في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط مواجهة عسكرية واسعة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة معقدة، إذ لم تدخل طرفا في هذا الصراع، وسعت جاهدة لتحييد المنطقة عن نيرانه، ورفضت أن تكون أراضيها منطلقا لأي عمل عدائي ضد أي طرف. لكنها في المقابل تتعرض لوابل من الهجمات الإيرانية التي تتناقض بشكل صارخ مع الرسائل الدبلوماسية التي ترسلها طهران لجيرانها، وهو ما يكشف عن سياسة قائمة على ازدواجية، تبعث برسالة في العلن، وتنفذ عكسها تماما على الأرض.
المشهد يبدو مسرحيا بامتياز، ففي الرياض يتحدث السفير الإيراني علي رضا عنايتي عن علاقات "تتقدم بشكل طبيعي"، وعن ضرورة إجراء "مراجعة جادة" لتعزيزها، وفي الوقت ذاته تنطلق الصواريخ والمسيرات من الأراضي الإيرانية محاولة استهداف الخرج وحقل الشيبة والمنطقة الشرقية. وحين يواجه السفير بهذه الحقيقة، يلجأ مباشرة إلى الإنكار التام، مدعيا أن طهران لو كانت الفاعل لأعلنت ذلك، فأي علاقات طبيعية تلك التي تتقدم تحت أزيز الطائرات المسيرة، والصواريخ الباليستية؟ وأي دبلوماسية تلك التي تنفي ضوء الشمس في وضح النهار؟
الدبلوماسية الإيرانية تتنقل بين الإنكار وبين تقديم تبريرات تثير الشفقة أكثر مما تثير الجدل، حين يروج السفير الإيراني بنفسه لرواية مفادها أن هناك طائرات مسيرة شبيهة بطائرات "شاهد" الإيرانية، تسمى "لوكاس"، يستخدمها "العدو" لتوريط بلاده، وهذا التبرير لا يضع الدبلوماسيين الإيرانيين في موقف محرج وحسب، بل يكشف عن استخفاف بعقول العالم، خاصة وأن "الحرس الثوري" يخرج بخطاب مناقض تماما، ويعلن بصفاقة أن عواصم ومدن الخليج والمنطقة هي أهداف رئيسة له، ضاربا بعرض الحائط كونها أعيانا مدنية ومناطق آهلة بالسكان، وأن استهدافها هو عدوان مباشر على سيادة دول الجوار وأمن مواطنيها ومقيميها.
ومما يؤكد تلك التناقضات أنه وفي الوقت الذي كانت فيه العاصمة السعودية الرياض تستضيف الاجتماع الوزاري التشاوري لوزراء خارجية مجموعة من الدول العربية والإسلامية، كانت الدفاعات الجوية السعودية تتعامل مع صواريخ باليستية إيرانية تحاول أن تستهدف العاصمة... ولم تكن تعترض مسيرات "لوكاس" المزعومة.
بناء علاقات طبيعية أو ثقة متبادلة لا يمكن أن يتم مع نظام يقدم وعودا في اللقاءات الدبلوماسية، بينما تخطط مؤسسته العسكرية لشن الهجمات
حالة الفصام السياسي هذه ليست حوادث فردية، بل هي نمط متكرر يعكس بنية النظام الإيراني نفسه، وهو نظام يتحدث بألسنة متعددة في آن واحد، ويتوقع من العالم أن يأخذ بألطفها، حيث خرج الرئيس مسعود بيزشكيان معتذرا عن الهجمات، ولكن سرعان ما استدرك وزير خارجيته عباس عراقجي ذلك في تصريحات تفرغ الاعتذار من مضمونه، مقترحا تشكيل لجان تحقيق مشتركة، بينما تستمر الهجمات بوتيرتها المعتادة، في دليل على أن القيادة السياسية في طهران لا تملك أي سيطرة على القرار العسكري، أو أنها شريكة في توزيع هذه الأدوار، حيث يقوم طرف بالتهدئة وامتصاص الغضب، بينما يقوم الطرف الآخر بمواصلة عدوانه، وهذا التناقض بين أجنحة النظام يجعل أي تعهدات تصدر عن الخارجية الإيرانية بلا قيمة، لأن القرار الميداني في يد من لا يعترف بالدبلوماسية أصلا.
مبادرات تعزيز العلاقات وتقديم حسن النية كانت عادة لدول الخليج طوال العقود الماضية، ولكن تلك السياسة تصطدم دوما بالسلوك الإيراني المعادي والمعاكس لكل التوقعات، وهذا النمط المتكرر يؤكد أن المشكلة ليست في سوء تفاهم أو غياب قنوات التواصل، بل في سياسة ممنهجة تعتمد على استغلال حسن النوايا، وتوظيف الدبلوماسية غطاء لأعمال عدائية مستمرة.
بناء علاقات طبيعية أو ثقة متبادلة لا يمكن أن يتم مع نظام يقدم وعودا في اللقاءات الدبلوماسية، بينما تخطط مؤسسته العسكرية لشن الهجمات، والعبرة ليست بما يقال في التصريحات الصحافية والمقابلات التلفزيونية، بل بما يحدث على أرض الواقع، والحقيقة تقول إن إيران اختارت أن تكون مصدرا للقلق والتوتر في محيطها، وأن تحاول استخدام جيرانها كساحة لتصفية حساباتها مع الآخرين، وهو ما يجعل أي حديث عن مستقبل مشترك أمرا بعيد المنال، ولا أبالغ عندما أقول إن اتفاق بكين السعودي-الإيراني قد يصبح جزءا من الماضي في حال لم تتعقل إيران وتعيد حساباتها، قبل أن تجد نفسها الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، وتحيط بها العزلة من كل مكان.
نعم يا سعادة السفير... العلاقات تحتاج فعلا إلى "مراجعة جادة"، لكن هذه المراجعة يجب أن تبدأ من طهران، وتعيد النظر في السياسات المتناقضة والتي لم تجلب للمنطقة إلا المزيد من عدم الاستقرار، وعلى النظام الإيراني أن يختار بين أن يكون جارا يحترم سيادة الدول، وأن يستمر في لعب هذا الدور المزدوج الذي يعزز من عزلته نتيجة عدائه الدائم مع محيطه... ويجعل من التعامل مع عدوانه أمرا حتميا يتحمل عواقبه وتبعاته.