أول يوم سبت في شهر رمضان 2026. منتصف النهار في سوق أريانة، هذا الحي من العاصمة التونسية، الذي تتقاطع فيه مختلف الطبقات الاجتماعية. قرب السوق البلدي القديم الذي تحيط به محلات مختلفة لبيع الخضر والفواكه واللحوم والمستلزمات المنزلية تزينت بأهلة وفوانيس رمضان، لم يعد في إمكان السيارات أن تعبر الزحمة الخانقة في الشوارع الضيقة من حي أريانة. توقفت حركة المرور وظل الناس وراء المقود، بين صبور ومستسلم. لكن أحيانا يطل أحدهم من سيارته، كي يتشاجر مع من يظن أنه السبب الرئيس في شلل الحركة. ثم يستغفر السائقون الله، ويلعنون "حشيشة رمضان" قبل أن يعودوا إلى مواقعهم حيث انطلقت الحركة من جديد.
"حشيشة رمضان" هي العبارة التونسية للإشارة إلى أعراض النقص في شرب السكائر أو الشاي أو القهوة، أي باختصار جميع المنشطات التي ينقطع عنها الصائم خلال النهار، ويفترض الاعتقاد الشعبي أن "حشيشة رمضان" هي المسؤولة عن المشاحنات التي قد يقع فيها مثل هذا الصائم، وبذلك يبقى صيامه مقبولا رغم زيغه عن السلوك الهادئ والمتعبد الذي يفترض اتباعه خلال هذا الشهر الفضيل.
جنون الاستهلاك
غير بعيد من هناك، في السوبرماركت، نصبت قوارير الزيت الكبيرة، وعلب التونة، والزبادي بمختلف أنواعها، فالأخيرة هي أحد المكونات المفضلة لوجبة السحور لدى التونسيين، إلى جانب حلوى الطحينة المعروفة باسم "حلوى الشامية" نسبة إلى بلاد الشام. في السوبرماركت، البضائع مرصوفة بكميات هائلة، تتجاوز الكميات العادية، استجابة للجنون الاستهلاكي الذي يستحوذ على غالبية التونسيين في شهر رمضان. لكن هذه السنة، اشتدت وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة منذ سنوات، وبدت المتاجر الكبرى أقل ارتيادا من العادة في هذه الفترة من السنة.
رغم ذلك، تطول طوابير العملاء أمام الخزينة مع اقتراب ساعة الإفطار، وكذلك الطوابير أمام المخابز. ومع اقتراب موعد الإفطار أيضا، تتحول الطرق إلى حلبة سباق للسيارات التي يحاول أصحابها، في سرعة جنونية، الوصول إلى وجهاتهم قبل رفع آذان المغرب.




