العراق... محنة حكومة الزيدي بين سلاحين وخيارين

إعادة ترتيب واقع الدول الهشة في هذه المنطقة

رويترز
رويترز
تشتعل مشاعل الغاز في حقل الرميلة النفطي خلال دورية مسلحة لشرطة الطاقة العراقية في البصرة، العراق، 8 يونيو 2026

العراق... محنة حكومة الزيدي بين سلاحين وخيارين

كان خطاب التخوين حاضرا لكل من يطالب الفصائل المسلحة في العراق بنزع سلاحها. وكان قادة الفصائل وحاشيتهم لا يتركون مناسبة إلا ويتحدثون فيها عن شرعية سلاحهم ووظيفته في الدفاع عن "المكتسبات السياسية" وعن "النظام السياسي" و"حماية الدولة". حتى تم إضفاء القدسية على هذا السلاح، وبات الرد على مطالب تسليمه يعبر عن إلغاء الاعتراف بالدولة، إذ باتت تتكرر كثيرا مقولة: "سلاحنا لا يسلم إلا للإمام المهدي المنتظر"، أي الإمام الثاني عشر عند الشيعة.

خطاب السلاح المتعالي على الدولة، كان يصدر من قادة فصائل دخلوا حلبة السياسة بعد 2018، وبدأ حضورهم يتزايد، وبقوا يرفعون راية السلاح باليد اليمنى وراية السياسة باليد اليسرى. والمفارقة أنهم اليوم يعلنون التخلي عن سلاحهم وفك ارتباطهم عن التشكيلات المسلحة!

ورغم أن عبارة "حصر السلاح بيد الدولة" تكررت في كل منهاج وزاري لأي حكومة عراقية تتشكل بعد 2003، إلا أنه يبدو أن حكومة علي الزيدي هي الأولى التي بدأت مبادرات الإعلان عن نزع السلاح تتوالى بعد تشكيلها. وليس فقط من الأطراف السياسية التي ساهمت في منح الثقة لهذه الحكومة، وإنما من خارجها أيضا، كما فعل السيد مقتدى الصدر.

لحد الآن، حركتان أعلنتا التخلي عن السلاح. هما حركة "عصائب أهل الحق" التي يترأسها الشيخ قيس الخزعلي، و"كتائب الإمام علي" التي يرأسها شبل الزيدي

رغم كل التبريرات التي يتم تسويقها بشأن خطوات فك ارتباط أطراف من "الإطار التنسيقي" بين العمل السياسي والميليشيوي فإن هذه الخطوة تأتي استجابة لدعوات مرجعية السيد علي السيستاني لحصر السلاح بيد الدولة، إلا أنها في توقيتها تأتي تحت ضغط الاشتراطات الأميركية التي ركزت على أنه لا مكان لجماعات "السلاح السياسي" في حكومة الزيدي، والتنازل عن السلاح يأتي ضمن صفقة يتم التلويح بها بين الزيدي وقوى السلاح داخل "الإطار التنسيقي" وتقوم على أساس: السلاح مقابل المناصب الوزارية في الحكومة.

سلاح "الإطار"

داخل "الإطار التنسيقي" ستة عناوين تعمل بثنائية السلاح والسياسة، أكثرها صراحة حركة "عصائب أهل الحق"، والتي تمثلها سياسيا حركة "صادقون" داخل مجلس النواب. وأما "كتائب الإمام علي" وتتمثل في تحالف "خدمات"، وحركة "أنصار الله الأوفياء" "وكتائب جند الإمام" فهي دخلت الانتخابات بعنوان "سومريون"، ضمن قائمة "الإعمار والتنمية". و"كتائب سيد الشهداء" ويمثلها تحالف "منتصرون" داخل "دولة القانون"، ويضاف إليها "منظمة بدر" التي يترأسها هادي العامري.

رويترز
الرئيس العراقي نزار عمادي ورئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، يقفان مع شخصيات سياسية خلال مراسم تكليف الزيدي بتشكيل حكومة جديدة، في بغداد، العراق، في 27 أبريل 2026

لحد الآن، حركتان أعلنتا التخلي عن السلاح، هما حركة "عصائب أهل الحق" التي يترأسها الشيخ قيس الخزعلي، و"كتائب الإمام علي" التي يرأسها شبل الزيدي، وقد تم تلخيص موقفهما بإعلان "فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة".

المفارقة أن هذه البيانات هي اعتراف صريح بوجود سلاح خارج سيطرة الدولة ولا يخضع لسيطرة القائد العام للقوات المسلحة حتى وإن كان تحت عنوان تشكيلات "الحشد الشعبي"! وهذا على خلاف ما كان يدعيه قادة الفصائل المسلحة داخل "الإطار التنسيقي" بأن سلاحها يعمل ضمن الأطر المؤسساتية الخاضعة للدولة، كون "هيئة الحشد" هي جزء من القوات المسلحة العراقية. فإذا كان كذلك، لماذا يتم الإعلان الآن عن فك الارتباط؟

وأيضا، هو مختلف عن قانون "هيئة الحشد الشعبي" رقم 40 لسنة 2016، والذي نصت المادة 1- ثانيا، الفقرة الخامسة على "فك ارتباط منتسبي (هيئة الحشد الشعبي) الذين ينضمون إلى هذا التشكيل عن كافة الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية ولا يسمح بالعمل السياسي في صفوفه".

يجري الحديث عن صفقة عقدها رئيس الوزراء علي الزيدي مع جماعات "السلاح السياسي"، تقوم على أساس المبادرة بإعلان تسليم السلاح وحصره بيد الدولة، مقابل إقناع الأميركيين بمشاركتها في الحكومة

وكذلك، هذا الإعلان يطعن في شرعية المشاركة السياسية لهذه العناوين داخل "الإطار التنسيقي"، كونها تخالف اشتراطات تأسيس أي حزب سياسي، والتي تضمنتها المادة 8-ثالثا، من قانون الأحزاب السياسية في العراق رقم (36) لسنة 2015، والتي نصت على "أن لا يكون تأسيس الحزب وعمله متخذا شكل التنظيمات العسكرية أو شبه العسكرية، كما لا يجوز الارتباط بأية قوة مسلحة".

ولكن، في ظل نظام سياسي هجين ومشوه الملامح، ولا دور للمؤسسات السياسية والقوانين في تنظيم شؤونه، وتتحكم فيه طبقة سياسية لا تؤمن بمنطق الدولة، تكون هذه الاعتراضات القانونية مجرد محاولة لذر الرماد في عيون من يعيشون حالة السيولة بين الدولة واللادولة.

أ.ف.ب
مقتدى الصدر يلقي كلمة في مدينة النجف جنوب العراق في الأول من مايو 2025

السلاح مقابل الوزارات

اشتراط التخلي عن السلاح مقابل المشاركة في حكومة علي الزيدي، لا يعبّر عن تحول في مسار الأطراف السياسية التي تملك السلاح داخل "الإطار التنسيقي"، وإنما هو إدراك بأن بقاء السلاح يعني خسارة الحضور السياسي.

لحد الآن يجري الحديث عن صفقة عقدها رئيس الوزراء علي الزيدي مع جماعات "السلاح السياسي"، تقوم على أساس المبادرة بإعلان نزع السلاح وحصره بيد الدولة، مقابل إقناع الأميركيين بمشاركتهم في الحكومة. وعلى هذا الأساس تم تأجيل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ووزارات أخرى من حصة القوى السياسية الشيعية، وأيضا تأجيل تسمية نواب رئيس الوزراء.

ولكن، قد تكون حدود هذه الصفقة ضمان تمرير حكومة الزيدي وعدم عرقلتها. وبما أن الحكومة قد منحت الثقة من البرلمان، فتكون هي الرابح الأكبر في هذه الصفقة. إذ أصبحت الآن هي من يملك القدرة على المناورة. ويمكن أن لا تمضي باتفاق منح الوزارة إلى جماعات السلاح، لا سيما أن هناك رسائل أميركية استلمتها حكومة الزيدي مفادها أنه لا مشاركة للفصائل المسلحة في هذه الحكومة، حتى لو أعلنت التخلي عن سلاحها.

لا تواجه حكومة علي الزيدي، مشكلة أمام سلاح قوى "الإطار التنسيقي"، إذ يبدو أن سرديات بقاء هذا السلاح لم تعد تعمل مقابل نشوة السلطة والتمتع بنفوذها

ويبدو أن تسليم السلاح غير متفق عليه حتى داخل قوى "الإطار التنسيقي"، إذ رفضت "كتائب سيد الشهداء" وهي ممثلة سياسيا داخل "ائتلاف دولة القانون"، هذا الأمر. ولا تزال مواقف الفصائل الثلاث المتبقية غير معلنة لحد الآن. ويمكن تفسير ذلك بأن هذه الفصائل الأربعة لم يعد لديها نصيب في الوزارات المتبقية في حكومة علي الزيدي. وعلى هذا الأساس، تعتقد أن تسليمها للسلاح سيكون لصالح حركة "عصائب أهل الحق"، التي حجزت لها مقعد وزاري، ووعدت بمنصب نائب رئيس الوزراء. أما بقية فصائل "السلاح السياسي" فستكون إما مقابل لا شيء، أو ربما مقابل مناصب حكومية لا ترتقي إلى قيمة موقف التخلي عن سلاحها.

سلاح "المقاومة"

تعد "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" من أبرز الفصائل المسلحة التي ترفع صراحة راية الانتماء إلى "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة. ويتميز هذان الفصيلان بأن قيادتهم معروفة، ويصنفها الأميركيون على رأس قائمة الشخصيات المطلوبة، والتي تم رصد مكافأة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن أماكنها. ولذلك يختلف هذان الفصيلان عن بقية عناوين الفصائل الأخرى التي تتبنى عمليات هجومية من دون معرفة من هي قياداتها. ومثال ذلك: "أصحاب الكهف"، و"سرايا أولياء الدم" و"كتائب كربلاء".

"كتائب حزب الله" تعاملت بنوع من السخرية من بيانات قوى السلاح داخل "الإطار التنسيقي". وكانت هذه الإشارات واضحة في بيانات المسؤول الأمني في "كتائب حزب الله" أبو مجاهد العساف. إذ نشر في أحد بياناته استعداد "الكتائب" إلى استلام بعض الأسلحة بدلا من تسليمها للدولة. وتحديدا "بعض الأسلحة الخاصة التي لا يوجد لها مختصون في أجهزة الدولة، مثل الطائرات المسيرة والانتحارية... ومستعدون لدفع ثمنها". وفي بيان آخر ينزع العساف صفة "المقاومة" عن أطراف السلاح داخل "الإطار التنسيقي" الذين أعلنوا تسليم سلاحهم، بوصفهم "لم يكونوا منخرطين في صفوف المقاومة الإسلامية... ولذلك، فإن الأمر لا يبدو غريبا، فضلا عن أن هذه القرارات لا ترتبط بالمقاومة الإسلامية لا من قريب ولا من بعيد".

مشكلة الفصائل التي ترفع راية المقاومة، أنها لا تزال تتمسك بالأيديولوجيا. وتعتقد أنها لم تنخرط في العمل السياسي حتى تكون في مواجهة الاختيار بين أيديولوجيا السلاح والدخول في معترك السياسة. وربما تكون هي أكثر وضوحا في موقفها الذي يرفع راية انتماء سلاحها "العقائدي" فوق راية الدولة.

ربما لا تواجه حكومة علي الزيدي، مشكلة أمام سلاح قوى "الإطار التنسيقي"، إذ يبدو أن سرديات بقاء هذا السلاح لم تعد تعمل مقابل نشوة السلطة والتمتع بنفوذها. لذلك وصلت لحظة الاختيار بين السلاح وأيديولوجياتها وشعاراتها وبين البقاء ضمن دائرة النفوذ السياسي وتقاسم المغانم. وهذا ما يحصل في تجارب الكثير من البلدان التي تنتقل فيها حركات مسلحة من ميدان السلاح إلى العمل السياسي.

العراق ليس جزيرة معزولة عن تطورات طوفان الشرق الأوسط الذي بدأ في 7 أكتوبر 2023. وهذا الطوفان سوف يعيد ترتيب واقع الدول الهشة في هذه المنطقة

وهنا تكون المعادلة أكثر وضوحا، مع الانتقال إلى طور "الفراغ والدعة" كما يسميه ابن خلدون، أي التمتع بملذات الحكم والسلطة. وفي تجارب الانتقال السياسي يكون التنازل عن السلاح وحتى المناصب الحكومية مقابل الاحتفاظ بالامتيازات والأموال، حلا لمشكلة جماعات السلاح التي تريد الانخراط في المجال العام.

أما "فصائل المقاومة" فتنحصر خيارات التعامل معها أمام حكومة الزيدي في خيارين لا ثالث لهما. الأول يعتمد على الحوار السياسي ورسم خارطة طريق تبدأ بعقد هدنة معها بمنع استخدام السلاح في مصادرة حق الدولة بإعلان الحرب والسلام، وإحراج العراق أمام محيطه الإقليمي. ومن ثم، البدء بالاتفاق على خطوات الانخراط بالمؤسسات الأمنية. وهذه الخطوات تحتاج تفعيل الجهد الدبلوماسي مع إيران التي تملك قوة التأثير على قرار الفصائل المسلحة في العراق، في أن تكون طرفا في الضغط على تسليم السلاح، على اعتبار أنه يهدد بقاء منظومة الحكم التي تعدها طهران حليفة لها. وليس من مصلحة إيران أن تكون حكومة بغداد معاقبة أو شريكا لا يمكن الوثوق به من قبل واشنطن.

أما الخيار الثاني، فهو المواجهة والتصادم مع سلاح الدولة. وربما تكلفة هذا الخيار لن تكون سهلة، ولكنها ستكون ضرورية لإعادة الاعتبار للدولة.

بالنتيجة النهائية، العراق ليس جزيرة معزولة عن تطورات طوفان الشرق الأوسط الذي بدأ في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وهذا الطوفان سوف يعيد ترتيب واقع الدول الهشة في هذه المنطقة، ولن يكون هناك حضور للسلاح الموازي لسلاح الدولة، ولا بقاء للأذرع المسلحة التي تعمل ضمن أجندة أيديولوجية. ومن لا يقرأ هذه المعادلة سيكون خارج جغرافيا إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد.

font change

مقالات ذات صلة