كيف يمكن لحرب إيران أن تؤثر في روسيا وأوكرانيا

قد تستنزف الحرب في الشرق الأوسط إمدادات أوكرانيا من الذخائر الدفاعية الأساسية، وقد تدفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إبرام صفقة سريعة مع روسيا

(أسوشييتد برس)
(أسوشييتد برس)
مسيرة إيرانية انتحارية من طراز "شاهد" أطلقتها روسيا تحلق فوق كييف قبل لحظات من ضرب مبان في المدينة، 17 أكتوبر 2022

كيف يمكن لحرب إيران أن تؤثر في روسيا وأوكرانيا

قبل أسبوع واحد فقط، كانت أوكرانيا وروسيا تستعدان لاستئناف مفاوضات تهدف إلى إنهاء الحرب المستمرة بينهما منذ أربعة أعوام.

لكن تطورا مفاجئا قلب المشهد، إذ لم يعد مكان الاجتماع محسوما بعدما أصبحت أبوظبي، التي كانت مرشحة لاستضافة المحادثات، تحت وطأة هجمات تشنها إيران، حليفة روسيا.

وحتى الآن، يبقى إلغاء هذا الموقع واحدا من الإشارات القليلة الواضحة إلى الكيفية التي تؤثر بها حرب الولايات المتحدة على إيران بصورة فورية في مستقبل الحرب بين روسيا وأوكرانيا. لكن محللين ودبلوماسيين وموظفين في الكونغرس الأميركي يرون أن خطرا يلوح في الأفق، إذ تستنزف الحرب مخزونات أساسية من الذخائر وتؤثر في حسابات السياسة الخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فيما يتوقع بعضهم أن تدفع ورطة طويلة في إيران ترمب إلى ممارسة ضغط أكبر لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

(رويترز)
طائرة مسيرة تصيب مبنى سكنيا خلال هجوم روسي على كييف، أوكرانيا، 27 ديسمبر 2025

وفي المقابل، قد تمنح حرب إيران أوكرانيا قدرا من الرصيد السياسي في البيت الأبيض ووزارة الحرب الأميركية، لأن الولايات المتحدة تطلب حاليا مساعدة أوكرانيا في مواجهة مسيرات "شاهد" التي تصنعها طهران.

قد تمنح حرب إيران أوكرانيا قدرا من الرصيد السياسي في البيت الأبيض ووزارة الحرب الأميركية

وتنتج إيران هذه المسيرات بكلفة تقل عن 50 ألف دولار للواحدة، في حين لا تملك الولايات المتحدة وحلفاؤها سوى وسائل محدودة لتدميرها بكلفة منخفضة. لكن أوكرانيا طورت أساليب فعالة من حيث الكلفة لإسقاطها، علما بأن روسيا تنتج أيضا نسخة مشابهة من هذه المسيرات بمساعدة إيرانية.

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوم الخميس إنه سيوفر للولايات المتحدة ما تحتاج إليه من مساعدة. مضيفا: "أصدرت تعليمات بتوفير الوسائل اللازمة وضمان وجود اختصاصيين أوكرانيين يمكنهم تأمين الحماية المطلوبة".

وتساعد أوكرانيا أيضا دول الخليج، التي تستخدم، بحسب تقارير، صواريخ باتريوت الباهظة لاعتراض المسيرات الرخيصة. وقد تسهم هذه المساعدة في خفض الطلب على هذه الصواريخ، بما يتيح تخصيص مزيد منها للتصدي للصواريخ الباليستية الروسية.

(أ.ف.ب)
تصاعد دخان فوق طهران بعد ضربة استهدفت العاصمة الإيرانية، 3 مارس 2026

كما تضمّن بيان زيلينسكي ما بدا إشارة غير خفية إلى النفوذ الذي اكتسبه حديثا. وقال: "تساعد أوكرانيا الشركاء الذين يساعدون على ضمان أمننا وحماية أرواح شعبنا".

أوكرانيا طورت أساليب فعالة من حيث الكلفة لإسقاط المسيرات الإيرانية التي تستخدمها روسيا أو تنتج مثيلات لها

مع ذلك، يبقى حجم المساعدة التي تستطيع أوكرانيا تقديمها سؤالا مفتوحا، ولا سيما أنها تحتاج هي الأخرى إلى معترضاتها للتصدي للمسيرات الروسية.

وفي حال طال أمد الحرب في إيران، فإنها قد تقلص أيضا مخزونات الولايات المتحدة من الذخائر نفسها التي تحتاج إليها أوكرانيا، ولا سيما صواريخ باتريوت الأميركية الصنع.

وأعرب ترمب في حديث إلى "بوليتيكو" يوم الثلاثاء عن ثقته في مخزونات الذخائر الأميركية، قائلا: "لدينا كميات غير محدودة من الذخائر المتوسطة وما فوقها". وأضاف أن إيران "بدأت تنفد لديها منصات الإطلاق"، ما يعني أن الحاجة إلى صواريخ باتريوت وغيرها من المعترضات ستتراجع مع مرور الوقت.

(رويترز)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال زيارة للاطلاع على تدريب الجنود على منظومة الدفاع الجوي "باتريوت" في ألمانيا، 11 يونيو 2024

لكن مخزونات بعض الأسلحة الأساسية، مثل صواريخ باتريوت، تبدو محدودة، بحسب تقارير. وعلى الرغم من وجود خطط لزيادة المشتريات، فإن الجيش الأميركي لا يشتري حاليا سوى بضع مئات من الصواريخ الجديدة سنويا.

إطالة أمد الحرب في إيران، سيقلص مخزونات الولايات المتحدة من الذخائر نفسها التي تحتاج إليها أوكرانيا، ولا سيما صواريخ باتريوت الأميركية الصنع

وأثار هذا الواقع شكوكا في بعض الدوائر داخل الحكومة الأميركية وأوروبا بشأن قدرة إدارة ترمب على الموازنة بين حرب إيران والالتزامات الأمنية في أماكن أخرى، بما في ذلك أوكرانيا. وقال دبلوماسي أوروبي تحدث إلى "فورين بوليسي" شرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة مسائل دبلوماسية حساسة: "ربما لا يعرفون هم أنفسهم، لأن الأمر سيتوقف على كيفية سير الحرب".

وقال مساعد بارز في الكونغرس، تحدث هو الآخر شرط عدم الكشف عن هويته: "من الواضح أن الحرب ستؤثر في أوكرانيا وتايوان وجميع المساعدات الأمنية الأخرى".

كما دفع هذا الواقع زيلينسكي أيضا إلى دق ناقوس الخطر في وقت سابق من هذا الأسبوع. وقال: "نفهم أن حربا طويلة في إيران، إذا امتدت، وأن شدة الأعمال العسكرية ستؤثران في مقدار الدفاع الجوي الذي نحصل عليه".

(أسوشييتد برس)
مسيرات بحرية من طراز "Sea Baby" خلال عرض تجريبي نظمته أجهزة الأمن الأوكرانية في موقع غير معلن، 17 أكتوبر 2025

وفي السياق نفسه، يرى ماكس بيرغمان، مدير برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن استنزاف الأسلحة قد يؤثر في الإمدادات الدفاعية الحالية التي تعتمد عليها أوكرانيا، مثل الدفاع الجوي، وقد يقيد أيضا خيارات الولايات المتحدة في تزويد أوكرانيا بأسلحة هجومية. وكانت إدارة ترمب قد درست سابقا إرسال صواريخ "توماهوك" بعيدة المدى والقوية إلى أوكرانيا، وهي سلاح مفيد لتوجيه ضربات مدمرة إلى منشآت إنتاج النفط الروسية.

من الواضح أن الحرب ستؤثر في أوكرانيا وتايوان وجميع المساعدات الأمنية الأخرى

مساعد بارز في الكونغرس

وقال بيرغمان: "إن استخدام الولايات المتحدة صواريخ (توماهوك) في إيران يعني على الأرجح أن أي فرصة أمام إدارة ترمب لتقديم هذه المنظومة إلى أوكرانيا قد انتهت".

ويفكر محللون أيضا في كيفية تأثير الحرب في إيران في تفكير ترمب نفسه حيال الدبلوماسية الدولية وعلاقته المعقدة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وقال جون هيربست، المدير الأول لمركز أوراسيا في المجلس الأطلسي والسفير الأميركي السابق لدى أوكرانيا، إن نجاحا في إيران قد يدفع ترمب إلى ممارسة مزيد من الضغط على روسيا. إلا أن هيربست استبعد أن يعامل ترمب روسيا بالطريقة نفسها التي عامل بها دولا أضعف مثل إيران. وقال: "لديه أمر ما مع بوتين، وهو ما يعوق التحليل السليم".

(أسوشييتد برس)
جندي أوكراني يطلق طائرة استطلاع مسيرة في منطقة خاركيف، أوكرانيا، 4 مارس 2026

وعلى العكس، إذا واجهت الولايات المتحدة صعوبات في إيران، فقد يدفع ذلك ترمب إلى البحث عن مكسب في مكان آخر وإبرام صفقة مع روسيا بشأن أوكرانيا، بحسب بيتر سليزكاين، مدير برنامج روسيا في مركز ستيمسون.

إذا واجهت واشنطن صعوبات في إيران، فقد يدفع ذلك ترمب إلى البحث عن مكسب في مكان آخر وإبرام صفقة مع روسيا بشأن أوكرانيا

بيتر سليزكاين

وقال سليزكاين: "كان ترمب دائما أكثر ميلا إلى تبني الرؤية المحافظة الجديدة تجاه إيران منه تجاه روسيا. وربما يجعل التورط الأميركي الممتد في الشرق الأوسط ترمب أكثر اهتماما بإبرام صفقة مع روسيا لإنهاء الحرب في أوكرانيا".

وفي إشارة قد تثير قلق أوكرانيا، وجه ترمب انتقادا لزيلينسكي في منشور على منصة "تروث سوشيال" ناقش فيه مخزونات الذخيرة الأميركية. وكتب يوم الاثنين: "أمضى جو بايدن كل وقته وأموال بلدنا، وهو يعطي كل شيء إلى بي. تي. بارنوم (في إشارة ساخرة إلى زيلينسكي)، في أوكرانيا!".

لكن هيربست هون من وقع هذه الإساءة، ورأى أنها لا تعكس على الأرجح عداء أكبر من المعتاد تجاه أوكرانيا، مشيرا إلى أن ترمب لم يشبه زيلينسكي برجل السيرك للمرة الأولى.

(رويترز)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى جانب مقاتلات "F-16" خلال احتفال يوم القوات الجوية في موقع غير معلن بأوكرانيا، 4 أغسطس 2024

وجدد ترمب انتقاداته لزيلينسكي في مقابلة مع "بوليتيكو" يوم الخميس، قائلا إن الرئيس الأوكراني "عليه أن يتحرك، وعليه أن ينجز صفقة".

وأضاف ترمب: "من غير المعقول أن يكون هو العقبة"، في إشارة إلى زيلينسكي. "أنت لا تملك الأوراق. والآن باتت لديك أوراق أقل".

في إشارة إلى زيلينسكي: "أنت لا تملك الأوراق. والآن باتت لديك أوراق أقل".

دونالد ترمب، الرئيس الأميركي

لكن أوكرانيا تملك بعض الأوراق التي تستطيع أن تلعبها في واشنطن.

فمنذ الاجتماع الكارثي بين زيلينسكي وترمب في البيت الأبيض في فبراير/شباط 2025، الذي أعقبه تعليق للمساعدة الأميركية إلى أوكرانيا، اتبعت كييف استراتيجية متعددة المسارات لكسب ود إدارة ترمب.

فعلى صعيد التجارة، وهو ملف يحظى بأولوية لدى إدارة ترمب، مضت أوكرانيا قدما في اتفاق مهم للمعادن الحيوية يتيح لشركات أميركية الوصول إلى مواردها المعدنية. كما عملت أوكرانيا على صفقات طاقة مع الولايات المتحدة، بما في ذلك شراء الغاز الطبيعي المسال الأميركي عبر اليونان.

وشددت أوكرانيا أيضا، بصورة متزايدة، على أهمية الدين، وسلطت الضوء على اضطهاد الجيش الروسي للمسيحيين في الأراضي الأوكرانية المحتلة. وفي مطلع فبراير، استضافت أوكرانيا إفطار صلاة في واشنطن حضره مسؤولون بارزون من إدارة ترمب، بينهم باولا وايت كاين، المستشارة الكبيرة في مكتب شؤون الإيمان المستحدث في البيت الأبيض، ورايلي بارنز، مساعد وزير الخارجية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل في وزارة الخارجية الأميركية.

(رويترز)
رجال إطفاء يخمدون حريق قطار ركاب بعد إصابته بهجوم بطائرة مسيّرة روسية في محطة قطار بمنطقة ميكولايف، أوكرانيا، 4 مارس 2026

وقد يكون هذا الانفتاح الديني أسهم جزئيا، بحسب ما تردد، في قرار البيت الأبيض إلغاء اجتماع كان مقررا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مع قادة دينيين روس كانوا يتهمون أوكرانيا بالاضطهاد الديني، رغم أن المجموعة نفسها التقت مسؤولين من إدارة ترمب وأعضاء في الكونغرس.

أوكرانيا أمام الأميركيين سلطت الضوء على اضطهاد الجيش الروسي للمسيحيين في الأراضي الأوكرانية المحتلة

كما لفتت أوكرانيا انتباه السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب، التي باتت تركز على قضية الأطفال الأوكرانيين الذين اختطفتهم القوات الروسية. وفي فبراير/شباط، قالت ميلانيا ترمب إن العمل مع فريق بوتين مستمر.

ومع ذلك، يشكك بعضهم في أن الأوراق التي لعبتها أوكرانيا لكسب حلفاء ترمب تتحول إلى نفوذ لدى ترمب نفسه، الذي اتخذ، من إيران إلى تعامله مع قضية جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية، خطوات تخالف مصالح قواعده.

وقال هيربست: "إن قضية الأطفال المختطفين تركت أثرا في الدائرة السياسية المحيطة بترمب، لا شك في ذلك. لكن ترمب، بطبيعة الحال، لا يكترث كثيرا لتلك الدائرة".

font change

مقالات ذات صلة