الأطراف.

ما يتشكل اليوم ليس نظاما جديدا مكتمل الملامح، بل مسار انتقالي ومخاض اللايقين، تتراجع فيهما القواعد العامة لمصلحة موازين القوة. في هذا المسار، تصبح الوثائق الدبلوماسية أكثر من مجرد مقترحات إصلاح؛ إنها تعبيرات عن إعادة تموضع استراتيجي.

بين واشنطن وبكين، مرورا بطهران وكاراكاس، ووصولا إلى نيويورك وجنيف، يتبلور مشهد دولي أكثر صراحة في صراعاته، وأقل اعتمادا على التوافقات الرمزية التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة. هنا، لا يكون "الإصلاح" هدفا أو "الانسحاب" تهديدا، بل أداة ضمن صراع أوسع على من يملك تصميم النظام الدولي ويهيمن على مؤسساته.

font change