في 9 يوليو/تموز، وفي مدينة مشهد، سار المشيعون الذين واروا علي خامنئي الثرى خلف لافتة كتب عليها بالإنجليزية: "سنقتل ترمب". لم تكن آية ولا دعاء للشهيد، بل كانت هدفا. ولم يسبق للجمهورية الإسلامية أن حولت جنازة إلى قَسَم بقتل رئيس محدد بالاسم.
وبعد يومين، أيد رأس السلطة ذلك القسم. حيث وصف مجتبى خامنئي، في رسالة مكتوبة، الثأر لأبيه بأنه "مطلب الأمة"، ووعد بأنه "سيتحقق حتما"، وتعهد بتقديم "القتلة المجرمين المجردين من الشرف" إلى العدالة. وفي اليوم التالي، نشرت صحيفة "همشهري"، التابعة لبلدية طهران، صور ثلاثة عشر قائدا غربيا بملابس السجن البرتقالية تحت عنوان "الثأر حتمي"، ووضعت علامات تصويب فوق صورتي دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو. وضمت القائمة أسماء تبدأ بروبيو وهيغسيث، وصولا إلى ستارمر وماكرون وميلوني وميرتس. فهل تستطيع طهران حقا أن تأذن بمحاولة اغتيال رئيس أميركي في منصبه؟ لنبدأ بآليات التنفيذ.
لا يخضع "فيلق القدس"، الذي يدير عمليات "الحرس الثوري" الإيراني في الخارج، لأي وزارة. ويعين "المرشد الأعلى" قائده مباشرة، فيما ترفع الوحدة 840، وهي خلية عملياته الخارجية، تقاريرها عبر التسلسل القيادي نفسه. وتربط حكومات غربية ذلك الجهاز بما لا يقل عن عشرين عملية قتل استهدفت معارضين في الخارج منذ عام 1979، فضلا عن محاولة تفجير تجمع للمعارضة قرب باريس عام 2018، خطط لها دبلوماسي إيراني كان لا يزال في الخدمة. وفي الاغتيالات، يكون تسلسل القيادة هو الأقصر داخل النظام: مكتب واحد وتوقيع واحد. ولمعرفة ما إذا كان الأمر سيبلغ هذه المرحلة، ينبغي التمييز بين ثلاثة أنواع من التهديد تخلط التغطية الغربية بينها.
السجل الأول تنفيسي. تدعو وكالة "فارس" قراءها إلى "الانضمام إلى صفوف الثائرين لدم القائد"، وتنشر "همشهري" علامات التصويب، ويهتف المشيعون باسم شخص بعينه. وهو الأقل خطرا، فالغضب الذي تديره السلطة يبقى تحت إدارتها. أما السجل الآخر، فهو عملياتي ولا يظهر في العلن أبدا. غير أن إدارة الغضب لا تعني السيطرة عليه. ويمكن للسجل العملياتي الآن أن يتحرك من دون أمر من المركز، فيما يمده السجل الأول بالشرعية والمتطوعين.
يجسد التهديد الموجّه إلى ترمب عقيدة عثرت على وجهها. فمنذ عام 1979، ظل عدو الثورة مفهوما مجردا، هو "الشيطان الأكبر"، أي فكرة لا تستطيع أي عملية بلوغها. لكن يناير/كانون الثاني 2020 غيّر ذلك، إذ أجاز ترمب شخصيا الضربة التي قتلت سليماني، ثم حول فبراير/شباط 2026 ذلك الوجه إلى دَين دم. وأصبح ترمب تجسيدا للعدو الذي تحتاج إليه الثورة، إذ يمكن الدعوة من فوق المنابر وفي المطبوعات إلى الثأر من شخص، وهو ما لا يمكن فعله عند الحديث عن حرب مع قوة عظمى.
فهل تستطيع القيادة أن تأذن باغتياله؟ لقد أذنت بذلك بالفعل، بالصيغة الأهم. لا تمثل رسالة مجتبى أمرا عملياتيا، بل تمنح ترخيصا. فالنظام لم يحتج يوما إلى إصدار أمر بالقتل بقدر حاجته إلى إضفاء القداسة عليه. تعود فتوى الخميني ضد سلمان رشدي إلى عام 1989، ونفذها في ولاية نيويورك عام 2022 رجل ولد بعد صدورها بسنوات. بل سبق الترخيص رسالة مجتبى نفسها. فقبلها بأيام، وخلال قمة حلف شمال الأطلسي، كتب النائب حميد رسائي أن ترمب كان "في متناول يدنا" في أنقرة، ودعا إلى إطلاق صاروخ على فندقه. وهكذا وقع مجتبى على ترخيص كان متداولا بالفعل.
ويظهر الدليل في سجل قضائي أميركي. فقد اتهمت وزارة العدل الأميركية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، فرهاد شاكري، وهو عميل لـ"الحرس الثوري" تلقى في أكتوبر/تشرين الأول تعليمات بتقديم خطة لقتل ترمب خلال سبعة أيام. وأبلغوه بأنه إذا تعذر تنفيذها قبل الانتخابات، فعليه إرجاء المخطط، لأن طهران كانت تتوقع خسارة ترمب.

