علي الزيدي رئيسا للحكومة العراقية في ظل صراع الإرادات بين واشنطن وطهران

"الإطار التنسيقي" واجه ضغوطا أميركية هائلة، تمثلت بفرض "فيتو" على جميع قادة الصف الأول فيه

رويترز
رويترز
الرئيس العراقي نزار عمادي ورئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، يقفان مع شخصيات سياسية خلال مراسم تكليف الزيدي بتشكيل حكومة جديدة، في بغداد، العراق، في 27 أبريل 2026

علي الزيدي رئيسا للحكومة العراقية في ظل صراع الإرادات بين واشنطن وطهران

ألقى التوتر الأميركي-الإيراني بظلاله على المشهد العراقي، إذ توصلت القوى السياسية إلى اختيار رجل الأعمال علي الزيدي، رئيسا للحكومة المقبلة، في خطوة لإبعاد العراق عن شبح العقوبات الاقتصادية والسياسية التي تسعى واشنطن لفرضها عليه نتيجة ممارسات الفصائل المسلحة الشيعية.

ومارست الولايات المتحدة ضغوطا مكثفة على قوى "الإطار التنسيقي" لدفعه نحو اختيار رئيس وزراء جديد لا ينتمي للفصائل المسلحة، ويعمل على إقصائها من المشهد السياسي والأمني والاقتصادي.

"الإطار التنسيقي" هو تجمع سياسي يضم 12 عضوا يمثلون مجموعة من الأحزاب والائتلافات الفائزة بالانتخابات النيابية الأخيرة، باستثناء رئيس مجلس الوزراء الأسبق، حيدر العبادي، وهم جميعا من الطائفة الشيعية، ولا تحكمه قواعد أو آليات لاختيار رئيس الحكومة.

وكشفت مصادر سياسية مطلعة لـ"المجلة" أن "الإطار التنسيقي" واجه ضغوطا أميركية هائلة، تمثلت بفرض "فيتو" على جميع قادة الصف الأول فيه، أمثال نوري المالكي، ومحمد شياع السوداني، وهادي العامري، ومحسن المندلاوي وغيرهم. وأشارت المصادر إلى تلويح واشنطن بتصنيف العراق "دولة راعية للإرهاب"، إذا اختير أحد قيادات الإطار التنسيقي على خلفية الاستهداف المتكرر لدول الخليج بالطائرات المسيرة.

ربطت واشنطن قبولها برئيس الحكومة المقبل بتقديم ضمانات فعلية تتمثل في إيقاف تمويل الفصائل عبر إعادة هيكلة هيئة "الحشد الشعبي" أو إلغائها

وقد أبدت واشنطن استياءها مؤخرا مما اعتبرته تحديا من "الإطار التنسيقي" لها، وذلك إثر حضور زعيم كتائب "سيد الشهداء"، أبو آلاء الولائي، لاجتماع "الإطار" المخصص لمناقشة اختيار رئيس الوزراء، وذلك بعد يوم واحد فقط من إعلان الإدارة الأميركية عن مكافأة مالية قدرها 10 ملايين دولار لمن يُدلي بمعلومات عن مكانه.

وأوضحت المصادر أن واشنطن وجهت رسالة حازمة للقوى الشيعية، مفادها أنه في حال استمرار تجاهل تحذيراتها، فإنها "ستطلق يد إسرائيل" لاستهداف قيادات الفصائل العراقية، وهو ما قد يمتد ليطيح ببعض القيادات السياسية الشيعية التي تعقد اجتماعات دورية مع تلك الفصائل.

تمويل الفصائل

وفي رسالة أخرى بعث بها القائم بالأعمال الأميركي جوشوا هاريس، إلى "الإطار التنسيقي"، اتهم الأخير بالعمل على عزل العراق دوليا بسبب "احتضانه للإرهاب"، معتبرا أن استنكار قادة "الإطار" للهجمات ضد المصالح الأميركية والدول العربية هو "استنكار زائف"، بالنظر إلى كونهم "يرعون الإرهاب ويمولونه". وأشار الدبلوماسي الأميركي إلى أن التساؤل الأبرز يبقى حول ما إذا كان العراق سيختار أن يكون شريكا أم خصما للولايات المتحدة في المرحلة المقبلة، في ظل التداخل المتزايد بين مؤسسات الدولة والميليشيات يوما بعد آخر.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته محمد شياع السوداني ورئيس الوزراء المكلف علي الزيدي في القصر الحكومي ببغداد في 27 أبريل 2026

وربطت واشنطن قبولها برئيس الحكومة المقبل بتقديم ضمانات فعلية تتمثل في إيقاف تمويل الفصائل عبر إعادة هيكلة هيئة "الحشد الشعبي" أو إلغائها، إذ تعتبرها البوابة الرئيسة لحصول الفصائل على التمثيل السياسي بالاعتماد على أصوات منتسبيها الذين ينتمون لهم بسبب تردي الاقتصاد، وتزايد معدلات البطالة والفقر.

وكانت واشنطن قد علّقت تعاملها مع حكومة السوداني التي اعتبرتها "عاجزة" عن مواجهة الفصائل، إذ أوقفت مشاركة المعلومات الاستخبارية المتعلقة بتحركات تنظيم "داعش" والتهديدات الأمنية، وأوقفت برامج التدريب العسكري ودعم تشغيل طائرات "إف-16" التي يملكها العراق، فضلا عن تقييد شحنات الدولار، كما لوّحت بمنع العراق من استخدام التكنولوجيا الأميركية في المجالات الأمنية.

يواجه المكلف بتشكيل الحكومة، علي الزيدي، تحديات جسيمة خلال مهلة الثلاثين يوما الدستورية، أبرزها الغموض الذي يكتنف الموقف الأميركي، ومطالب الفصائل بالحصول على مناصب حكومية

من جانبه، أوضح القيادي في ائتلاف "الإعمار والتنمية"، بهاء الأعرجي، أن الشروط الأميركية تركزت على إيقاف رواتب "الحشد الشعبي"، وإبعاد الفصائل العراقية، والحد من النفوذ الإيراني، وهو ما رفضه السوداني، مما ولّد تحفظات أميركية تجاهه. وأقرّ الأعرجي بأن مشكلة الإطار التنسيقي تكمن في افتقاره لآليات واضحة لاختيار رئيس الحكومة، مضيفا: "نحن من أضعفنا أنفسنا وفتحنا الباب أمام التدخلات الخارجية".

وحاول السوداني تهدئة قلق واشنطن، عبر إصدار مجلس الأمن الوطني الذي يترأسه، قرارات منها حصر السلاح بيد الدولة واتخاذ الإجراءات الأمنية والعسكرية والقانونية لمنع أي اعتداء على دول الجوار أو البعثات الدبلوماسية من العراق، ولكن الفيتو الأميركي مستمر تجاهه.

المناورة الإيرانية

وعلى الجانب الآخر، لا يزال النفوذ الإيراني حاضرا بقوة في كواليس تشكيل الحكومة، إذ أجرى قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الإيراني، إسماعيل قاآني، زيارة إلى بغداد قبل أيام، شدد خلالها على ضرورة تماسك "التحالف الشيعي" ووحدته، والمضي باختيار رئيس الوزراء من داخله دون الالتفات للضغوط الأميركية، وهي الزيارة التي ساهمت في تسريع وتيرة حسم الخلافات داخل "الإطار التنسيقي".

أ.ب
أعضاء من كتائب "حزب الله" يحضرون جنازة زملائهم الذين قُتلوا في غارة جوية أميركية على محافظة القائم، وفقًا لبيانهم، في النجف، العراق، 19 مارس 2026

ووفق المصادر، فإن طهران كان رأيها اختيار شخصية لا تمثل الخط الأول لسياسيي الشيعة، مشيرة إلى أن المناقشات الأخيرة انحصرت بين محافظ البصرة أسعد العيداني، ووزير الصحة صالح الحسناوي ورجل الأعمال علي الزيدي لإدارة الحكومة المقبلة.

وفي هذا الصدد، رأت السياسية البارزة عالية نصيف أن زيارة قاآني تمحورت حول الحث على الإسراع في تشكيل الحكومة، نظرا لتعقيدات الوضع الإقليمي الذي يتطلب حكومة كاملة الصلاحيات. وحذرت نصيف من أن التوتر الإيراني-الأميركي قد يعرّض العراق لعقوبات اقتصادية قاسية بسبب انطلاق طائرات مسيرة من أراضيه عبر "عناصر خارجة عن سيطرة الدولة".

وبيّنت أن عجز السوداني عن تلبية الطلب الأميركي بالحد من تحركات الفصائل، يعود لتعقيدات المشهد الداخلي،  والخوف من اندلاع "حرب شيعية–شيعية".

غموض واشنطن

ويواجه المكلف بتشكيل الحكومة، علي الزيدي، تحديات جسيمة خلال مهلة الثلاثين يوما الدستورية، أبرزها الغموض الذي يكتنف الموقف الأميركي تجاه ترشيحه، ومطالب الفصائل بالحصول على مناصب حكومية سواء عبر ممثلين مباشرين أو شخصيات تكنوقراط، فضلا عن تعقيدات إدارة الملف الأمني الخاص بإبعاد الفصائل عن "الحشد الشعبي"، وإعادة صياغة علاقات العراق الخارجية لإنهاء عزلته.

واشنطن تدرك تماما أن العودة إلى مربع إسقاط النظام أو تغييره جذريا خطوة مكلفة ومعقدة، لذا فهي تضغط بقوة لإعادة هندسة العملية السياسية من الداخل وتجريد طهران من أذرعها المسلحة

في المقابل، صرّح المتحدث باسم كتائب "سيد الشهداء"، كاظم الفرطوسي لـ"المجلة"، أنه "لا أحد يستطيع تفكيك الفصائل العراقية، لكوننا أصحاب عقيدة دينية بالإضافة إلى  تعرضنا باستمرار للتهديد والقصف الأميركي".

وأضاف: "نمتلك مقاعد برلمانية، ومن حقنا الدستوري المشاركة في الحكومة، ولا يحق لأميركا أو غيرها مصادرة هذا الحق"، معتبرا أن الرسائل الأميركية مجرد محاولات لتصفية الخصوم السياسيين وإقصائهم للاستحواذ على مكاسب أكبر، داعيا إلى إنهاء "الوصاية الأميركية" على الاقتصاد العراقي عبر تنويع سلة العملات في بيع النفط.

أ.ف.ب
المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في المنطقة الخضراء ببغداد، في 22 فبراير 2026

من جهته، صرّح أحمد الموسوي، نائب رئيس كتلة "الصادقون" التابعة لـ"عصائب أهل الحق"، قائلا: "نحن من أشد المعارضين لأميركا، لكننا ندرك حجم تأثيرها الواسع على العراق والمنطقة، لا سيما وأنها من أسس العملية السياسية الحالية، لذلك، إذا كانت مصلحة العراق تقتضي عدم مشاركتنا في الحكومة، فلن نشارك"، محذرا في الوقت ذاته من أن قطع إمدادات الدولار عن العراق سيعني ولادة "حكومة ميتة" سريريا.

ويسود القلق أروقة القيادات السياسية في العراق من مساعٍ أميركية محتملة لتغيير هيكل النظام السياسي القائم منذ عام 2003، خاصة بعد تزايد النفوذ الإيراني وسيطرته شبه الكاملة على مفاصل الدولة العليا، ودفع هذا التوجس القوى السياسية لإبداء مرونة في التخلي عن شخصيات يطالها "فيتو" أميركي، مدفوعة بتكتيك من طهران التي أوعزت لحلفائها بانتهاج المناورة السياسية مع واشنطن، عبر اختيار شخصيات تحظى بقبول دولي لقيادة الحكومة المقبلة.

كلفة إسقاط النظام

وقال الباحث السياسي، محمد رحيم، لـ"المجلة"، إن "العراق تحوّل بشكل علني إلى ساحة مواجهة لتكسير العظام بين أميركا وإيران، فواشنطن تسعى لاستخدام سلاح الاقتصاد والدبلوماسية الخشنة لتقليم أظافر الفصائل وفك ارتباطها بهيكل الدولة العميقة، والثانية إيرانية تعتمد على المناورة المرنة لحماية نفوذها الاستراتيجي من خلال توجيه حلفائها لتقديم تنازلات تكتيكية وتمرير شخصيات توافقية لتجنب الصدام المباشر الذي قد يؤدي إلى انهيار النظام بالكامل.

وأضاف رحيم، أن واشنطن تدرك تماما أن العودة إلى مربع إسقاط النظام أو تغييره جذريا خطوة مكلفة ومعقدة، لذا فهي تضغط بقوة لإعادة هندسة العملية السياسية من الداخل وتجريد طهران من أذرعها المسلحة. في المقابل، تعي القيادة الإيرانية أن خسارة الغطاء الشرعي والمالي الذي توفره الحكومة العراقية للفصائل سيعني انكشافها بالكامل أمام العقوبات والاستهداف العسكري، وبالتالي، فإن ترشيح شخصية مستقلة يمثل محاولة من "الإطار التنسيقي" لامتصاص الغضب الأميركي، لكنها تبقى تسوية هشة تقف على رمال متحركة، وستكون مرهونة بمدى قدرة الحكومة الجديدة على تقديم ضمانات فعلية على الأرض، وليس مجرد شراء للوقت.

font change

مقالات ذات صلة