ترمب وشي و"المصيدة"

العالم لا يعيش لحظة تفاهم بين القوتين الأكبر، بل يقيم في محاولة متوترة لإدارة خوف متبادل

ترمب وشي و"المصيدة"

استمع إلى المقال دقيقة

في بكين، الصورة مزدوجة وواضحة هذه المرة. استقبل شي جينبينغ، دونالد ترمب بحفاوة كبيرة وهندسة صارمة. جولات في رموز التاريخ الإمبراطوري، اختبارات تحت نظرات ماو تسي تونغ في ساحة تيانانمن، وجبات في القلب السياسي المغلق.

سارا معا حيث كان الأباطرة يناضلون من أجل الحصاد والازدهار. حرص المضيف على إظهار كل ما يملكه من رمزية الدولة العريقة والعميقة والثقة المتراكمة. لا مانع من تفيّؤ الضيف الذي يحيي الذكرى الـ250 للاستقلال الأميركي، بظل شجرات نابضة بالحياة وقد مضت قرون في عروقها.

هناك جانب آخر مدروس في الصورة. حذر كبير في الإعلام الرسمي الصيني. أخبار القمة في الصفحات الداخلية. دقائق على شاشات التلفزيون الرسمي. الأولوية لتقارير التنمية المحلية على حساب أخبار القمة الخارجية. هذه المفارقات ليست تقديرات تحريرية، بل حياكة شيوعية.

كانت بكين تتعامل سابقا مع زيارة الرئيس الأميركي باعتبارها حدثا استثنائيا يكرس صورة الصين كقوة صاعدة جائعة لاعتراف البيت الأبيض. هذه المرة، تستقبل بكين ترمب من موقع آخر. أميركا القوة الأكبر في العالم، لكنها لم تعد المركز الوحيد. هنا تحديدا يعود "فخ ثوقيديدس" إلى الواجهة. "صعود أثينا والخوف الذي زرعه في إسبرطة جعلا الحرب حتمية". ولم يكن عابرا أن يستحضر شي نفسه هذا المفهوم خلال القمة، داعيا إلى عدم الوقوع في هذا "الفخ" وبناء نموذج جديد للعلاقات بين قوة صاعدة وأخرى متأرجحة.

هل يمكن تجنب "المصيدة"؟ كل ما يجري بين البلدين يوحي بأن الطرفين يحاولان إدارة الصدام أكثر مما يحاولان تفكيك الألغام ونزع جذور المصائد.

في العلن، تحدث ترمب وشي عن الاستقرار والتعاون الاقتصادي والحفاظ على قنوات الحوار. التجارة والاستثمارات وخفض الرسوم والذكاء الاصطناعي وإدارة الخلافات في الملفات. لكن خلف هذه الكلمات الهادئة، كانت هناك رياح تتحرك في الاتجاه المعاكس تماما. إذ تواصل الصين تسريع بناء قدراتها العسكرية والتكنولوجية والعلمية، وتكرر رفضها أي ضغوط أميركية تتعلق بتايوان. هي تبدو أكثر هدوءا وثقة. تتصرف كقوة ترى أن الميزان العالمي يتحول تدريجيا لصالحها، وأن الزمن متحالف معها أكثر مما يعمل لمصلحة واشنطن.

ما تحقق في قمة ترمب وشي أقل بكثير مما كان متوقعا. صفقات تجارية أقل وتفاهمات سياسية معدومة و"الحرب التجارية" رهينة الهدنة

أما واشنطن فكانت، قبل القمة وخلالها، تفرض عقوبات على شركات صينية، وتتهم بكين بسرقة تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحذر من تنامي نفوذها في الأمن السيبراني. فبينما حاول ترمب تقديم نفسه خلال القمة بوصفه رجل الصفقات القادر على بناء علاقة شخصية مع شي جينبينغ بعد إغراقه بكلمات المديح، كانت مؤسسات الأمن القومي الأميركية تتعامل مع الصين باعتبارها التهديد الجيوسياسي الأكبر.

ما تحقق في قمة ترمب وشي أقل بكثير مما كان متوقعا. صفقات تجارية أقل وتفاهمات سياسية متواضعة و"حرب تجارية" رهينة الهدنة. ترمب يريد من شي مساعدته في منع إيران من امتلاك السلاح النووي وعدم دعمها عسكريا وفتح مضيق هرمز. وشي يريد وقف الدعم العسكري لتايوان وتركها تقع في "المصيدة" الصينية، وأن تبقى العلاقة بين بكين وواشنطن قائمة على "الشراكة لا الخصومة".

العالم لا يعيش لحظة تفاهم بين القوتين الأكبر، بل يعيش محاولة متوترة لإدارة خوف متبادل؛ بين قوة تخشى التراجع، وأخرى تعتقد أن صعودها لم يعد قابلا للتوقف

في طريق عودته إلى واشنطن، يعرف ترمب أن زيارته هذه تختلف عن سابقتها قبل حوالي عشر سنوات. رمى فريقه "الهدايا الصينية" المريبة في مطار بكين الذي أقلعت منه الطائرة الرئاسية. ما كشفته القمة ربما لا يتعلق بالصين وحدها، بل بأميركا أيضا. فواشنطن التي انتصرت في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي وقادت النظام الدولي الوليد لعقود، تبدو اليوم أقل ثقة وتحالفات وأكثر انقساما وعزلة، فيما تتحرك الصين بصبر طويل لبناء نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري. وبين الطرفين، يقف العالم أمام مرحلة انتقالية. لا حرب باردة مكتملة، ولا شراكة مستقرة، ولا نظام عالمي متبلور، بل تعايش حذر فوق حافة صدام كبير ومصائد كثيرة ومصائب متكررة.

العالم لا يعيش لحظة تفاهم بين القوتين الأكبر، بل يقيم في محاولة متوترة لإدارة خوف متبادل بين قوة تخشى التراجع، وأخرى تعتقد أن صعودها لم يعد قابلا للتوقف.

font change