في نهاية أربعة أيام من الأحداث المتسارعة، بدا واضحا في 21 أغسطس/آب1991، فشل انقلاب "لجنة الطوارئ" على الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف. ومع اعتقال قادة الانقلاب، وانسحاب الجيش والقوات الخاصة إلى ثكناتها عاد غورباتشوف إلى موسكو، بعد رفع الإقامة الجبرية المفروضة عليه في بيته الصيفي في شبه جزيرة القرم. ونظريا، انتصر غورباتشوف على فريق المتشددين الذين يريدون عودة التاريخ إلى ما قبل سياسات الغلاسنونست والبيروسترويكا، لكنه عاد إلى بلد آخر من دون أي سلطة له فيها. ونتيجة للانقلاب الفاشل دخلت الدولة السوفياتية في حالة "موت سريري" بانتظار "طلقة رحمة" أطلقتها اتفاقات "بيلوفيجسكايا بوشا" في 8 ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته، الذي انتهى باختفاء الاتحاد السوفياتي، وانتهاء الثنائية القطبية، وتحول الولايات المتحدة إلى القطب المهيمن على العالم. وعاشت الشعوب السوفياتية، وفي مقدمتها شعوب روسيا الاتحادية، أوقاتا عصيبة من الفوضى والأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
صعوبة الإصلاح
واستلم غورباتشوف السلطة في 1985 وأطلق عملية الغلاسنوست (الشفافية والانفتاح)، ولاحقا البيريسترويكا (إعادة البناء) وكشف عن إصلاحات اقتصادية وسياسية بهدف تكييف الاتحاد السوفياتي ليجاري التغيرات الاقتصادية والسياسية في العالم، بعد عقود من هيمنة "الحزب الشيوعي" رغم الاختلافات الكبيرة من حقبة جوزيف ستالين القمعية، إلى "ذوبان الجليد" عبر محاولات نيكيتا خورتشوف التخفيف من عبادة الفرد وحدة الرقابة والقمع، والتي انتهت بإطاحته عن الحكم، إلى عهد "الجمود" في حكم ليونيد بريجنيف والمترافق مع زيادة مستوى الحياة، بفضل ارتفاع أسعار النفط، وتصدير الغاز إلى أوروبا، مع تعمق البيروقراطية والفساد الإداري، مرورا بموت القادة الطاعنين بالسن بعد فترات حكم قصيرة، قبل صعود غورباتشوف أول قائد لم يشارك عمليا في الحرب العالمية الثانية.
وفشلت مخططات غورباتشوف، بسبب الفوضى والخلافات بشأن اختيار نمط ووتيرة الإصلاحات بين القوى السياسية التي تدعو إلى الاستمرار في نمط التطور الاشتراكي من جانب، وبين القوى والحركات السياسية التي تدعو إلى اعتماد مبادئ النمط الرأسمالي في تطور البلاد اللاحق من جانب آخر، إضافة إلى الصراع بين الطرفين حول مصير الاتحاد السوفياتي في المستقبل، والعلاقة بين الجمهوريات السوفياتية وأجهزة إدارة الدولة المركزية. وحسب المعلن تمثلت أهداف غورباتشوف في العودة إلى التقاليد اللينينية الحقيقية. وإصلاح النظام السياسي و"الحزب الشيوعي" (تحويل "السوفيات الأعلى" إلى برلمان). إضافة إلى إنهاء احتكار "الحزب الشيوعي" السوفياتي للسلطة، وإنشاء نظام متعدد الأحزاب. واستحدث غورباتشوف منصب رئيس للاتحاد السوفياتي، ومجلس وزراء من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية يكون مسؤولا أمامه، والعمل على إعداد معاهدة اتحاد عصرية جديدة. وفي الشأن الاقتصادي تركز الصراع حول سرعة تنفيذ خطة الانتقال التدريجي إلى اقتصاد السوق، ففي حين طرح الاقتصادي ورئيس حزب "يابلوكو" لاحقا غريغوزري يافلينسكي برنامجا من 500 يوم للانتقال، طرح نيكولاي ريجكوف، آخر رئيس مجلس وزراء سوفياتي برنامجا حكوميا يتضمن إدخالا مرحليا لآليات السوق في غضون ست سنوات.



