رؤوس الحمام البري تهتز صعودا وهبوطا. سرب الطيور المتعددة الألوان يصرف الوقت بنقر وسف بذور حبوب نثرت له، عند تقاطعي شارع "عبد الرحمن الغافقي" و"ابن شاهين"، في شرق العاصمة السعودية الرياض. حركته، إضافة إلى نشاط قطط توزعت عند أبواب البيوت وملاحقها ترتوي بالمياه من فتحات قارورات خصصت لها، تجسد نبض الكائنات الوحيدة، ربما، التي جانبها الصوم في مدينة لا يزال شهر رمضان يترك فيها هيبته التاريخية الأصيلة في حلوله وسريانه وعاداته.
حركة سيارات بطيئة، تكسر صمت النهارات داخل أحياء "القدس" و"الروضة" و"الملك فيصل" التي ترسم حدود المكان حول الشارع المحوري "خالد بن الوليد"، مع تمتمات الأدعية التي تتناثر على الرصيف من "حلونجي" مصري متخصص بالبسبوسة ( تسمى أيضا الهريسة بالشيوع المحلي) يقفل مخبزه للحاق بصلاة الظهر في مسجد "الملك عبد العزيز" القريب، الذي يعج بالسعوديين والأفارقة والشوام والمغاربة والاسيويين ومصلين من ثقافات مختلفة. نسمات تتغاوى داخل ظلال الاشجار المنتشرة.
مع تقادم النهار، وبدءا من ساعات العصر، تتبدل مشاهد الهدوء رويدا رويدا، لتصل الى انفجارها الصاخب والمبهج بعد فترة العشاء وصلوات التراويح وحتى صلاة الفجر. تتحطم الارقام القياسية بالنسبة الى عدد السيارات في الطرق، وعناصر الاضاءة المشعة من الواجهات وزينة الشوارع، وحركة القطارات والحافلات التي لا تهمد قبل الثالثة صباحا، وحيوية مئات آلاف البشر في الطرق يرتحلون لمآرب شتى، وسط مشاعر احتفائية في مدينة، لا تنام خلال أجندة أيامها العادية، فكيف مع طقوس رمضان.
هكذا، يعود رمضان لإتمام الزيارة رقم 1446 لجموع المسلمين حول العالم، وفي مدينة الرياض تسري روح دافئة في شرايين كائن حضري وحضاري هائل بحجم 3 آلاف كم مربع وضلوع تتكون من 200 حي تاريخي وحديث. تنوع مظاهر وعناصر الحياة في المدينة، يجعل من الارتحال الليلي في عوالمها المتشعبة، متعة، تضاعفها ليونة درجات حرارة من نسج الربيع.
شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، ارتحلت "المجلة" في نسيج أحياء متنوعة، وعادت بهذه المشاهدات.
مسار جنوبي: العزيزية والبطحاء في نواة القصص
يقول الشاب اليمني الذي يعمل في "محطة النقل الجماعي" الرئيسة في "حي العزيزية" المزدحم، بأنه يتلقف، بكامل السرور، ورود مسافرين رحالة الى المحطة. لا يتجاوز عمره الثالثة والعشرين، لجأت عائلته قبل عقدين الى جازان في أقصى الجنوب الغربي، حيث عمل والده لسنين إماما ومؤذنا في جامع، قبل أن تحط العائلة رحالها في الرياض: "والدي بمثابة صديقي ومثالي الأعلى. كان علي أن ابدأ العمل لكي أجعله يرتاح أخيرا"، يقول لـ"المجلة"، ويبدو بفرط نشاطه وابتسامته العذبة ومهاراته التواصلية، قادرا على تأدية مهامه، على أكمل وجه، في واحدة من أكثر محطات النقل البري ازدحاما في الشرق الاوسط.





