"طالبان" تطرق باب واشنطن بثروات أفغانستان المعدنية

كابول توازن النفوذ الصيني، وترمب يراهن على المعادن والموقع الاستراتيجي

أ.ف.ب
أ.ف.ب
عامل أفغاني في أحد المناجم يسكب الماء على غربال لفصل التراب والحجارة عن شذرات الذهب في وادي غولاك دارا بمنطقة شيوه في ولاية بدخشان شمال شرق أفغانستان، 28 يوليو/تموز 2026

"طالبان" تطرق باب واشنطن بثروات أفغانستان المعدنية

بعد نحو خمسة أعوام من عودتها إلى الحكم، ترسل حركة "طالبان" إشارة سياسية واقتصادية لافتة إلى واشنطن، داعية الولايات المتحدة إلى الاستثمار في المناجم والبنية التحتية الأفغانية، والانخراط اقتصاديا مع البلاد.

جاء العرض على لسان وزير الخارجية في حكومة "طالبان"، أمير خان متقي، خلال مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز" في كابول نُشرت في 31 أغسطس/آب 2026. قال متقي إن أفغانستان سترحب "بشكل مطلق" بالاستثمارات الأميركية في قطاعات التعدين والبنية التحتية والزراعة والتجارة، داعيا إلى بناء العلاقات بين البلدين على أساس التعاون المستقبلي، بدلا من النظر إليها من منظور حرب السنوات العشرين الماضية.

وأضاف: "لا ينبغي تقييم العلاقات بين أفغانستان والولايات المتحدة من خلال عدسة العشرين عاما الماضية من الحرب، بل على أساس التعاون المستقبلي. سياستنا الاقتصادية مفتوحة". لكنه لم يوضح ما إذا كان هذا العرض قد نُقل بصورة مباشرة إلى البيت الأبيض.

يأتي هذا الانفتاح الاقتصادي في إطار مساعي كابول إلى توسيع علاقاتها الخارجية وجذب الاستثمارات الأجنبية، في وقت لا تزال فيه أفغانستان تواجه عزلة ديبلوماسية وضغوطا اقتصادية وعقوبات مرتبطة بحكومة "طالبان" وسياساتها، ولا سيما تجاه النساء والفتيات.

لا تقتصر رسالة "طالبان" على جذب الاستثمارات، بل تتضمن مجموعة من المطالب، أبرزها تخفيف العقوبات الغربية، التي يقول متقي إنها "لم تحقق أهدافها المقصودة"، والإفراج عن الأصول الأفغانية المجمدة، وإعادة فتح السفارة الأميركية في كابول، التي دعا واشنطن إلى استئناف عملها فيها، مؤكدا أن "طالبان" ضمنت أمنها.

"لا ينبغي تقييم العلاقات بين أفغانستان والولايات المتحدة من خلال عدسة العشرين عاما الماضية من الحرب، بل على أساس التعاون المستقبلي"

وزير الخارجية في حكومة "طالبان"، أمير خان متقي

وفي عام 2022، حوّلت واشنطن 3.5 مليار دولار من هذه الأموال، ارتفعت قيمتها لاحقا مع الفوائد، إلى "صندوق أفغاني" مقره سويسرا، بهدف دعم الاستقرار المالي من دون تمكين "طالبان" من الاستفادة المباشرة منه. أما الجزء الآخر، فأصبح موضع مطالبات قانونية من عائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر/أيلول.

أ.ف.ب
وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي (في الوسط) يشارك في الحوار التشاوري بين أفغانستان وآسيا الوسطى في وزارة الخارجية بكابول، 5 أبريل/نيسان 2026

ولم تكن مقابلة "فايننشال تايمز" أول إشارة من نوعها. فقبل نحو أسبوعين، أدلى متقي بتصريحات مشابهة لصحيفة "نيويورك تايمز" نُشرت في 14 أغسطس/آب، دعا فيها إلى إعادة فتح السفارة الأميركية والاستثمار في المناجم والسدود والطرق، لكنه شدد في المقابل على رفض أي وجود عسكري أميركي جديد في أفغانستان.

كنز بتريليون دولار تحت الأرض

ما يجعل العرض الأفغاني جذابا هو الثروة المعدنية الكبيرة الكامنة تحت أراضي البلاد. فالتقدير الشهير الذي يضع قيمة الموارد المعدنية الأفغانية عند أكثر من تريليون دولار يعود إلى تقييمات أميركية أُجريت في نهاية العقد الأول من القرن الحالي، بمشاركة هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS) وفريق وزارة الدفاع الأميركي للأعمال والاستقرار في أفغانستان (TFBSO). ولم يكن الرقم تقييما حديثا لاحتياطيات مؤكدة وقابلة للاستخراج اقتصاديا، بل تقديرا لإمكانات الموارد المعدنية التي كانت تحتاج إلى مزيد من الاستكشاف والتحقق. وشملت التقديرات نحو 800 مليار دولار من الحديد الرسوبي، و200–400 مليار دولار من النحاس، و10 مليارات دولار من القصدير/التنغستن، ومليار دولار من الذهب، إضافة إلى موارد أخرى. 

وقدّرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إجمالي موارد النحاس المعروفة وغير المكتشفة في أفغانستان بنحو 60 مليون طن متري، فيما تتجاوز الموارد المعروفة في منطقة عينك 12.3 مليون طن من النحاس. كما قدرت الهيئة وجود ما لا يقل عن مليون طن متري من موارد العناصر الأرضية النادرة في رواسب خنّشين بولاية هلمند.

ما يجعل العرض الأفغاني جذابا هو الثروة المعدنية الكبيرة الكامنة تحت أراضي البلاد. فالتقدير الشهير الذي يضع قيمة الموارد المعدنية الأفغانية عند أكثر من تريليون دولار يعود إلى تقييمات أميركية أُجريت في نهاية العقد الأول من القرن الحالي

وتبرز منطقة عينك، جنوب شرق كابول، بوصفها من أهم مكامن النحاس في البلاد، إلى جانب رواسب الحديد في حاجي غك، والذهب، والعناصر الأرضية النادرة، والليثيوم وغيرها. لكن هذه الثروة بقيت إلى حد كبير حبيسة الأرض، نتيجة عقود من الحروب، وضعف البنية التحتية، وانعدام الأمن.

أ.ف.ب
عمال مناجم أفغان ينقبون في جبل لاستخراج الذهب في وادي غولاك دارا بمنطقة شيوه في ولاية بدخشان شمال شرق أفغانستان، 28 يوليو/تموز 2026

ومنذ عام 2021، أعلنت "طالبان" صفقات تعدين تتجاوز قيمتها سبعة مليارات دولار، معظمها مع شركات من الصين وإيران وتركيا وقطر، وتركز غالبا على الذهب والأحجار الكريمة والكروميت.

إلا أن كثيرا من هذه العقود يتسم بالغموض، كما أن المواد الخام تُصدّر غالبا من دون معالجة محلية كبيرة، مما يحد من الفائدة الاقتصادية التي تحصل عليها أفغانستان.

أما الولايات المتحدة، فقد أنفقت نحو 963 مليون دولار لدعم تطوير قطاع الصناعات الاستخراجية الأفغاني منذ بدء جهودها في هذا المجال عام 2004 حتى سبتمبر/أيلول 2021، شملت تمويل المسوحات المعدنية والاستكشاف والإصلاحات التنظيمية وبناء القدرات. لكن النتائج بقيت محدودة، إذ خلصت تقارير المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR) إلى أن الجهود الأميركية واجهت عقبات كبيرة حالت دون تطوير قطاع تعدين مستدام وجذب استثمارات واسعة. 

ترمب بين معادن أفغانستان وقاعدة باغرام

حتى الآن، لم يصدر رد رسمي من البيت الأبيض على العرض الأفغاني. لكن إدارة الرئيس دونالد ترمب تبدي اهتماما كبيرا بتأمين سلاسل توريد المعادن الحرجة في مواجهة الصين، وسبق للرئيس الأميركي ترمب أن وقّع اتفاقات تعدين متعددة مع دول أخرى. كما أعلنت الإدارة في أغسطس/آب 2026 أنها وقّعت أو وافقت منذ يناير/كانون الثاني 2025 على 160 صفقة للمعادن بقيمة تقارب 40 مليار دولار. 

غير أن الطريق إلى صفقة محتملة مع "طالبان" لا يخلو من عقبة شديدة الحساسية. فترمب طالب علنا باستعادة قاعدة باغرام الجوية شمال كابول، معتبرا أنها تتمتع بقيمة استراتيجية كبيرة بسبب قربها من منشآت صينية. لكن "طالبان" رفضت هذا المطلب بصورة قاطعة.

وهنا تظهر معادلة شائكة. فـ"طالبان" تعرض المعادن والاستثمارات، لكنها ترفض عودة القوات الأميركية. أما بالنسبة إلى واشنطن، فقد تتقاطع جاذبية الموارد المعدنية الأفغانية مع اعتبارات أوسع تتعلق بأمن سلاسل الإمداد والمنافسة مع الصين، في وقت يحتفظ فيه الموقع الجغرافي لأفغانستان بأهمية عسكرية وجيوسياسية.  

تطبيع عملي من دون اعتراف كامل

لا تبدو "طالبان"، في هذه المرحلة، قريبة من الحصول على اعتراف غربي رسمي. لكنها تسعى إلى ما يمكن وصفه بـ"التطبيع العملي"بما يشمله ذلك من استثمارات، وسفارات، وتخفيف للعقوبات، وإدارة للعلاقات من دون انتظار الاعتراف السياسي الكامل.

حتى الآن، تبقى روسيا الدولة الوحيدة التي اعترفت رسميا بحكومة "طالبان" في أفغانستان في 3 يوليو/تموز 2025، منذ عودة الأخيرة إلى السلطة عام 2021، بعد قبولها أوراق اعتماد السفير الأفغاني الجديد. 

أ.ف.ب
مدير المناجم في حركة "طالبان" بولاية بدخشان، عبد المتين رحيم زاي (في الوسط)، خلال مقابلة مع وكالة "فرانس برس" في مكتبه بمدينة فيض آباد، في ولاية بدخشان شمال شرق أفغانستان، 27 يوليو/تموز 2026

في المقابل، تواجه كابول انتقادات دولية شديدة بسبب سياسات "طالبان" تجاه النساء والفتيات. وفي 14 أغسطس/آب 2026، أكدت اليونيسف أن أكثر من 2.6 مليون فتاة حرمن من التعليم الثانوي منذ 2021، وأن أفغانستان لا تزال الدولة الوحيدة في العالم التي يغلق فيها التعليم الثانوي والعالي فعليا أمام الفتيات والنساء، إلى جانب القيود الواسعة المفروضة على عمل النساء وحركتهن ومشاركتهن في الحياة العامة.

وفي 13 أغسطس/آب 2026، حذر خبراء الأمم المتحدة مجددا من "تطبيع حكم طالبان"، مشيرين إلى أن جيلا من الفتيات حُرم من التعليم الثانوي، فيما فقد جيل آخر من الشابات فرصة الدراسة الجامعية، في ظل استمرار القيود المفروضة على حقوق النساء والفتيات.

محاولة لموازنة النفوذ الصيني

تبقى الصين اللاعب الخارجي الأبرز في قطاع التعدين الأفغاني، ولا سيما في مشروع "مس عينك" للنحاس، الذي مُنح لتحالف صيني عام 2008، لكنه واجه تأخيرات طويلة ولم يبدأ استخراج النحاس منه حتى الآن. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الانفتاح على الولايات المتحدة باعتباره محاولة من "طالبان" لتنويع شركائها الاقتصاديين، وعدم حصر خياراتها الاستثمارية في الصين، وامتلاك مساحة أكبر للمناورة في التفاوض مع واشنطن. 

تبقى الصين اللاعب الخارجي الأبرز في قطاع التعدين الأفغاني، ولا سيما في مشروع "مس عينك" للنحاس، الذي مُنح لتحالف صيني عام 2008، لكنه واجه تأخيرات طويلة ولم يبدأ استخراج النحاس منه حتى الآن

العرض الأفغاني، في جوهره، يجمع بين الديبلوماسية الاقتصادية والضغط السياسي لكسر العزلة: موارد معدنية ضخمة في مقابل السعي إلى تخفيف العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وإعادة توسيع العلاقات الديبلوماسية والاقتصادية مع واشنطن.

أ.ف.ب
شبان أفغان يحملون دمية تجسد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ويجلسون على متن مركبة خلال احتفالات الذكرى الخامسة لعودة حكومة "طالبان" إلى السلطة، في قندهار في 15 أغسطس/آب 2026

لكن أي صفقة محتملة تواجه عقبات ثقيلة، من سجل "طالبان" في حقوق الإنسان، ولا سيما سياساتها تجاه النساء والفتيات، إلى انعدام الثقة المتبادل بعد عقدين من الحرب، وصولا إلى الصعوبات الأمنية والاقتصادية والبنية التحتية المحدودة التي تجعل تحويل الموارد المعدنية إلى إنتاج واستثمارات فعلية مهمة بالغة التعقيد. وتشير دراسة حديثة إلى أن مشاريع التعدين الكبرى في أفغانستان لا تزال تحقق إنتاجا ماديا محدودا رغم العقود والمشاريع المعلنة.

وحتى الآن، لا يتجاوز التطور حدود التصريحات والمقترحات، إذ لم يوضح متقي ما إذا كان العرض قد نُقل مباشرة إلى البيت الأبيض. أما تحوله إلى مسار تفاوضي فعلي فسيتوقف على استعداد واشنطن للانخراط مع حكومة "طالبان"، وعلى الحسابات الأوسع المتعلقة بأمن سلاسل إمداد المعادن الحرجة، والمنافسة مع الصين، ومصالح الولايات المتحدة في أفغانستان والمنطقة. وتؤكد إدارة ترمب بالفعل أن تأمين إمدادات المعادن الحرجة يمثل أولوية للأمن القومي الأميركي.

font change