أحمد شاه مسعود... الرجل الذي استشرف هجمات 11 سبتمبر

نظر إلى المشهد من زاوية أوسع

أ.ف.ب
أ.ف.ب
أحمد شاه مسعود يبتسم خلال مقابلة صحفية في مقرّه بأفغانستان، في صورة التُقطت في 28 يونيو 2001

أحمد شاه مسعود... الرجل الذي استشرف هجمات 11 سبتمبر

تمر اليوم خمسة وعشرون عاما على اغتيال أحمد شاه مسعود، الرجل الذي وصفته صحيفة "وول ستريت جورنال" بأنه "الأفغاني الذي كسب الحرب الباردة".

اغتيل مسعود قبل يومين فقط من هجمات 11 سبتمبر/أيلول. وبينما يستعيد الأميركيون، بعد ربع قرن، ذكرى أسوأ هجوم إرهابي شهدته الولايات المتحدة، وهو الهجوم الذي لم يبدل وجه أميركا فحسب، بل أعاد تشكيل الشرق الأوسط أيضا عبر الحرب العالمية على الإرهاب التي تلته، يعود سؤال تاريخي كبير إلى الواجهة في الولايات المتحدة وروسيا على السواء: "ماذا لو؟".

فحكاية مسعود، مثل حكاية أفغانستان نفسها، تجاوزت حدود ذلك البلد لتغدو فصلا من تاريخ العالم الحديث. بدأت بالغزو السوفياتي عام 1979، ومرت بانهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان المستنقع الأفغاني ودور مسعود فيه من أبرز العوامل التي أسهمت في إضعافه، قبل أن تنقلب المفارقة بعد 11 سبتمبر/أيلول، لتجد الولايات المتحدة نفسها في وضع يشبه، إلى حد بعيد، ما عاشه السوفيات من قبل في أفغانستان.

واليوم، تعيد إدارة ترمب النظر باتجاه قاعدة باغرام، التي يصفها ترمب بأنها أهم قاعدة جوية في آسيا. ومع حلول 9 سبتمبر/أيلول من كل عام، يجتمع الأميركيون في أجواء يغلب عليها الحزن واستعادة الذكريات، فيما لا يزال كثيرون يتساءلون عما إذا كانت حربا أفغانستان والعراق تستحقان كل تلك الكلفة، ولا سيما في ظل اشتعال حرب أخرى ضد إيران.

وكان من الممكن أن يتغير مسار الأحداث برمته لو أن وكالة الاستخبارات المركزية أصغت إلى تحذيرات أحمد شاه مسعود. فهذا الرجل لم يكن مجرد شخصية محورية في الصراع السوفياتي الأميركي خلال ثمانينات القرن الماضي، بل استطاع، في لحظة بدت أقرب إلى المفارقة التاريخية، أن يجمع الخصمين السابقين حول هدف مشترك لفترة وجيزة، قبل أشهر قليلة فقط من هجمات 11 سبتمبر.

الرجل الذي هزم السوفيات

في 9 سبتمبر/أيلول 2001، اتصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنظيره الأميركي جورج دبليو بوش محذرا إياه بقلق: "قُتل أحمد شاه مسعود، وأنا قلق للغاية". وكان في ذلك تحول بالغ الدلالة بالنسبة إلى الروس أنفسهم، فبوتين خدم في جهاز الاستخبارات السوفياتي "كيه جي بي" خلال سنوات الحرب الأفغانية، وهي حرب لم تخرج أفغانستان من الذاكرة الروسية منذ ذلك الحين.

أ.ف.ب
أحمد شاه مسعود وهو يتحدث مع فريقه

بوتين، الذي ظل مشدودا إلى أمجاد سوفياتية ماضية شأنه شأن كثير من رجال تلك الحقبة، انتقل من موقع الخصم الذي قاتل مسعود إلى موقع من يكنّ له الاحترام ويدعمه خلال الأشهر التي سبقت 11 سبتمبر. وعندما تحدث إلى بوش مساء 9 سبتمبر 2001، كان يدرك أن اغتيال مسعود لم يقع عبثا، وأن حدثا كبيرا يلوح في الأفق.

وخلال الأشهر السابقة للهجمات، تعاون الروس والأميركيون وتبادلوا المعلومات الاستخباراتية بشأن أنشطة بن لادن في أفغانستان. ولم تمض سوى أقل من 48 ساعة على اغتيال مسعود حتى تحقق التحذير القادم من موسكو بأن "هناك حدثا كبيرا قادما".

لم يكن أحد يدرك آنذاك حجم ما سيحدث. وبعد أيام قليلة فقط، أطلقت الولايات المتحدة حربها العالمية على الإرهاب، ليدخل العالم منذ ذلك الحين مرحلة جديدة لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم. وفي أنحاء مختلفة من أفريقيا، نشهد حاليا حروبا صغيرة جديدة استلهمتها الجماعة الإرهابية الدولية الأولى من المقاتلين الإسلاميين الذين اتخذوا أفغانستان قاعدة لهم.

في 9 سبتمبر 2001، اتصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنظيره الأميركي جورج دبليو بوش محذرا إياه بقلق: "قُتل أحمد شاه مسعود، وأنا قلق للغاية"

اشتهر مسعود بقدرته على صد السوفيات وهزيمتهم في خمس هجمات مختلفة داخل وادي بنجشير الشهير، الذي يعني اسمه بالدرية والفارسية "وادي الأسود الخمسة". وحتى فيلم "رامبو-3" قدم صورة متخيلة لمسعود بوصفه أبرز القادة الأفغان، إذ يظهر وهو يساعد سيلفستر ستالون في مواجهة السوفيات.

وكان الرئيس رونالد ريغان قد أشاد بفيلم "رامبو-3" واعتبره أفضل فيلم، متحدثا عن الحاجة إلى روح رامبو من أجل هزيمة السوفيات. وبالفعل، خرج الأميركيون منتصرين في صراعهم مع الاتحاد السوفياتي، فيما اكتسب مسعود لقب "الأفغاني الذي كسب الحرب الباردة".

وقدمت أفلام وثائقية عديدة صورة لبراعته العسكرية في مواجهة القوات السوفياتية. كما كتب ساندي غال، مراسل "آي تي في" المخضرم، سيرته الرسمية تحت عنوان "نابليون أفغانستان". وكان غال قد تابع مسيرة مسعود منذ مطلع الثمانينات، بل حمل إليه رسائل دعم من مارغريت تاتشر، التي زارت ممر خيبر في زيارة شهيرة هدفت إلى تشجيع المجاهدين الأفغان على مواصلة قتال السوفيات.

أ.ف.ب
أفغاني يحمل صورة الراحل أحمد شاه مسعود بينما يسير آخرون خلفه متجهين إلى مسجد في كابول، في 5 ديسمبر 2001

وبات من المعروف اليوم أن الغرب استعان بالأفغان في حربه ضد الاتحاد السوفياتي، ثم أدار لهم ظهره بمجرد خروج الدبابات السوفياتية من كابل. وبعد ذلك، غرقت أفغانستان في حرب أهلية، في وقت راحت فيه دول الجوار تدعم أطرافا متنافسة سعيا إلى التأثير في مآلات الصراع.

وسط تلك الفوضى، كان مسعود القائد الأفغاني الوحيد الذي عاش وقاتل ومات داخل أفغانستان. أما بقية القادة، ومنهم غلبدين (قلب الدين) حكمتيار وإسماعيل خان وعبد الرشيد دوستم وآخرون، فقد عاشوا خارج البلاد، سواء في إيران أو باكستان أو تركيا. أما مسعود فلم يغادر أفغانستان قط.

ومع انسحاب السوفيات ثم انهيار الاتحاد السوفياتي، وبعد أن خلف بوتين بوريس يلتسين في الحكم، أصبح الرئيس الروسي واحدا من رجال الحرب الباردة الذين نظروا إلى مسعود باحترام، وتقبلوا حقيقة الهزيمة أمامه. ومن هنا بدأ دعمه في مواجهة "طالبان" وحلفائها الإرهابيين في تنظيم "القاعدة" بقيادة بن لادن.

وحاول بوتين، من دون جدوى، إقناع الأميركيين بدعم مسعود في مسعاه لقتل بن لادن أو القبض عليه قبل وقوع كارثة كبرى. لكن تلك الكارثة وقعت بالفعل.

لماذا لا يزال مسعود مهماً

في عام 2006، أنتجت شبكة "إيه بي سي" مسلسلا تلفزيونيا بعنوان "الطريق إلى 11 سبتمبر"، استند إلى ما توصلت إليه لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر، وكشف عن جملة من الحقائق المحرجة، في مقدمتها أن إدارة كلينتون كانت قد امتلكت فرصة لاستهداف بن لادن.

وفي معالجة درامية للأحداث، يظهر مسعود وهو يقول: "إنه في مرمانا". لكن وكالة الاستخبارات المركزية ترفض بعد ذلك إعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ ضربة بطائرة مسيرة، كما تحجم عن دعم مسعود في حربه ضد "طالبان"، التي كان يقاتل إلى جانبها آلاف العرب وغير الأفغان بقيادة بن لادن.

أ.ف.ب
مقاتلون من "طالبان" يجلسون على جدار حاجز خرساني رُسمت عليه صورة القائد الأفغاني الراحل أحمد شاه مسعود، أثناء قيامهم بالحراسة عقب سيطرة "طالبان" على أفغانستان، في كابل، في 28 أغسطس 2021

ومع حلول الذكرى الخامسة والعشرين للهجمات، عاد المسلسل مجددا إلى واجهة النقاش، فيما برز مسعود في قلب الرواية باعتباره رمزا لفرصة ضاعت. وكان وقع العمل عند عرضه شديدا إلى حد أن بيل كلينتون مارس ضغوطا لوقف بث شبكة  "إيه بي سي".

لكن الصورة الأوسع، التي غابت عن إدارتي كلينتون وبوش، كانت أحمد شاه مسعود. فلو تلقى دعما في حربه ضد بن لادن و"طالبان"، لما وقعت هجمات 11 سبتمبر. ومن هنا تحديدا تنبع الأهمية الاستثنائية لمسعود.

لكن الصورة الأوسع، التي غابت عن إدارتي كلينتون وبوش، كانت أحمد شاه مسعود. فلو تلقى دعما في حربه ضد بن لادن و"طالبان"، لما وقعت هجمات 11 سبتمبر

وكان مسعود قد حذر الدول العربية من أن هؤلاء المقاتلين العرب سيعودون يوما إلى بلدانهم ويشعلون فيها الحروب إذا لم يجر الانتباه إلى خطرهم. وبالفعل، عانت مصر والجزائر والأردن والسعودية نفسها لاحقا من إرهاب نفذه مقاتلون سبق أن قاتلوا في أفغانستان خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

وتساعد مذكرات عبد الله أنس، صهر عبد الله عزام، التي تتناول تجربة العرب في أفغانستان، على تفكيك عدد من الروايات التي لا تزال متداولة حتى اليوم، وفي مقدمتها الاعتقاد بأن مسعود كان جزءا من التيار المتطرف نفسه الذي انتهى إلى تأسيس تنظيم "القاعدة".

أما كتاب "القافلة"، وهو سيرة لعبد الله عزام كتبها توماس هيغهامر، فيتوسع في تناول الخلافات التي نشبت بين عزام وبن لادن عقب لقاء عزام بمسعود. فأسامة بن لادن ومقاتلوه لم يكونوا معجبين بمسعود، فيما رأى مسعود، منذ منتصف الثمانينات، أن غالبية المقاتلين العرب المرتبطين بأسامة بن لادن يتبنون أفكارا متطرفة.

وقُتل عزام لاحقا، وسط مزاعم بأن بن لادن وجهات باكستانية كانت وراء اغتياله، ثم توالت بعد ذلك الأحداث التي أصبحت اليوم جزءا من التاريخ.

واليوم، مع حلول الذكرى الخامسة والعشرين للهجمات، يستعيد كثيرون داخل وكالة الاستخبارات المركزية، ومعهم عدد من ضباط الحرب الباردة من جيل الثمانينات، ذكرى تلك الفرصة التي ضاعت.

رويترز
صورة بالقمر الاصطناعي تُظهر عمود دخان يتصاعد من موقع مركز التجارة العالمي بعد اصطدام طائرتين بالبرجين في هجمات ١١ سبتمبر

وكما جاء في فيلم "حرب تشارلي ويلسون"، يقول عضو الكونغرس الشهير من تكساس أمام لجنتي الاستخبارات والدفاع النافذتين في مجلسي الشيوخ والنواب: "لقد أفسدنا المرحلة الأخيرة".

فمنذ عام 1989 وحتى هجمات 11 سبتمبر، أدارت الولايات المتحدة ظهرها لأفغانستان. ولا يمكن تحميل مسؤولية ذلك لغير الأميركيين أنفسهم، إذ ظل مسعود يخوض معركته وحيدا، إلى أن اغتيل في تفجير قبل يومين فقط من هجمات 11 سبتمبر.

font change

مقالات ذات صلة