علاج أورام البنكرياس قد يفتح الباب أمام علاجات جديدة للسرطان

دواء واعد يمكن أن يصبح باكورة فئة جديدة تماما من العلاجات

(أسوشييتد برس)
(أسوشييتد برس)
صورة مجهرية لخلايا سرطان البنكرياس تظهر الأنوية باللون الأزرق داخل أغشية خلوية حمراء، في صورة أرشيفية لأبحاث طبية أميركية

علاج أورام البنكرياس قد يفتح الباب أمام علاجات جديدة للسرطان

لا يتحمس العلماء عادة بسهولة. لذلك، حين وقف الآلاف منهم أخيرا في منتصف محاضرة يصفقون ويهتفون بحرارة، كان واضحا أن أمرا استثنائيا حدث. ففي مؤتمر عُقد في شيكاغو أواخر مايو/أيار، أبدى أطباء الأورام إعجابا لافتا بنتائج دواء يُدعى داراكسونراسيب، يُستخدم في علاج سرطان البنكرياس. فقد كاد الدواء أن يضاعف متوسط مدة البقاء على قيد الحياة، بعدما رفعها من 6.7 شهر إلى 13.2 شهر. وكان هذا التقدم في مواجهة أحد أصعب أنواع السرطان لحظة مؤثرة بالنسبة إلى بعضهم.

ومع ذلك، لا يمكن تصنيف هذا الدواء كعلاج قطعي وشاف، فكثيرا ما تطور الأورام السرطانية مقاومة بيولوجية تجاه العلاجات الموجهة مثل داراكسونراسيب. غير أن الأهمية السريرية لهذا العقار تكمن في قدرته، عند دمجه مع بروتوكولات علاجية أخرى، على إطالة معدلات بقاء المرضى على قيد الحياة.

يصنف سرطان البنكرياس كأحد أكثر الأورام الخبيثة شراسة، ويتميز بنموه الصامت دون أعراض سريرية واضحة، مما يؤدي إلى تأخر تشخيصه حتى المراحل المتقدمة التي يشهد فيها الجسم نقائل سرطانية (انتشارا للأورام). ونتيجة لذلك، يقل معدل مأمول الحياة لمعظم المرضى عن عام واحد من تاريخ التشخيص.

علاوة على ذلك، يبقى سرطان البنكرياس مستعصيا على العلاج المناعي، وهو النهج الذي يحفز المنظومة المناعية لمهاجمة الخلايا السرطانية، وشكل طفرة علاجية في أورام أخرى، وذلك لأن الطفرة الجينية التي تصيب بروتين كراس (KRAS)، والمسببة لمعظم حالات سرطان البنكرياس، تخلق بيئة مجهرية مثبطة وطاردة للخلايا المناعية حول الورم.

(شاترستوك)
عبوة دواء وأقراص طبية تستخدم في العلاجات الدوائية

ومن المتوقع أن يمر هذا الدواء سريعا بإجراءات الموافقة والاعتماد في الولايات المتحدة. ومن الأرجح أنه سيعطى في المستقبل للمرضى كعلاج أساسي أولي، بدل أن يقتصر فقط على الذين جربوا العلاج الكيماوي سابقا كما حدث في التجربة الطبية. ويعمل الدواء من خلال تثبيط بروتين كراس. وتوضح دراسات أخرى أن تثبيط هذا البروتين يغير البيئة المحيطة بالورم، بطريقة تجعله يستجيب للعلاج المناعي بشكل أفضل. وإذا نجحت هذه الطريقة، فقد تمنح المرضى فرصة أطول للعيش والبقاء على قيد الحياة.

الأهمية السريرية لهذا العقار تكمن في قدرته على إطالة معدلات بقاء المرضى على قيد الحياة

غير أن القصة أوسع من ذلك بكثير. فمن خلال حل لغز تعطيل الإشارات التي تطلقها الخلايا السرطانية الحاملة لطفرة (كراس)، نجح العلماء في الاقتراب من مسار حيوي يقف وراء أنواع عدة من السرطان. ويمكن تشبيه بروتين (كراس) بمفتاح صغير داخل الخلية، له وضعيتان فقط: التشغيل أو الإيقاف. وفي حالته الطبيعية، يساعد هذا المفتاح على ضبط نمو الخلايا، لكن طفرة واحدة قد تكفي لإبقائه عالقا في وضعية التشغيل، فيواصل إصدار أوامره إلى الخلايا كي تنقسم وتتكاثر بلا توقف.

لذلك، فإن نجاح العلماء في إيقاف هذا البروتين في سرطان البنكرياس قد يفتح الطريق أيضا أمام علاج أورام أخرى تسببها الطفرة نفسها، مثل بعض سرطانات القولون والمستقيم والرئة، وبدرجة أقل سرطانات بطانة الرحم والأمعاء الدقيقة والمعدة.

وفوق ذلك كله، لا يُعد بروتين (كراس) سوى عضو واحد في عائلة أكبر من الجينات المسرطنة، تُعرف مجتمعة باسم طفرات (راس). ومن الناحية النظرية، قد يكون لعقار داراكسونراسيب أثر، ولو بدرجات متفاوتة، في أنواع أخرى من السرطانات التي تقودها طفرات (راس)، مثل الورم النقوي المتعدد. وتشير الأرقام إلى أن طفرات (راس) تظهر في 20 في المئة من جميع حالات السرطان، وترتبط بنحو 3.4 مليون إصابة حول العالم سنويا. لذلك، لم يكن غريبا أن تصبح هذه العائلة هدفا رئيسا لأطباء الأورام منذ اكتشافها عام 1982. لكنها ظلت، على مدى أربعة عقود، أشبه بالحوت الأبيض في عالم الأورام. فبنيتها، التي يشبهها بعضهم بسطح كرة الغولف الأملس، لا تتيح ثغرة جزيئية واضحة يمكن مهاجمتها، حتى عدها العلماء زمنا طويلا عصية على الاستهداف الدوائي. لكن هذا التصور بدأ يتغير مع تطوير داراكسونراسيب، وهو جزيء صغير يعمل مثل غراء جزيئي، إذ يتعاون مع بروتين آخر داخل الخلية ليمنع بروتينات (راس) من إرسال إشاراتها.

(رويترز)
عبوة من دواء "داراكسونراسيب" المخصص لعلاج سرطان البنكرياس في ولاية تكساس الأميركية، 29 مايو 2026

وليست هذه سوى البداية. فالمستقبل يمكن أن يحمل نسخا أكثر تطورا وفاعلية من هذا الدواء، إلى جانب منافسين يسيرون في الاتجاه نفسه. بل إن الأمل يتجاوز ذلك إلى فئة مختلفة تماما من المرضى، هم الأطفال المصابون بالورم الأرومي العصبي، حيث تؤدي طفرة جينية أخرى إلى تعطيل جين يعمل عادة على كبح بروتينات (راس). وبعبارة أخرى، ربما يكون النجاح في مواجهة نوع واحد من السرطان قادرا على فتح الباب أمام علاجات جديدة يمكنها إنقاذ حياة ملايين البشر. ولهذا تحديدا، يستحق عقار "داراكسونراسيب" كل ذلك الاحتفاء والتصفيق الحار.

font change

مقالات ذات صلة