حكومة الزيدي... موت الانتخابات وصراع أجيال السياسة في العراق

منظومة الحكم القائمة على أساس توزيع المغانم باقية وتتمدد

رويترز
رويترز
حضر نواب عراقيون جلسة برلمانية للتصويت على حكومة جديدة برئاسة علي الزيدي رئيساً للوزراء، في مقر البرلمان ببغداد، العراق، في 14 مايو 2026

حكومة الزيدي... موت الانتخابات وصراع أجيال السياسة في العراق

كسب علي الزيدي الجولة الأولى من الرهان على تشكيل حكومته، إذ بعد حصوله على الثقة من مجلس النواب العراقي، وتمرير حكومته بأربعة عشر وزيراً، يكون الزيدي قد أسقط فرضية تكليفه من قبل "الإطار التنسيقي" لكسب الوقت، ورغم عدم مصادقة البرلمان على خمسة وزراء قدمهم الزيدي، وتأجيل حسم أربع وزارات أخرى، فإن الزيدي الآن هو القائد العام للقوات المسلحة، والمسؤول التنفيذي الأعلى في الدولة الذي يقع على عاتقه رسم السياسات العامة، وتحديد المصلحة العليا للدولة.

الزيدي القادم من مجال الأعمال والاقتصاد إلى عالم السياسة، نجح في تمرير حكومته، من خلال اللعب على القيود التي وضعتها واشنطن على مشاركة الفصائل المسلحة، التي لديها تمثيل سياسي داخل "الإطار التنسيقي"، إذ مضى مع رفض الأميركيين مشاركة تلك الفصائل في الحكومة، ونجح في منعها من عرقلة تشكيلها، من خلال تقديم الوعود لها، في احتمالية المشاركة في المرحلة الثانية، لاستكمال الوزارات الشاغرة، مثل العمل والشؤون الاجتماعية، التي وعد بها حركة "صادقون" الممثل السياسي لحركة "عصائب أهل الحق" المعاقبة أميركيا. وكذلك وزارة الهجرة والمهجرين لحركة "بابليون" المدرجة أيضاً على قائمة العقوبات الأميركية، وفضلاً عن قطع الطريق على خلافات الكرد والسنة والشيعة التي كان من الممكن أن تعرقل منح الثقة للحكومة في البرلمان.

موت سريري

لم تكن فكرة قيام النظام البرلماني في البلدان الديمقراطية، على أساس حكم الأغلبية نوعاً من الخيارات التفضيلية، وإنما هو مرتكز أساسي لترسيخ مبادئ تداول الحكم، لأنَّ الانقسام بين السلطة والمعارضة هو الذي يحكم عملية التنافس بين الفرقاء السياسيين، فمَن يقدّم لجمهوره منجزاً في الإدارة والحكم، يستحق أن يبقى في السلطة، وعندما يفشل فَعليه أن يتقبل خسارة الحكم، ويذهب باتجاه المعارضة، ويعيد حساباته ويصحح أخطاءه، وإلّا فمصيره الاندثار.

وإذا كان مفهوم الديمقراطية، يعني أن تحكم الأغلبية البرلمانية باعتبارها حاملة تفويض الشعب، والذي يعني ببساطة أن يحكم الذي يربح الانتخابات، وأن تقوم الأقلية المعارضة بمهام ووظيفة المراقبة والمحاسبة، فإنَّ الأمر ليس كذلك في تطبيق ديمقراطيتنا، إذ يتم الالتفاف عليها، وإفراغها من مضمونها في التجربة العراقية، فيحكم بدلاً من ذلك الكل، الرابح والخاسر، ويشكلون الحكومات.

الانتخابات في العراق باتت وظيفتها تنحصر بتغير حسابات المقاعد الانتخابية بالزيادة أو النقصان، لكل كيان سياسي. لكن المنظومة السياسية، لا تتغير ولا تستجيب لتغير مزاج الجمهور السياسي والانتخابي

الانتخابات في العراق باتت وظيفتها تنحصر بتغير حسابات المقاعد الانتخابية بالزيادة أو النقصان، لكل كيان سياسي. لكن المنظومة السياسية، لا تتغير ولا تستجيب لتغير مزاج الجمهور السياسي والانتخابي؛ لأنَّ مَن يحكم ويتحكّم في هذه المنظومة، ليست الأوزان الانتخابية، وإنما الزعامات السياسية على اختلاف مصادر قوّتها ونفوذها، سواء كانت سياسية أو دينية أو مالية، أو حتى بدعم خارجي.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته محمد شياع السوداني ورئيس الوزراء المكلف علي الزيدي في القصر الحكومي ببغداد في 27 أبريل 2026

بعد تجربة حكم الولاية الثانية لنوري المالكي في الدورة الانتخابية (2010-2014) ، لم يعد الفائز بأكثر المقاعد في الانتخابات، قادرا على تشكيل الحكومة، وإنما تحول الاتفاق على مرشح تسوية لمنصب رئيس الوزراء ما يشبه العرف السياسي، الذي يحكم تشكيل الحكومات، وبصرف النظر عن الشخصية التي يتم التوافق عليها لشغل منصب رئيس الوزراء، سواء كان مشاركاً في الانتخابات أم لا، فإن المعادلة أصبحت كالآتي: رئيس وزراء بعيداً عن الاستحقاق الانتخابي، وعن اختيار واضح من كتلة انتخابية، يقابله تقاسم الوزارات على أساس الأوزان الانتخابية، وربما هذه المعادلة في الحكم تعد اختراعا عراقيا حصريا ابتدعه الساسة العراقيون! إذ أصبحت الغاية من الانتخابات، توزيع الوزارات بين الإقطاعيات السياسية، وليس تمثيل إرادة الشعب في منح الشرعية لنظام الحكم.

وبذلك تكون المنظومة الحاكمة، قد أعلنت موت الانتخابات سريريا، لحين نهاية الدورة الحكومية الحالية. وحصلت على فسحة من الزمن، تعمل فيها على ترسيخ سطوتها ونفوذها على مؤسسات الدولة ومواردها الاقتصادية، حتى تعيد استثمارها في الانتخابات القادمة.

منذ بداية حراك ما بعد الانتخابات لتقاسم المناصب العليا الثلاثة في الدولة، حتى بدا واضحاً صراع بين جيلين: جيل من القيادات السياسية التقليدية، يقابله جيل جديد صاعد سجل حضوره في الدورات الانتخابية الأخيرة

بين جيلين

منذ بداية حراك ما بعد الانتخابات لتقاسم المناصب العليا الثلاثة في الدولة، حتى بدا واضحاً صراع بين جيلين. جيل من القيادات السياسية التقليدية، يقابله جيل جديد صاعد سجل حضوره في الدورات الانتخابية الأخيرة.

من المفارقة، أن هذا التصنيف يقاس بالعمر السياسي، وصعود قيادات شابة، في مقابل قيادات بدت ملامح الشيخوخة السياسية عليها واضحة. ولكن كليهما يعملان في المنظومة الحاكمة ذاتها التي أسس أعرافها الجيل السياسي الأول بعد تغيير النظام السياسي في العراق في 2003. والقائمة على أساس المحاصصة وتقاسم مغانم السلطة، وغايتها المحافظة على هذا النظام، ما دام يضمن لها البقاء، ضمن دائرة النفوذ السياسي، وتضخم المكاسب الاقتصادية.

يفترض أن التقادم السياسي يساهم بنضج الطبقة الحاكمة. ولكن في تجربة العراق، مع التقادم تبدأ ملامح المراهقة السياسية بدل النضوج، فصراع الأجيال لا يدور بشأن شكل الدولة، ولا محاولة إصلاح نظام الحكم، وإنما هو صراع شخصي يريد إضعاف جيل السياسيين التقليديين، والإحلال محلهم والاستيلاء على مكاسبهم ونفوذهم، يقف في جانب الجيل التقليدي نوري المالكي ومسعود برزاني وهادي العامري وفالح الفياض، وفي الطرف الآخر نجد محمد شياع السوداني ومحمد الحلبوسي وقيس الخزعلي وبافل طالباني.

وإلى الآن، نجح الحلبوسي في الاستفادة من تشتت مواقف القوى السياسية الشيعية، واستفاد بافل طالباني بالإبقاء على منصب رئيس الجمهورية من خلال رغبة الجيل السياسي الصاعد في كسر إرادة كهول السياسة، لكن حلبة صراع الأجيال الشيعي-الشيعي لا تزال لم تحسم بعد لصالح أي طرف.

وجلسة منح الثقة لحكومة الزيدي كانت جولة أخرى في حلبة الصراع بين جيلي السياسة. إذ كسب الجيل الصاعد جولته على الكهول، بمنع تمرير وزراء المالكي وبارزاني، وأيضاً الوزراء المعارضين لنفوذ الحلبوسي. ولكن كسب الجولة لا يعني نهاية النزال، ولكن يعني أن ناقوس الخطر بدأ يدق لدى كهول الطبقة السياسية، وربما يجمعهم تحالف سياسي في قادم الأيام، هدفه رد الصفعة، والحد من حماسة الشباب وتهورهم.

يبقى علي الزيدي هو الرابح الوحيد من هذه الصراعات، فهو في العقد الأربعين من عمره، والذي اتفق عليه الجيل القديم والجديد بقيادة المرحلة الحرجة من عمر المنظومة الحاكمة

ويبقى علي الزيدي هو الرابح الوحيد من هذه الصراعات، فهو في العقد الأربعين من عمره، والذي اتفق عليه الجيل القديم والجديد بقيادة المرحلة الحرجة من عمر المنظومة الحاكمة. ومن ثم، ستكون فرصته عظيمة إذا كسب ثقة الشارع والمحيط الإقليمي والدولي، وقد يكون الحصان الأسود في حلبة الصراع بين الأجيال السياسية.

تحالفات سائلة

دورة حياة التحالفات السياسية في العراق، تبدأ قبل تشكيل الحكومة، وينفرط عقدها بعد منحها الثقة. وفي أفضل الأحوال تبقى مجرد عناوين، ليس لها دور ولا وظيفة. هكذا هو الحال مع "الإطار التنسيقي" الذي يضم القوى السياسية الشيعية، والمجلس السياسي الوطني، الذي يفترض أن يجمع القوى السياسية السنية.

جلسة منح الثقة لحكومة الزيدي، كانت بمثابة لحظة إعلان موت هذه التحالفات. الخلافات الشيعية-الشيعية بدت واضحة عندما أرادت أطراف سياسية داخل الإطار، كسر الاتفاق على تمرير الوزراء المرشحين لوزارتي الداخلية والتعليم العالي. وأراد خصوم نوري المالكي رئيس تحالف دولة القانون، من داخل "الإطار التنسيقي" ومن خارجه إرسال رسالة سياسية مفادها أن المالكي، يعيش الأيام الأخيرة من حياته السياسية، وفقد السطوة والتأثير. وهذه الرسالة كانت لسان حال تحالف محمد الحلبوسي وقيس الخزعلي ومحمد شياع السوداني وبافل طالباني.

أ.ف.ب
عناصر من "الحشد الشعبي" العراقي في بغداد اثناء جنازة المرافق السابق للامين العام لـ"حزب الله" حسين خليل المعروف باسم "ابو علي" الذي قتل بضربة جوية اسرائيلية في ايران في 21 يونيو

الفاعلون السياسيون السنة، داخل المجلس السياسي الوطني، ليسوا بأفضل حال من وجودهم في "الإطار التنسيقي"، إذ يفترض أنهم دخلوا جلسة منح الثقة متفقين على تقاسم الوزارات وتقدم مرشحيهم، إلا الوزيرين المرشحين لحقيبتي التخطيط والثقافة، فلم يصوت النواب لمنحهما الثقة. وهنا، كانت الرسالة إلى مثنى السامرائي رئيس تحالف "عزم".

الأطراف الأربعة التي عقدت هذه الصفقة، أيضاً اتفقت على عدم تمرير مرشح "الحزب الديمقراطي الكردستاني"، لوزارة الإسكان والإعمار، وبالتأكيد لم يكن الوزير المرشح هو المقصود بهذه المناورة، وإنما السيد مسعود بارزاني رئيس الحزب.

ويبدو أن هذا التحالف الرباعي غير المعلن، يجمعه هدف واحد هو إثبات وجود جيل سياسي شبابي صاعد في مقابل كهول السياسة. والمفارقة أن الجيل الصاعد لا يريد الانقلاب على توافقات وصفقات وأعراف المنظومة الحاكمة، التي أسسها جيل السياسيين التقليديين، وإنما الإبقاء عليها وإعادة إنتاجها، فمنظومة الحكم القائمة على أساس توزيع المغانم باقية وتتمدد.

font change