فرنسا... ماذا تعني عودة مارين لوبان إلى السباق الرئاسي؟

تشير أحدث استطلاعات الرأي إلى تقدمها في الجولة الأولى

"المجلة"
"المجلة"

فرنسا... ماذا تعني عودة مارين لوبان إلى السباق الرئاسي؟

تترقب فرنسا الانتخابات الرئاسية القادمة في 2027، وسط غموض يلف المشهد السياسي المشتت الذي ازداد تعقيداً في أعقاب حكم قضائي أتاح لمارين لوبان (زعيمة اليمين المتطرف) الترشح للسباق الانتخابي. والأرجح أن يؤدي خلط الأوراق في اللعبة السياسية إلى رسم مشهد يمهد لانتخابات رئاسية حاسمة ومصيرية.

ستجرى الجولة الأولى من الانتخابات في 18 أبريل/نيسان 2027، على أن تُعقد الجولة الثانية في ‌الثاني من مايو/أيار من العام نفسه. ووفقاً للدستور الفرنسي لن يتمكن الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون من الترشح مرة أخرى بعد ولايتين رئاسيتين.

ومن المتوقع أن تبدأ الحملة الانتخابية اعتباراً من مطلع سبتمبر/أيلول القادم، في أجواء ساخنة ومحتدمة، وأن تتركز على السياسة المالية وإصلاح أنظمة التقاعد، وقضايا الأمن، وكذلك الشأن الأوروبي، وحرب أوكرانيا والصلات مع واشنطن وموسكو.

وستلقي المسائل الخلافية بظلالها على مقاربات الفرقاء السياسيين في تكرار لانقسامات مديدة وأزمة بنيوية كامنة.

تداعيات القرار القضائي بخصوص لوبان

قضت محكمة استئناف باريس في السابع من يوليو/تموز الحالي، بحكم أتاح لمارين لوبان العودة إلى السباق الرئاسي في 2027، وسرعان ما أعلنت لوبان زعيمة أقصى اليمين ترشحها للانتخابات الرئاسية الفرنسية رغم إدانتها في قضية اختلاس أموال البرلمان الأوروبي والحكم عليها بالسجن ثلاث سنوات، منها سنتان مع وقف التنفيذ.

واللافت أن المحكمة اشترطت عليها ارتداء سوار إلكتروني، وهو أمر سبق لها أن عبرت عن رفضها القاطع له. ومن أجل تفادي ذلك تقدمت لوبان بطلب أمام محكمة النقض لإلغاء ارتداء السوار... ويدلل كل ذلك على أن المناقبية والجانب الأخلاقي في الممارسة السياسية هي مجرد شعارات رنانة تسقط على محك الطموحات الشخصية والفئوية، ويؤكد ذلك على طبيعة "التجمع الوطني"، الحزب الذي جسدته أسرة لوبان بشخص عميدها جان ماري لوبان وبناته، وبقيت تتحكم بمصيره لأكثر من خمسين عاماً.

هكذا تبرز الهوة بين المبادئ والوقائع، إذ إن حزب اليمين المتطرف، الذي كان شعاره لفترة طويلة "أياد نظيفة ورؤوس مرفوعة"، كان المبادر دائماً في إدانة تجاوزات الآخرين إزاء تطبيق القواعد القانونية. على سبيل المثال، يصح التساؤل عن مصير اقتراح السيدة لوبان عام 2013 بفرض "حظر مدى الحياة على تولي المناصب العامة للمسؤولين المنتخبين المدانين باختلاس الأموال العامة".

بالنسبة للسيناريوهات، تشير أحدث استطلاعات الرأي للانتخابات الرئاسية لعام 2027، إلى تقدم مارين لوبان في الجولة الأولى بنسبة تتراوح بين 34 في المئة و36 في المئة من الأصوات

تخوض مارين لوبان حملتها الرئاسية الرابعة، وهي مثقلة بإدانة خطيرة بتهمة اختلاس أموال عامة، الأمر الذي قد يُلقي بظلاله على حملة "حزب التجمع الوطني". ويزداد هذا الاحتمال وضوحاً بالنظر إلى أن الشراكة التي تُشكلها مع جوردان بارديلا، المرشح الرئاسي السابق، قد بدأت تظهر عليها علامات التوتر في الأشهر الأخيرة.

لم تقتصر تداعيات الحكم القضائي على الداخل الحزبي فقط، بل أثارت حالة من الاستنفار والارتباك في صفوف الأحزاب المنافسة. وقد سارعت أحزاب تيار الوسط واليسار إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الانتخابية لمواجهة صعود حزب لوبان "التجمع الوطني"، الذي يبدو أنه في موقع الأفضلية الآن.

رويترز
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حفل استقبال يضم جهات فاعلة في قطاع التكنولوجيا من فرنسا وأوروبا ومختلف أنحاء العالم، في قصر الإليزيه بباريس، فرنسا، في 19 يونيو 2026

السيناريوهات المتوقعة في المعركة الرئاسية

في المحصلة، تسهم عودة لوبان في إعادة ترتيب أوراق المعسكر اليميني المتشدد من خلال إزاحة النجم الصاعد جوردان بارديلا إلى موقع أقل أهمية، حيث كان بارديلا يُعتبر البديل الأكثر ترجيحاً لقيادة الحزب في الاستحقاق الرئاسي المقبل، والأرجح أن عودة لوبان ستؤدي إلى تغييرات جذرية في ديناميكيات الحزب وحظوظه. 

قبل تسعة أشهر من الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، يُنظر إلى "التجمع الوطني" على أنه الحزب الأوفر حظاً، ويتمتع بقاعدة انتخابية متينة. ويخشى جميع المرشحين المعلنين مواجهة السيدة لوبان، التي تبدو أكثر خبرة ورسوخاً من السيد بارديلا.

وسيكون لهذا الترشح أثره على مستقبل فرنسا، إذ سيتم تسليط الضوء على القضايا السياسية الرئيسة مثل الهجرة وميزانية الاتحاد الأوروبي.

ويعتبر الاقتصاد "كعب أخيل" الخاص بـ"حزب التجمع الوطني" لأنه لا يملك برنامجاً متكاملاً ومتماسكاً، ويتمثل ذلك بعجزه عن توحيد موقفه بشأن إصلاح نظام التقاعد.

في مجال آخر، يدافع الحزب بشكل ملحوظ عن مبدأ الأفضلية القومية، الذي قضى المجلس الدستوري بعدم دستوريته عام 2024. بسبب هذه المعطيات لا يزال وصول هذا الحزب إلى السلطة يشكل بنظر قطاع واسع من الفرنسيين تهديداً للديمقراطية.

ومن البديهي أيضاً أن تؤثر سياسات لوبان المحتملة في حال وصولها للإليزيه على العلاقات مع واشنطن وأوكرانيا وروسيا وحلفاء أوروبا.

واللافت ما كتبه الملياردير النافذ إيلون ماسك في منشور على منصة "إكس"، بأن لوبان تمثل "الأمل الأخير لفرنسا". ورد عليه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو: "يجب أن يراجع ماسك موقفه". وأضاف: "هناك قول فرنسي مأثور مفاده أن الحمقى فقط لا يغيرون آراءهم".

بالنسبة للسيناريوهات، تشير أحدث استطلاعات الرأي للانتخابات الرئاسية لعام 2027 (التي أجراها معهد إيفوب ومؤسسة إيلاب) إلى تقدم مارين لوبان في الجولة الأولى بنسبة تتراوح بين 34 في المئة و36 في المئة من الأصوات. وستتقدم بذلك على رئيس الحكومة الأسبق إدوارد فيليب أبرز مرشحي الوسط اليميني المحتملين (15 في المئة - 20 في المئة) واليساري المتشدد جان لوك ميلانشون (14 في المئة - 16 في المئة). 

سيطرح احتمال فوز مرشحة أقصى اليمين تحدياً كبيراً للتجربة الفرنسية في الداخل والخارج، ولا يمكن استبعاد حصول هكذا منعطف بناء على متوالية الأزمات التي عصفت بفرنسا في سنوات ماكرون الأخيرة

وتشير توقعات الجولة الثانية إلى فوز مارين لوبان في جميع السيناريوهات التي اختبرتها مراكز استطلاعات الرأي. ومن المتوقع أن تتفوق على كل من: إدوارد فيليب (54 في المئة مقابل 46 في المئة)، ورئيس الوزراء السابق الماكروني غابرييل أتال (55 في المئة مقابل 45 في المئة)، وجان لوك ميلانشون (70 في المئة مقابل 30 في المئة). 

توضح هذه الأرقام المشهد السياسي في هذه المرحلة. مع ذلك، يؤكد المحللون على ضرورة توخي الحذر الشديد عند تفسير هذه الأرقام، إذ لا تزال الانتخابات الرئاسية بعيدة. وفي السياق نفسه، نبه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الجمعة 17 يوليو، إلى عدم التسرع في تبني "استطلاعات الرأي" التي تتوقع في هذا الوقت المبكر فوز مرشحة "التجمع الوطني" مارين لوبان.

أ ف ب
جان لوك ميلونشون، زعيم حزب "فرنسا الأبية" خلال اجتماع للحملة الانتخابية لمرشح الحزب للانتخابات البلدية الفرنسية في مدينة مارسيليا بجنوب فرنسا، 7 مارس 2026

انعكاسات تركيبة المشهد السياسي المفتت

مما لا شك فيه استحالة التصور المبكر لما يرتسم في رئاسيات العام القادم، خصوصاً في ظل مشهد سياسي مفتت ومتناثر على أصعدة اليمين التقليدي (الجمهوريين بشكل خاص مع بروز ترشيح وزير الداخلية السابق برونو ريتايو) والوسط الماكروني (تنافس بين رئيسي الوزراء السابقين إدوار فيليب وغابرييل أتال) و"الحزب الاشتراكي" وحلفائه (أبرز المرشحين المحتملين النائب الأوروبي رافائيل غلوكسمان والرئيس السابق فرنسوا هولاند) وأقصى اليسار "حزب فرنسا الأبية" ( جان لوك ميلانشون) وأقصى اليمين ("حزب التجمع الوطني" مع لوبان أو بارديلا، وحزب "الاستعادة" مع أريك زيمور) .

من المنتظر أن تشهد الجولة الأولى من الانتخابات معركة كسر عظم بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، حيث سيخوض رئيس "حزب فرنسا الأبية" المرشح المتمرس جان لوك ميلانشون اختبارا كبيرا وربما آخر معارك حياته السياسية حول رهانه الانتقال إلى الجولة الثانية إذا ساد التشتت صفوف الوسط واليمين واليسار التقليدي، وإذا تحقق ذلك فسنكون أمام معركة نادرة بين قطبي التطرف المتناقضين على صعيد أوروبي وعالمي.

على كل، تصعب حياكة السيناريوهات في هذه المرحلة المبكرة، إذ لا يمكن ضمان تكرار سيناريوهات انتخابات 2017 و2022 التي أتاحت انتخاب إيمانويل ماكرون على حساب مارين لوبان، وذلك بسبب احتمال تعذر إيجاد تحالف واسع من الوسط واليمين التقليدي واليسار التقليدي كما حصل في الحالتين السابقتين. 

سيطرح احتمال فوز مرشحة أقصى اليمين تحدياً كبيراً للتجربة الفرنسية في الداخل والخارج، ولا يمكن استبعاد حصول هكذا منعطف بناء على متوالية الأزمات التي عصفت بفرنسا في سنوات ماكرون الأخيرة ونظرا لآثار صعود الترمبية واليمين المتطرف (بالرغم من الاستثناء المجري). 

تطمح مارين لوبان للاقتداء بنموذج جورجيا ميلوني في إيطاليا واستقطاب حيز واسع من ناخبي اليمين والوسط. لكن اللعبة السياسية الفرنسية عودتنا على المفاجآت والتقلبات في اللحظات الأخيرة.

font change