ضرورة تجديد الاحتياجات التكنولوجية لسياسة أميركا في الشرق الأوسط

تحتاج واشنطن إلى إصلاح نظام مبيعاتها العسكرية الأجنبية

إيوان وايت
إيوان وايت

ضرورة تجديد الاحتياجات التكنولوجية لسياسة أميركا في الشرق الأوسط

إن تعزيز توافق السياسات والالتزام السياسي والتعاون الدولي أمر أساسي لمعالجة جملة التحديات الأمنية التي تواجهها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من الأهمية الحيوية لهذه العوامل، والتي كانت غائبة بشكل ملحوظ في مواجهة المشهد الأمني المتطور، فإن دور التكنولوجيا كان لا يزال حاسما، بل إن استخدام التكنولوجيا الأميركية بات اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى في التصدي لردع وتحييد التهديدات المختلفة التي تواجه المصالح الأمنية للولايات المتحدة وحلفائها.

في الشرق الأوسط، تركز القيادة المركزية الأميركية جهودها على ثلاث فئات رئيسة من التهديدات:

1. التهديدات المباشرة وغير المباشرة من إيران لمصالح الولايات المتحدة وقواتها وحلفائها

2. التهديدات الصادرة عن التنظيمات المتطرفة العنيفة

3. نفوذ الصين وروسيا

وفي حين أن الفئتين الأخيرتين مهمتان، فإن التركيز الأساسي للقيادة المركزية الأميركية في المستقبل المنظور سيظل على إيران ووكلائها، ما لم يحدث تغيير في النظام الإيراني أو تحول في سياسة الولايات المتحدة. لقد أصبح استخدام التكنولوجيا الأميركية أكثر أهمية من أي وقت مضى في التصدي لهذا التحدي المعقد.

التقدم الإيراني

تحرز إيران تقدما سريعا وملموسا في دقة الصواريخ الإيرانية ومداها وسرعة إطلاقها وقدرتها على القتل وهو ما سيكون هاجس القيادة المركزية الأميركية في المستقبل المنظور ويعقد أنشطتها في الشرق الأوسط. لقد كان قلق القيادة المركزية الأميركية في الماضي منصبا على حجم الترسانة الصاروخية الإيرانية، وهي الأكبر في المنطقة. أما اليوم، فقد صار لزاما عليها إلى ذلك أن تهتم بقدرة طهران على ضرب أي هدف في المنطقة، بدقة وسرعة وفتك، بما في ذلك إسرائيل.

من المرجح أن تواصل إيران استثمارها في الذخائر الموجهة بدقة

في السابق، كان يُنظر إلى الصواريخ الإيرانية في المقام الأول على أنها أدوات للردع، وقد صنفت باعتبارها أسلحة للإرهاب. ولكن باتت الآن تستخدم فوق ذلك لأغراض قتالية هجومية، كما يتضح من سلسلة الهجمات الإيرانية ضد مجموعة من الأهداف الأميركية والشركاء في المنطقة.
ومن المرجح أن تواصل إيران استثمارها في الذخائر الموجهة بدقة. هذه الأسلحة ليست فعالة من حيث التكلفة فقط بسبب زيادة دقتها وقدرتها على الفتك، ولكنها قادرة أيضا على التقليل من الأضرار الجانبية، مما يساعد على منع التصعيد. بالإضافة إلى ذلك، فهي تخفض التكاليف المرتبطة بالمهام والخدمات اللوجستية، وتتوافق مع ترسانة إيران الحالية، ولا تتطلب سوى حد أدنى من التدريب للمشغلين، ويمكن الوصول إليها بسهولة.

تخطط إيران لمواصلة استثمارها في الأنظمة غير المأهولة، لتأمين الجيل التالي من الذخائر الموجهة بدقة

وبالفعل، أظهرت الضربات الإيرانية الأخيرة في العراق وسوريا وباكستان هذه القدرات المتطورة، واستثمرتها إيران في استعراض للقوة أمام خصومها، علما أنها استخدمت، في هجماتها على مواقع تنظيم "داعش" في سوريا، أحد صواريخها الأكثر تطورا والأطول مدى، وهو صاروخ "خيبر شيكان"، الذي كان مثالا على براعتها العسكرية الهجومية المتنامية.
لم يكشف عن صاروخ "خيبر شيكان" إلا عام 2022، وهو صاروخ موجه بدقة يعمل بالوقود الصلب ويبلغ مداه حوالي 900 ميل. ويتميز عن باقي الترسانة الإيرانية في أن له رأسا حربيا قادرا على المناورة برشاقة، باستخدام زعانف هوائية صغيرة تمكنه من التهرب على الأقل من بعض أنظمة الدفاع الصاروخي الأقل تطورا.

أ ف ب
جنود أميركيون يقومون بدورية في ريف الرميلان بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، 7 يونيو 2023

ولدى إيران أيضا صاروخ "فتاح" الموجه بدقة، والذي يُزعم أن سرعته تفوق سرعة الصوت ويبلغ مداه أيضا حوالي 900 ميل. يمكن للصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت أن تنطلق بسرعة أسرع بخمس مرات على الأقل من سرعة الصوت وتأخذ مسارا معقدا، ما يجعل اعتراضها مسألة صعبة. ولذلك إذا لم تتخذ الولايات المتحدة تدابير مضادة فعالة مدعومة بأحدث تكنولوجيا الدفاع الصاروخي، فإن الردع الأميركي ضد إيران سيجد نفسه في مأزق.
وتخطط إيران، إلى ذلك، لمواصلة استثمارها في الأنظمة غير المأهولة، بهدف تأمين الجيل التالي من الذخائر الموجهة بدقة والتي ستنشر عبر المنصات التقليدية والمأهولة، بالإضافة إلى الأنظمة الجوية المستقلة دون طيار.
ويفتخر "الحرس الثوري" الإيراني- المصنف كمنظمة إرهابية من قبل كثير من البلدان- بالتقدم الذي حققته إيران في أنظمة الطائرات دون طيار، ولا سيما "شاهد-129"، الذي يُحتفل به باعتباره إنجازا تكنولوجيا مهما لقدراته القتالية والاستطلاعية.

من المرجح أن يركز مستقبل الحرب في الشرق الأوسط بشكل أقل على القوة النارية وأكثر على قوة المعلومات

ويتباهى "الحرس الثوري" بقدرات الطائرات دون طيار، بما في ذلك الطائرة "شاهد-129"، والتي وصفت بأنها طفرة تكنولوجية بسبب مهامها القتالية والاستطلاعية المتقدمة.
وفي الوقت نفسه، قامت إيران بزيادة نطاق الطائرات دون طيار من خلال التحول إلى الملاحة عبر نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). ونظرا للتقدم التكنولوجي والانتشار العالمي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، فهي مسألة وقت فقط قبل أن تتحقق الطموحات الإيرانية بشأن الطائرات دون طيار المدعمة بالذكاء الاصطناعي بالكامل. وعندما يحدث ذلك، فإن البيئة العملياتية في المنطقة سوف تتغير في بعض النواحي لصالح إيران.

الاستفادة من الابتكار الأميركي

لا يعني هذا بطبيعة الحال افتقار الولايات المتحدة إلى الحلول التكنولوجية لهذه المشاكل الأمنية المتطورة، فلديها في المقام الأول قدرتها في مجال الابتكار، وكانت البحرية الأميركية تعمل بشكل فعال على الاستفادة من الابتكار في المياه الإقليمية لضمان الأمن البحري.
لكن القيادة المركزية الأميركية وغيرها من قيادات القوات الإقليمية لا تستثمر في البحث والتطوير والاختبار والتقييم والمشتريات بنفسها، وليس لديها ميزانية مستقلة لذلك، بل عادة ما تتواصل مع الخدمات العسكرية الأميركية، المسؤولة عن التدريب والتجهيز، بالقدرات التي يحتاجونها. ومن الناحية المثالية، ستستثمر الخدمات بعد ذلك في هذه القدرات. بيد أن هذا النظام لا يسهل دائما العمل السريع أو التكيف مع التحديات الجديدة بالوتيرة التي قد تكون مرغوبة.

مستقبل الحرب

لقد بينت حرب روسيا في أوكرانيا أن الكتلة والقدرة لا تزالان عاملين أساسيين، ولكن المرجح أن يركز مستقبل الحرب في الشرق الأوسط بشكل أقل على القوة النارية وأكثر على قوة المعلومات والطريقة التي تربط بها القوات العسكرية من خلال مفاهيم القيادة والسيطرة والاتصالات والكمبيوتر والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.
لقد أكد الصراع في أوكرانيا على الأهمية الدائمة للكتلة والقدرات في الحرب. ومع ذلك، من المتوقع أن يحول مستقبل الاشتباكات العسكرية في الشرق الأوسط التركيز من القوة النارية المطلقة إلى الاستخدام الاستراتيجي للمعلومات، مع التركيز على أهمية القيادة والسيطرة والاتصالات وأجهزة الكمبيوتر والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.

البيروقراطية الدفاعية الأميركية غير مستعدة لمواجهة التهديد المتغير في الشرق الأوسط أو العالم

وبات الآن واضحا أكثر من أي وقت مضى، أن مفتاح السيطرة يكمن في القدرة على جمع المعلومات الأساسية، وتحليلها بدقة وسرعة، ثم مشاركتها بشكل آمن.
وتفتخر الولايات المتحدة بقدرات مراقبة عالمية لا مثيل لها، مما يوفر لها ميزة كبيرة على إيران. ومع ذلك، فإن استراتيجيات الإخفاء والخداع التي تتبعها إيران تشكل تحديا للولايات المتحدة في معالجة المعلومات وتحليلها في الوقت الفعلي، مما يوفر لإيران ميزة تكتيكية.

رويترز
قائد الجيش الإيراني عبد الرحيم موسوي ووزير الدفاع يمران أمام مسيرات دخلت الخدمة العسكرية في 22 يناير

ومع ذلك، فإن البيروقراطية الدفاعية الأميركية الحالية غير مستعدة لمواجهة مشهد التهديد المتغير هذا، سواء في الشرق الأوسط أو على مستوى العالم، وذلك ما يسهل على الخصوم، مثل إيران وحلفائها، تطوير واكتساب ونشر واستخدام قدرات جديدة بسرعة ومرونة أكبر مما تستطيع الولايات المتحدة الرد عليه.
ولهذا السبب، يقع على عاتق واشنطن أن تقوم فورا بإصلاحات جادة في عملية المبيعات العسكرية الأجنبية المرهقة والبطيئة. وهذا أمر بالغ الأهمية لتمكين صناعة الدفاع الأميركية وحلفائها الإقليميين من التطوير التعاوني للقدرات الفعالة ضد التحديات الاستراتيجية المتطورة التي تطرحها إيران.

font change

مقالات ذات صلة