رمضان في تونس... شهر الروحانيات وموسم الحياة

عبادات وجلسات تلفزيونية وعروض مسرحية وغنائية

Fethi Belaid / AFP
Fethi Belaid / AFP
رجل يقرأ القرآن في مسجد سيدي محرز في حي باب سويقة بتونس خلال شهر رمضان، 26 مارس 2023

رمضان في تونس... شهر الروحانيات وموسم الحياة

أول يوم سبت في شهر رمضان 2026. منتصف النهار في سوق أريانة، هذا الحي من العاصمة التونسية، الذي تتقاطع فيه مختلف الطبقات الاجتماعية. قرب السوق البلدي القديم الذي تحيط به محلات مختلفة لبيع الخضر والفواكه واللحوم والمستلزمات المنزلية تزينت بأهلة وفوانيس رمضان، لم يعد في إمكان السيارات أن تعبر الزحمة الخانقة في الشوارع الضيقة من حي أريانة. توقفت حركة المرور وظل الناس وراء المقود، بين صبور ومستسلم. لكن أحيانا يطل أحدهم من سيارته، كي يتشاجر مع من يظن أنه السبب الرئيس في شلل الحركة. ثم يستغفر السائقون الله، ويلعنون "حشيشة رمضان" قبل أن يعودوا إلى مواقعهم حيث انطلقت الحركة من جديد.

"حشيشة رمضان" هي العبارة التونسية للإشارة إلى أعراض النقص في شرب السكائر أو الشاي أو القهوة، أي باختصار جميع المنشطات التي ينقطع عنها الصائم خلال النهار، ويفترض الاعتقاد الشعبي أن "حشيشة رمضان" هي المسؤولة عن المشاحنات التي قد يقع فيها مثل هذا الصائم، وبذلك يبقى صيامه مقبولا رغم زيغه عن السلوك الهادئ والمتعبد الذي يفترض اتباعه خلال هذا الشهر الفضيل.

جنون الاستهلاك

غير بعيد من هناك، في السوبرماركت، نصبت قوارير الزيت الكبيرة، وعلب التونة، والزبادي بمختلف أنواعها، فالأخيرة هي أحد المكونات المفضلة لوجبة السحور لدى التونسيين، إلى جانب حلوى الطحينة المعروفة باسم "حلوى الشامية" نسبة إلى بلاد الشام. في السوبرماركت، البضائع مرصوفة بكميات هائلة، تتجاوز الكميات العادية، استجابة للجنون الاستهلاكي الذي يستحوذ على غالبية التونسيين في شهر رمضان. لكن هذه السنة، اشتدت وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة منذ سنوات، وبدت المتاجر الكبرى أقل ارتيادا من العادة في هذه الفترة من السنة.

رغم ذلك، تطول طوابير العملاء أمام الخزينة مع اقتراب ساعة الإفطار، وكذلك الطوابير أمام المخابز. ومع اقتراب موعد الإفطار أيضا، تتحول الطرق إلى حلبة سباق للسيارات التي يحاول أصحابها، في سرعة جنونية، الوصول إلى وجهاتهم قبل رفع آذان المغرب.

لا يأكل "البريك" إلا سخنا، لذلك، فإن الإفطار في تونس يستوجب النجاح في لعبة توازن، حيث لا يكون "البريك" جاهزا قبل الإفطار ولا بعده، بل تحديدا في الموعد

لا يطرح رفع الآذان إشكالا على المتأخرين في الطرق فحسب، بل أيضا على المنغمسات في المطبخ، فالوجبة التقليدية للإفطار التونسية تشمل طبقا رئيسا، يسبقه حساء "شربة"، ويأتي قبل كل ذلك طبق "البريك"، ورقة من العجين محشوة بالتونة والبقدونس والبيض، ومقلية في الزيت. لا يأكل "البريك" إلا سخنا، بعد ثوان من القلي. لذلك، فإن الإفطار في تونس، يستوجب النجاح في لعبة توازن، حيث لا يكون "البريك" جاهزا قبل الإفطار ولا بعده، بل تحديدا في الموعد. هكذا، فإن ختم تلاوة القرآن في التلفزيون، عادة ما يزيد توتر النساء في المطبخ، ولقد أمضيت حياتي أسمعهن يصرخن حينها: "قال صدق الله العظيم".

ممارسة شعيرة الصيام في تونس

يمارس التونسيون في غالبيتهم شعيرة الصيام، (78.5% حسب بعض الدراسات) لكن الجميع لا يزال يذكر خطاب الرئيس الأول للجمهورية التونسية، الحبيب بورقيبة، سنة 1960 حينما شرب كأس ماء على المباشر، محاولا فتح نقاش في خصوص الصيام والعمل، ومخلفا في الوقت نفسه صدمة لدى الأوساط المحافظة. إلى اليوم لا تزال المجاهرة بعدم الصيام مسألة حساسة، رغم أن مجموعة من التونسيين ترفض أن تتستر على إفطارها وعلى عدم ممارستها شعيرة الصيام.

Fethi Belaid / AFP
1 إسقاطات ضوئية لصور شخصيات تاريخية وقطع أثرية على باب البحر في تونس خلال مهرجان "إضاءة المدينة" ضمن فعاليات شهر رمضان، 28 مارس 2024

منذ زمن طويل، بقي بعض المقاهي مفتوحا في شوارع العاصمة نهارا خلال شهر رمضان، على أن يغطي نوافذه بالجرائد، وتعرف بمقاهي "الفاطرين". لكن عقب الثورة التونسية سنة 2011، ومع توسع مفهوم الحريات الشخصية، ظهرت مجموعة من الشباب والفتيات مطالبة باحترام معتقداتها بالطريقة نفسها التي تحترم معتقدات الصائمين، وأنها غير مجبرة على التستر والنفاق. وفيما نظمت المجموعة سابقا لقاءات لتناول الطعام جهرا في رمضان في قلب العاصمة أفضت إلى انقسامات حادة ومناوشات، أسفرت مثل هذه التظاهرات إلى اعتقالات وأحكام بالسجن. لم تسجل هذه السنة، مثل هذه التظاهرات، وبقيت فقط صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي تشير إلى المقاهي المفتوحة خلال النهار ومواقعها.

توثيق الروابط العائلية

في زمن وهنت فيه الروابط العائلية، يمثل شهر رمضان مناسبة لإعادة توثيقها، إذ غالبا ما تجتمع العائلة للإفطار كما تكثر الدعوات بين الأهالي، وترفض التقاليد الاجتماعية فكرة إفطار شخص بمفرده، وربما تمثل في المخيلة الجماعية التونسية أحد أبرز تجليات الوحدة الاجتماعية.

يتمحور اللقاء العائلي للإفطار حول شاشة التلفزيون، الذي يستهل السهرة بمسلسلات خفيفة ريثما يفرغ المتفرجون من الأكل، فالتونسيون على عكس عادة بعض الشعوب العربية المسلمة الأخرى، يتناولون في الغالب وجبة الإفطار بالكامل مرة واحدة إثر صلاة المغرب. يصل عدد القنوات التلفزيونية إلى اثنتي عشرة لما يقارب اثني عشر مليون تونسي، وبينما تبث مسلسلاتها الرئيسة، تتخلل السهرة، حلويات ومرطبات متنوعة من المطبخ التونسي الثري، التي لا يظهر بعضها إلا خلال هذا الشهر.

Fethi Belaid / AFP
تونسيون يتناولون وجبة الإفطار عند الغروب في مطعم يقدم الطعام للعائلات المحتاجة في العاصمة تونس خلال شهر رمضان، 18 مارس 2024

الاحتفال بشهر رمضان

الدراما التلفزيونية في رمضان هي أحد طقوس هذا الشهر بين التونسيين. ومع تكاثر القنوات التلفزيونية بعد الثورة سنة 2011، لم يعد النقاش يدور حول الدراما الوحيدة التي تبثها القناة الوطنية، بل صار يدور في الواقع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، حول أفضل مسلسل وحول أداء الممثلين والقضايا المطروحة. ينقطع البث ككل سنة بالإعلانات المتكررة إلى حد التخمة، وتطرح أيضا خلال نقاشات الشهر مسألة أفضل الإعلانات وأكثرها إبداعا. شهر رمضان هو شهر الإنتاجات الدرامية، ففي هذه السوق التونسية الصغيرة، تعرض غالبية المسلسلات خلاله، أما بقية السنة فتكاد تخلو من المسلسلات والإنتاج التلفزيوني.

لم تسجل هذه السنة، مثل هذه التظاهرات، وبقيت فقط صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي تشير إلى المقاهي المفتوحة خلال النهار ومواقعها

تكثر أيضا العروض المسرحية والغنائية، وسهرات الطرب والأناشيد الدينية الصوفية، ولا تنقطع البرمجة في المسارح وقاعات العروض، فأصحاب القاعات يدركون أنها أكثر فترة في السنة يخرج فيها التونسيون من بيوتهم ناشدين بعض الترفيه. يبدو أن الفكرة في الأصل هي تدارك الحياة التي لم تعش خلال النهار مع الإمساك، والسهرات الرمضانية هي تقليد قديم في المجتمع التونسي، فقد كان الناس في أوائل القرن العشرين يرتادون ما يسمى "الكافيشانطه"، وهي كلمة محورة من العبارة الفرنسية Café Chantant، أي المقهى الغنائي.

Fethi Belaid / AFP
إسقاطات ضوئية لصور تاريخية على باب البحر في تونس خلال مهرجان "إضاءة المدينة" ضمن فعاليات رمضان، 28 مارس 2024

وقد تعود وفرة سهرات الأناشيد الصوفية، مثل سهرة الذكر "الحضرة"، في برامج المهرجانات المتعددة خلال شهر رمضان، وخاصة في إطار مهرجان المدينة العتيقة، إلى التقاليد الصوفية المتجذرة في المجتمع منذ قرون، والتي عرفت اهتماما متجددا منذ عقود خاصة عبر العروض المسرحية الغنائية للأناشيد الصوفية.

Fethi Belaid / AFP
مصلّون يؤدّون صلاة التراويح في ساحة جامع الزيتونة التاريخي في المدينة العتيقة بالعاصمة تونس خلال شهر رمضان، 18 مارس 2024

على الرغم من الطابع الاحتفالي المتميز في شهر رمضان، فإن غالبية التونسيين يعتبرونه شهرا للتأمل الروحي العميق والتعبد الديني (92% حسب إحصائية شركة إبسوس في شهر فبراير/ شباط 2026) ويركزون أكثر على الجانب الروحي خلاله (74%  حسب الإحصائية نفسها). تجذب صلاة التراويح أعدادا كبيرة من المصلين، وتعود حركة المرور مزدحمة من جديد أمام المساجد في الليل.

المقاهي، الترفيه الأول في الأساس

تزدحم الحركة أيضا في الليل أمام المقاهي، فهي من أهم وجهات الترفيه لدى التونسيين. يقصدونها إثر انتهاء المسلسلات نحو الساعة العاشرة مساء، يدخنون فيها "الشيشة" (النرجيلة) ويلعبون الورق حتى ساعة متأخرة من الليل، وهي المحلات الوحيدة المفتوحة. فعلى عكس بلدان المشرق، تعيش تونس عادة بإيقاع أوروبي، حيث تغلق المتاجر أبوابها نحو الساعة السابعة مساء طيلة السنة، وتواصل الإيقاع نفسه خلال شهر الصيام، إلا ابتداء من الجزء الثاني من الشهر، كي تتيح الفرصة للتسوق من أجل العيد.

Fethi Belaid / AFP
زبائن ينتظرون طلباتهم من الحلويات في مخبز داخل السوق المركزية في تونس في اليوم الأول من شهر رمضان، 1 مارس 2025

وعندما تخرج في الليل، ترى الناس مجتمعين في المقاهي. منذ بضع سنوات تحولت بعض الأحياء إلى معاقل للمقاهي في ضواحي تونس العاصمة، مثل ضاحية البحيرة، أو ضاحية حدائق قرطاج، أو حي النصر. لكن المدينة العتيقة تبقى الأبهى، إذ تزين طرقاتها ومبانيها ذات الطراز العربي الإسلامي المغاربي بالأضواء، لتبث روحها المشبعة بالتاريخ وبتعاقب الشعوب على زائريها، فهي من بين أولى المدن العربية الإسلامية إذ أنشئت سنة 698م، وفيها تتالى الأغالبة والأندلسيون والحفصيون والموحدون والعثمانيون، وهي لا تزال معمرة اليوم بالسكان والمحلات، وتستقبل في شهر رمضان أحد أجمل مهرجانات هذا الشهر إلى جانب نشاطات ثقافية وترفيهية عدة.

على الرغم من الطابع الاحتفالي المتميز في شهر رمضان، فإن غالبية التونسيين يعتبرونه شهرا للتأمل الروحي العميق والتعبد الديني

في رمضان التونسي، تتجلى جميع تعقيدات المجتمع كما في مرآة مكبرة: صائم متعب ومبتهل في آن، مدينة صاخبة نهارا وساهرة ليلا، وعائلات تعيد ترميم دفء قديم ولو مؤقتا. أصبح الشهر أشبه بموعد سنوي يقتضي أن تتأمل فيه البلاد نفسها، قبل أن تستأنف نسق الحياة الحثيث مع هلال العيد، لكنه ليس من المؤكد أنها تنجح كل سنة في تمرين التأمل.

font change