هل العراق صداع المنطقة المزمن؟

رغم التقدير للغة الدبلوماسية والحرص على العلاقات، فإن المرحلة تتطلب ما هو أبعد من بيانات الشجب والاستنكار

هل العراق صداع المنطقة المزمن؟

استمع إلى المقال دقيقة

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة بعد الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز إشكالية معقدة تتجاوز حدود التهدئة المؤقتة، وتتعلق بالدور الذي بات يلعبه العراق في المشهد الإقليمي. والمتابع لمسار الأحداث يدرك أن هذا البلد، الذي يمتلك عمقا تاريخيا ومكانة استراتيجية بالغة الأهمية، ينزلق تدريجيا ليصبح الصداع المزمن للمنطقة، وهذا الاستنتاج لا ينبع من فراغ، وإنما تدعمه وقائع ميدانية واستهدافات متكررة انطلقت من أراضيه تجاه المملكة العربية السعودية ودول الخليج، حتى في ذروة الحديث عن التهدئة والمفاوضات، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبله وتأثيره على الأمن الإقليمي.

الاستهدافات الأخيرة التي طالت السعودية ودول الخليج، والتي تمثلت في إطلاق طائرات مسيرة من الأراضي العراقية اعترضتها منظومات الدفاع الجوي السعودية والخليجية، تضعنا أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن المشكلة الحقيقية قد لا تكمن في الدولة العراقية بمؤسساتها الرسمية، وإنما في الفصائل والميليشيات المسلحة التي تصادر قرار الدولة وتستخدم أراضيها كمنصة لتوجيه رسائل إقليمية وتنفيذ أجندات خارجية، وهذه الجماعات التي تدين بالولاء لطهران حولت العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات، ورهنت أمنه واستقراره بمصالح لا تخدم شعبه ولا مستقبله، وهو ما يجعل من الحديث عن سيادة الدولة أمرا بالغ الصعوبة في ظل وجود سلاح منفلت يتجاوز سلطة القانون ويتحرك وفق إملاءات من خارج الحدود.

العراق يقف اليوم على مفترق طرق، إما أن يستعيد سيادته وقراره الوطني فعلا ويصبح عامل استقرار في محيطه، وإما أن يستمر في الانزلاق ليتحول إلى مصدر تهديد دائم

وهنا يجب التوقف عند الموقف العراقي الرسمي، وتحديدا بيان وزارة الخارجية الذي عبر عن "قلق" وإدانة للهجمات، ورغم التقدير للغة الدبلوماسية والحرص على العلاقات، فإن المرحلة تتطلب ما هو أبعد من بيانات الشجب والاستنكار، والدول المجاورة التي تتعرض للاعتداءات من أراضي العراق تنتظر أفعالا ملموسة وإجراءات حازمة تضع حدا لهذا الانفلات، والبيانات الدبلوماسية مهما بلغت بلاغتها تفقد قيمتها إذا لم تقترن بقدرة حقيقية على لجم الميليشيات ومنعها من العبث بأمن الجوار، وهذا العجز الواضح عن ضبط الأوضاع الداخلية يرسل إشارات سلبية حول قدرة مؤسسات الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه جيرانها والمجتمع الدولي.
السعودية ودول الخليج تكن كل الاحترام والتقدير للعراق وشعبه، وتنظر إليه كعمق استراتيجي وجزء لا يتجزأ من المنظومة العربية. والرياض وبقية العواصم الخليجية سعت على مدار سنوات لدعم استقرار العراق وإعادته إلى محيطه الطبيعي، إدراكا منها بأن أمن العراق من أمن الخليج والمنطقة، غير أن هذا الحرص يصطدم بواقع مرير تحاول فرضه الميليشيات التي تسعى لنسف أي تقارب مع العراق، وتعمل جاهدة لإبقاء البلاد في حالة من العزلة والتبعية لأجندات خارجية، وهو ما يضع رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي أمام تحدي لإثبات العكس، واستعادة هيبة الدولة، وتأكيد قدرتها على احتكار قرار السلم والحرب، وإلا فإن العراق سيبقى أسير هذه المعادلة المختلة التي تجعل منه مصدر تهديد لجيرانه بدلا من أن يكون شريكا في الاستقرار.
على ضوء ذلك، وفي سياق المفاوضات الجارية في باكستان بين واشنطن وطهران، تبرز ضرورة ملحة تتمثل في عدم إغفال ملف الأذرع والوكلاء، وخاصة في الساحة العراقية، وأي اتفاق مستقبلي يتجاهل هذا الملف سيكون بمثابة تأجيل للأزمة، والمجتمع الدولي مطالب بإدراك أن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق بوقف إطلاق النار المباشر بين الأطراف المباشرة فحسب، وإنما بمعالجة جذور التوتر المتمثلة في التدخلات الخارجية ودعم الميليشيات المسلحة التي تتخذ من العراق وبعض الدول منطلقا لزعزعة أمن المنطقة.
حصيلة الأمر، العراق يقف اليوم على مفترق طرق، إما أن يستعيد سيادته وقراره الوطني فعلا ويصبح عامل استقرار في محيطه، وإما أن يستمر في الانزلاق ليتحول إلى مصدر تهديد دائم، والمسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق القيادة العراقية لإثبات قدرتها على مواجهة هذا التحدي وفرض سيادتها الكاملة على أراضيها، وما لم يتم حسم هذا الملف بوضوح، ستبقى المنطقة رهينة لصداع مزمن يهدد بالتحول إلى أزمات أشد تعقيدا في المستقبل، والتاريخ يثبت أن الدول التي تعجز عن احتكار القوة داخل حدودها تتحول حتما إلى عبء على نفسها قبل أن تكون عبئا على جيرانها.

font change