هدنة إيران... تساؤلات المعركة المؤجلة

لا يمكن الحديث عن اتفاق شامل ومستدام دون وضع ضمانات صارمة تمنع إيران من استخدام الممرات المائية ودول الجوار كأوراق ضغط في صراعاتها الدولية

هدنة إيران... تساؤلات المعركة المؤجلة

استمع إلى المقال دقيقة

الهدنة التي أعلنت بين الولايات المتحدة وإيران بعد 38 يوما من المواجهة العسكرية المباشرة تبدو في ظاهرها انتصارا للدبلوماسية، لكنها في جوهرها أقرب إلى استراحة محارب مثقلة بالخسائر والتناقضات. وإيران التي سارع مسؤولوها إلى إعلان "النصر التاريخي" يدركون جيدا أن هذا الإعلان موجه للاستهلاك الداخلي أكثر من كونه واقعا استراتيجيا، حيث خرجت طهران من هذه الجولة بقدرات عسكرية منهكة، وبحرية مدمرة، ومنظومات دفاعية معطلة، وبنية تحتية متضررة، واقتصاد يترنح تحت وطأة العقوبات والضربات المتلاحقة. في المقابل تجد واشنطن نفسها أمام هدنة مليئة بالتباينات الجوهرية في تفسير بنودها، مما يجعل التساؤل عن مدى صمود هذا الاتفاق أمرا ملحا ومشروعا.

التباينات في تفسير بنود الهدنة تكشف عن عمق الأزمة بين الطرفين، وبينما يتحدث المسؤولون الأميركيون عن فتح فوري وكامل لمضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، يناور نظراؤهم الإيرانيون عبر نشر خرائط لألغام بحرية في المضيق وفرض مسارات بديلة ورسوم عبور، وهذا التناقض يمتد إلى الساحة اللبنانية، حيث يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أن الهدنة لا تشمل عملياته ضد "حزب الله"، بينما يعتبر المسؤولون الإيرانيون ذلك انتهاكا صريحا للاتفاق، وقد ذهب رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى أبعد من ذلك حين اتهم واشنطن بانتهاك ثلاثة من بنود إطار الاتفاق، معتبرا أن التفاوض في ظل هذه الظروف "غير معقول"، وهو تصريح يعكس هشاشة الأرضية التي تقف عليها هذه الهدنة، ويطرح تساؤلا جديا حول ما إذا كانت طهران تريد هدنة حقيقية أم مجرد مساحة لالتقاط الأنفاس قبل جولة جديدة.

في خضم هذا المشهد المتوتر، تحركت مجموعة من دول المنطقة نحو محاولة تحصين الهدنة وتعزيز فرص صمودها، وهو ما تجلى في البيانات الصادرة عن تلك الدول، في خطوة تعكس حرصها على تجنيب منطقتنا ويلات تصعيد جديد، حيث سعت بكل ثقلها لترسيخ الاستقرار رغم استمرار الاستفزازات الإيرانية، وقد رحبت السعودية بالهدنة معربة عن أملها في أن تؤدي إلى "تهدئة شاملة ومستدامة"، مشددة على ضرورة وقف الهجمات وفتح مضيق هرمز بشكل كامل، كما دعت دول خليجية إيران صراحة إلى "وقف جميع الأعمال العدائية فورا"، وهذه المواقف يؤكد أن دول المنطقة تتعامل مع هذه الأزمة بمسؤولية عالية ونضج دبلوماسي، رغم أنها تضررت من حرب لم تكن طرفا فيها.

نحن أمام مشهد معقد يؤكد أن الصراع لم ينته، وأن هناك "معركة أخيرة" لا تزال مؤجلة بين الجانبين

لكن التساؤلات الآن تتجاوز مسألة صمود الهدنة من عدمه، وتتعلق بالملفات الرئيسة الشائكة التي أشعلت الصراع أصلا وتلك التي استحدثتها الحرب، والمفاوضون في إسلام آباد سيواجهون تحديات هيكلية قد تعصف بالمسار التفاوضي قبل أن ينضج، فما مصير البرنامج النووي الإيراني الذي يقترب من حافة اللاعودة؟ وما مستقبل برنامج الصواريخ الباليستية الذي يشكل تهديدا مباشرا للأمن الإقليمي والدولي؟ وكيف سيعالج المفاوضون ملف الأذرع والوكلاء الذين أثبتت هذه الحرب أنهم امتداد عملياتي لطهران في أكثر من ساحة؟ وهل ستقبل إيران بتقديم تنازلات حقيقية في هذه الملفات وهي تروج داخليا لسردية الانتصار؟ ثم هناك الملف المستحدث الذي فرضته هذه الحرب وأصبح لا يقل إلحاحا عن سابقيه، وهو وضع مضيق هرمز واستهداف دول الخليج، إذ أثبتت طهران مجددا استعدادها لرهن أمن الملاحة العالمية واستقرار جيرانها في سبيل تحقيق مكاسب تفاوضية، وهذا السلوك يضع المفاوضين أمام معضلة حقيقية، حيث لا يمكن الحديث عن اتفاق شامل ومستدام دون وضع ضمانات صارمة تمنع إيران من استخدام الممرات المائية ودول الجوار كأوراق ضغط في صراعاتها الدولية، وهو ما يتطلب إرادة دولية حقيقية تتجاوز مسكنات الهدن المؤقتة وتعالج جذور الأزمة لا أعراضها.
في المحصلة، نحن أمام مشهد معقد يؤكد أن الصراع لم ينته، وأن هناك "معركة أخيرة" لا تزال مؤجلة بين الجانبين، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن... هل ستحسم هذه المعركة على طاولة المفاوضات من خلال التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل يرضي الأطراف ويحفظ مستقبل المنطقة وأمنها؟ أم إن هذه المفاوضات ستفشل تحت وطأة التناقضات والتعنت، لتعود المعركة إلى مربع الحرب؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بتقديم الإجابة، لكن المؤكد أن المنطقة بأسرها تقف على مفترق طرق تاريخي، والرهان الآن على أن يتغلب صوت العقل، وأن يدرك الجميع أن كلفة الحرب القادمة قد تكون أفدح بكثير من كلفة التنازلات المتبادلة على طاولة المفاوضات، وإلا فإن "المعركة المؤجلة" ستعود بوطأة لا يمكن التنبؤ بنهاياتها.

font change