منذ إقامة إسرائيل عام 1948، لم تكن سوريا، في حساباتها وإدراكاتها الاستراتيجية والسياسية والعسكرية، مجرد بلد جوار، أو بلدا عاديا، إذ يمثّل جبهة مواجهة، وتحديا أمنيا وسياسيا، وعقدة جغرافية، مع تأثيراته الثقافية والاجتماعية في عموم المنطقة العربية.
إضافة إلى ما تقدم ثمة ما يميز سوريا، باعتبار الشعب الفلسطيني جزءا من مجتمعات بلاد الشام، من مختلف النواحي، فهي بمثابة بلد مفتاحي، أو أساسي، في المشرق العربي، خاصة في حال قيام نوع من التكامل أو التعاضد بينها وبين مصر أو العراق، وصولا إلى دول الخليج العربي، وهو ما حرصت إسرائيل على الحؤول دونه بمختلف الأشكال والوسائل.
هكذا، فإلى جانب أن سوريا بحكم موقعها لعبت دورا أساسيا في الصراع العربي-الإسرائيلي، وكانت ضمنه في مجمل الحروب العربية-الإسرائيلية في مختلف العهود، ومع اعتبار حرب 1973 هي بمثابة آخر الحروب الدولتية العربية ضد إسرائيل، فقد لعبت دورا أساسيا أيضا، في دعم أنشطة الفصائل الفلسطينية، و"حزب الله" اللبناني، ضد إسرائيل، في نصف القرن الماضي، بما في ذلك كونها جسرا بين إيران ولبنان، بغض النظر عن التوظيفات السياسية الداخلية والخارجية لذلك، على الرغم من نأيها بذاتها عن أي صدام مع إسرائيل، باستثناء لحظة التصادم في البقاع اللبناني، إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
وتبعا لكل ما تقدم فقد عرّفت إسرائيل حدودها مع سوريا باعتبارها أهدأ حدود لها، إذ ظلّت سوريا في عهد نظام الأسد (الأب والابن) تتجنّب أي رد على اعتداءات إسرائيل عليها وانتهاكها لسيادتها، مبررة ذلك بمقولتها الشهيرة: "الرد في المكان والزمان المناسبين"؛ أي أن النظام السوري كان يقول شيئا، باعتباره ضمن محور "المقاومة والممانعة"، ويفعل شيئا آخر.
المداخلات الإسرائيلية بعد التغيير السوري
اللافت أن إسرائيل التي تعايشت مع نظام الأسد، وجيشه، وقدراته العسكرية، لأكثر من نصف قرن، سارعت بعد انهياره في 8/ 12/ 2024، إلى توجيه التهديدات إلى سوريا، وانتهاك سيادتها، عبر ثلاثة مداخل: الأول، الاعتداء على أراضيها، مع شن حملة عسكرية واسعة، نجم عنها تدمير البني التحتية للجيش السوري، وكل قطعاته العسكرية، الجوية والبرية والبحرية، وهو أمر بات بمثابة سلوك روتيني للجيش الإسرائيلي، على الحدود، داخل الأراضي السورية. والثاني، تهديد سوريا، نظريا وعمليا، ببذر الانقسامات فيها، جغرافيا واجتماعيا، بدعوى "حماية الأقليات"، وهو ما فعلته، إبان أزمة السويداء، بالتدخل العسكري المباشر في يوليو/تموز 2025، والذي توقف بضغط أميركي. والثالث، المطالبة بإخلاء محافظات الجنوب السوري (السويداء ودرعا والقنيطرة) من أي تواجد عسكري للجيش السوري، لضمان أمن إسرائيل؛ وهو ما تحاول إسرائيل فعله في لبنان أيضا.
يقول آفي أشكينازي، في مقال عنوانه: "إسرائيل تغيّر قواعد اللعب في الشرق الأوسط"، أن إسرائيل "حددت، من خلال الأفعال، منطقة بعمق 80 كيلومتراً مربعاً على الحدود داخل الأراضي السورية، خالية من سلاح النظام السوري والميليشيات والتنظيمات "الإرهابية"، وفي طليعتها "حماس" و"حزب الله". (معاريف، 13/ 3/ 2025).


