أجرت روسيا، في التاسع عشر من مايو/أيار 2026، مناورات نووية واسعة النطاق امتدت ثلاثة أيام، تضمّنت نقل ذخائر نووية إلى مخازن ميدانية على الأراضي البيلاروسية، في خطوة جاءت تتويجاً لتمارين مشتركة بين موسكو ومينسك. وقد أكد الرئيس فلاديمير بوتين خلالها أن "الثالوث النووي"- المتمثل في القاذفات الاستراتيجية والصواريخ الباليستية وصواريخ الغواصات- يمثل الضمانة الجوهرية للسيادة الروسية.
وقد تزامنت انطلاقة المناورة مع جملة من المعطيات المتشابكة: زيارة بوتين للصين، والتجاذب الدولي المتصاعد حول الملف النووي الإيراني، وحالة الاستعصاء في الحرب الأوكرانية، فضلاً عن تصاعد التوتر في منطقة البلطيق على خلفية حوادث متكررة تتعلق بالطائرات المسيّرة. وليس التلويح الروسي بالورقة النووية جديداً؛ إذ تكرّر التهديد باللجوء إلى السلاح النووي التكتيكي في محطات حرجة من عمر الحرب الأوكرانية، لا سيما على لسان نائب رئيس مجلس الأمن القومي، الرئيس الأسبق ديمتري مدفيديف. غير أن هذه المناورة تبقى غير مسبوقة في حجمها ودلالاتها، إذ تمثل رسالة مزدوجة موجّهة إلى الأوروبيين والأميركيين في آنٍ واحد، وتسلّط الضوء على عمق التوتر بين موسكو وبروكسل حول مستقبل الأمن الأوروبي وموقعه الجيوسياسي. وكما أفضت "العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا" منذ 2022 إلى إعادة الحرب إلى القارة الأوروبية، فإن هذا الاستعراض النووي قد يُعجّل بانخراط أوروبي أعمق وأوسع في هذا الصراع.
دخل العالم عصراً نووياً جديداً منذ تسعينات القرن الماضي، حين اخترقت الهند وباكستان النادي النووي الذي ظلّ حكراً على القوى الخمس المنتصرة في الحرب العالمية الثانية- وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا- إلى جانب إسرائيل التي اعتمدت سياسة الغموض المتعمد منذ نهاية الخمسينات، وكوريا الشمالية التي أجرت تجربتها النووية الأولى عام 2006. وقد ضُبط هذا الانتشار في مرحلة من المراحل عبر معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وبتخلٍّ طوعي من دول مثل جنوب أفريقيا والأرجنتين والبرازيل، إضافة إلى دول كانت في كنف الاتحاد السوفياتي، أبرزها أوكرانيا.

بيد أن عودة الصراع الدولي المحتدم و"الفوضى الاستراتيجية" منذ منتصف العقد الماضي أعاد إشعال الشهية للتسلّح النووي. والأخطر من ذلك أن عولمة التكنولوجيا والتطور الرقمي باتا يهدّدان بتآكل الحواجز التي تحول دون حصول الدول المارقة أو المنظمات الإرهابية والشبكات الإجرامية على أسلحة دمار شامل أو ما يُعرف بـ"القنابل القذرة".
وإن كانت إيران تستأثر اليوم بالاهتمام الدولي، فإن الهاجس النووي لا يقتصر على الشرق الأوسط أو كوريا الشمالية، بل يمتد ليطال منظومة أشمل من ملفات الانتشار النووي التي تعاني من إهمال متراكم ورضا مُخِلّ بالوضع الراهن الهش.
وتتجلى خطورة هذا الوضع في الفشل الذريع الذي مُنيت به المفاوضات التي استضافتها الأمم المتحدة في مايو الجاري، في محاولة لتعزيز التزامات معاهدة عدم الانتشار، بعد أربعة أسابيع من المحادثات التي جرت في ظل مخاوف متصاعدة من انطلاق سباق تسلح نووي جديد. ويُعدّ هذا الإخفاق الثالث على التوالي، إثر فشل مراجعتَي 2015 و2022، مما يكشف عمق الانقسام بين القوى النووية الكبرى حول نزع السلاح والحد من الانتشار.
ويُضاف إلى ذلك فراغ خطير في منظومة الحد من التسلح العالمي، في أعقاب انتهاء صلاحية آخر معاهدة للحد من الترسانات النووية الاستراتيجية الروسية والأميركية في فبراير/شباط الماضي، وذلك في وقت بلغ فيه التوتر الدولي ذروته منذ عقود بفعل حربَي أوكرانيا وإيران. وكانت موسكو قد علّقت رسمياً مشاركتها في المعاهدة في فبراير 2023، محتجّةً باستحالة عمليات التفتيش والوضع الجيوسياسي المتدهور. في المقابل، أبدت واشنطن رغبتها في صياغة اتفاق "أكثر ملاءمة" يشمل الصين، دون أن تُتخذ خطوات ملموسة لتمديد المعاهدة القائمة بصيغتها الحالية.
وتتفاقم مخاطر "العصر النووي الجديد" في ظل نظام تنافسي متعدد الأقطاب، يتوزع فيه النفوذ والمسؤوليات دون أن تتمتع أي قوة كبرى بالقدرة على فرض هيمنة كاملة أو رسم قواعد ملزمة للجميع.

