يبدو لبنان، للمرة الأولى منذ عقود، أمام تحول في البيئة الإقليمية التي أحاطت به فحددت مساراته وأنتجت أزماته أو فاقمتها. فها هو يدخل، بحكم موقعه في قلب المشرق وتداخل أزمته مع أزمات سوريا والأراضي الفلسطينية، في قلب المعادلة الإقليمية الجديدة التي بدأت تتشكل مع ولادة "حلف مكة" بين تركيا والسعودية وباكستان في السابع من أغسطس/آب. فهذا الاتفاق الدفاعي الذي انتقل إلى مرحلة أكثر مؤسسية مع الاجتماع الأول للجنة السياسية والدفاعية المنبثقة منه في إسطنبول في 31 أغسطس، وضع الأسس لبنية أمنية إقليمية قابلة للتوسع، أي إنه لم يعد مجرد إطار للتعاون الدفاعي بين ثلاث دول، بل هو يحاول إعادة بناء المنظومة الأمنية في المنطقة على قواعد مختلفة، في أعقاب انحسار النفوذ الإيراني في الإقليم، وإعادة تعريف المظلة الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط.
فعندما يتحدث البيان المشترك الصادر عن اجتماع إسطنبول عن دعم خفض التصعيد وضبط النفس، وتعزيز الردع والدفاع الجماعي، بما يساهم في الوصول إلى سلام إقليمي عادل وشامل ودائم، فإن لبنان يصبح حكماً جزءاً من هذه المعادلة، في منطقة تتداخل فيها ساحات لبنان وسوريا وفلسطين والعراق والخليج. والتطور المهم هو أن تركيا نفسها بدأت تنظر إلى أمن لبنان باعتباره جزءاً من مجالها الأمني الإقليمي، فعندما يقول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن أمن تركيا يبدأ من دمشق وبيروت، فهو يضع بيروت في قلب معادلة الأمن القومي التركي، وبمعنى أوسع في قلب المعادلة الأمنية التي يسعى "حلف مكة" لتأسيسها، على قاعدة الانتقال من نظام إقليمي كانت إيران تتحكم بمعادلاته الأمنية إلى نظام إقليمي متعدد مراكز القوة، لا قدرة فيه لأي دولة على أن تفرض هيمنة أحادية على المنطقة سواء كانت إيران أو إسرائيل، وذلك في ظل التبدل في طبيعة المظلة الأميركية في الشرق الأوسط.
ومن هذه الزاوية تحديداً تبرز المسألة اللبنانية، على اعتبار أن الحرب الأخيرة في الخليج ولبنان أظهرت حدود قدرة إيران و"حزب الله" على ردع إسرائيل ومنعها من توسيع عملياتها في لبنان. فطهران لم تتمكن من فرض وقف نهائي للاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب حتى عندما كانت الهدنة بينها وبين الولايات المتحدة سارية التنفيذ. ومن جانب آخر لم تفضِ المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل إلى وقف العدوان الإسرائيلي على الجنوب أيضا. والأكثر دلالة أن الخطاب الإيراني نفسه بدأ يكشف عن حدود هذه المعادلة، فعندما يتحدث محسن رضائي عن أن طهران منعت إسرائيل من قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، تصبح الضاحية معياراً للردع، فيما يبدو الجنوب وكأنه مساحة ثانوية في الحسابات الإيرانية. وحين يقول الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم إن "الحزب" منع إسرائيل من الوصول إلى بيروت، فإن خطابه يعكس تحولاً مهماً مفاده أن معادلة الردع لم تعد قادرة على منع إسرائيل من ممارسة الضغط العسكري في الجنوب. وهذا يطرح على لبنان سؤالاً بالغ الأهمية: إذا كانت إيران غير قادرة على وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وإذا كانت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل لم تنتج حتى الآن آلية مستقرة لوقفها، فما المسار الذي يمكن للبنان أن يعوّل عليه؟



