دراما فلسطين... حين تحضر القضية ويغيب المكان

حضور انفعالي يرتبط بالأحداث الكبرى

 REUTERS/Mohammed Torokman
REUTERS/Mohammed Torokman
امرأة تسير في البلدة القديمة في نابلس خلال شهر رمضان، في الضفة الغربية المحتلة، 24 فبراير 2026

دراما فلسطين... حين تحضر القضية ويغيب المكان

تغيب الدراما الفلسطينية غيابا لافتا عن الشاشة الصغيرة في العالم العربي، إلا حين يتعلق الأمر بالأحداث الميدانية الجارية مثل حرب الإبادة التي تجلت في المسلسل المصري، "صحاب الأرض"، الذي عرض في رمضان الماضي لبيتر ميمي، وقبل ذلك أحداث اجتياح الضفة الغربية ومعركة مخيم جنين مع مسلسل "الاجتياح" الذي أخرجه شوقي الماجري وكتبه رياض سيف.

ومع ذلك فإن الدراما الفلسطينية الحقيقية تغيب، بقدر غياب فلسطين نفسها، لا كقضية بل كبلاد ومجتمع وعلاقات. ورغم أهمية الموضوع الفلسطيني الذي يحتل مكانا خاصا عند الجمهور العربي، فإنه يغيب ولا يظهر إلا بين فترة وأخرى.

ربما يظل مسلسل "التغريبة الفلسطينية" للراحل حاتم علي الذي كتبه وليد سيف، علامة فارقة في الدراما العربية عن فلسطين والمسلسل الأكثر حضورا في ذاكرة الناس. مع ذلك ثمة مسلسلات أخرى لافتة سعت لتجسيد الحكاية الفلسطينية في سياقها الوطني العام، منها مسلسل "عائد إلى حيفا" عن رائعة غسان كنفاني الذي أخرجه قاسم حول في 1980، ومسلسل "عز الدين القسام" الذي كتبه الشاعر الفلسطيني الراحل أحمد دحبور وأخرجه هيثم حقي في 1981، وظهرت فيه الكثير من أغاني فرقة "العاشقين" التي كتبها دحبور أيضا، ومسلسل "أنا القدس" (2010) الذي كتبه وأخرجه باسل الخطيب، ويتعرض لتاريخ مدينة القدس في خمسين عاما منذ وقوعها تحت الاحتلال البريطاني عام 1917 حتى احتلال شطرها الشرقي من قبل الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، و"حارس القدس" (2020) لباسل الخطيب أيضا الذي يروي سيرة المطران الراحل هيلاريون كابوتشي ونضاله ضد الاحتلال في المدينة المقدسة وسجنه ونفيه بعد ذلك.

حضور جانبي

هذا إلى جانب الحضور الجانبي في خلفية بعض المسلسلات العربية، حيث يظل حاضرا النضال ضد المستوطنين اليهود وبعد ذلك تبعات النكبة. ولا يكاد يخلو مسلسل عربي يتناول التاريخ المعاصر، خاصة في الدراما المصرية أو السورية، دون الإشارة إلى المشروع الاستيطاني الصهيوني في البلاد وربط بعض شخصيات تلك المسلسلات بهذا النضال. نجد ذلك في بعض المسلسلات الكبرى من "ليالي الحلمية" و"أوراق مصرية" إلى "باب الحارة". ومع ذلك لا نجد مشاهد تدور في فلسطين إلا في الحدود الدنيا للمشاهد الداخلية.

استحضار فلسطين في الدراما التاريخية يأتي من قبيل "المصادقة" التاريخية على الحقبة الزمنية التي يدور فيها المسلسل

تغيب فلسطين إذن كمكان عن الدراما فيما تظل الإشارات لما تعانيه. واستحضار فلسطين في الدراما التاريخية، مع استثناءات قليلة، يأتي من قبيل "المصادقة" التاريخية على الحقبة الزمنية التي يدور فيها المسلسل، مثلما هي الحال مثلا في مسلسل "أوراق مصرية" من تأليف طه حسين سالم وإخراج وفيق وجدي، الذي يقع النضال ضد الصهيونية في قلب حبكته مع وجود مجموعة فدائيين فلسطينيين في القاهرة، أو "ليالي الحلمية"، رائعة أسامة أنور عكاشة وإسماعيل عبد الحافظ الذي يمس الجزء الخامس منه الانتفاضة عبر شخصية سهيلة الفتاة الفلسطينية التي تتزوج من عادل البدري (هشام سليم)، وقبل ذلك في الأجزاء المبكرة التي تربط بين العمل الفدائي في القناة وقضية فلسطين. وهو ربط يمكن فهمه ويبدو طبيعيا في ظل سياق الكفاح ضد الاستعمار ومركزية القضية الفلسطينية في الوعي العربي العام.

 IMDb
من مسلسل "التغريبة الفلسطينية"

كذلك مسلسل "زيزينا" لأسامة أنور عكاشة وجمال عبد الحميد، إذ تظهر شخصية عزوز الذي تنقطع أخباره فنكتشف أنه ذهب الى يافا وعاش هناك وتزوج من فلسطينية ستلجأ الى مصر بعد النكبة. ذلك أن دول الجوار، خاصة مصر وسوريا والأردن، شاركت في القتال ضد العصابات الصهيونية، وتظل هذه المشاركة محورية في التاريخ الوطني لهذه الدول كما هي بالنسبة الى دول أخرى مثل لبنان والعراق. مع ذلك تبدو أكثر أهمية في التاريخ السياسي المصري لارتباطها بالسلاح الفاسد وبقتال جمال عبد الناصر وحصاره في الفالوجا، وما للهزيمة من دور في ثورة يوليو عام 1952. كذلك الحال حين يتعلق الأمر بتاريخ المجتمع الأردني، إذ نجد مثلا أن مسلسل "وجه الزمان" عام 1988 الذي كتبه طاهر العدوان يعالج التحولات في المجتمع الأردني في ظل التطورات في فلسطين إثر النكبة، فتحضر الأحداث الكبرى وقتال الجيش الأردني خلال النكبة واللجوء الفلسطيني الى المملكة وغير ذلك.

حتى حين ظهر الاهتمام الفلسطيني بالسينما بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية في بدايات ستينات القرن الماضي، في ما عرف بـ"سينما الثورة" على يد مصطفى أبو علي وهاني جوهرية وسلافة جاد الله، فإن القصد كان توظيف الفن السابع في خدمة الثورة، وكان حضور الدراما قليلا لحاجتها الى تلفزيون وطني وجمهور مختلف. 

MAHMUD HAMS / AFP
نساء فلسطينيات يجلسن على أراجيح في مقهى على كورنيش شاطئ مدينة غزة، 25 سبتمبر 2019

تفكك النسيج الاجتماعي

بالطبع كان يمكن الحياة الفنية في فلسطين أن تتطور وتواصل البلاد ريادتها وحضورها الفني لو لم تحدث النكبة في 1948، فالبلاد التي شهدت نهضة فنية مميزة وكانت مدنها الكبرى مثل القدس ويافا وحيفا حواضر ثقافية وفنية ومحج كل باحث عن الحضور والانتشار، والتي ولدت فيها السينما العربية علي يد الأخوين لاما وكان فيها نقابة تمثيل في حيفا. تلك البلاد وجدت نفسها نسيا منسيا، وانشغلت بهمها الوطني بعد سرقتها. فضاعت القرية الفلسطينية وضاعت المدينة وتفكك النسيج الاجتماعي وتبدلت العلاقات الاجتماعية الداخلية وطغى النضال الوطني والكفاح التحرري على هموم الناس بشكل واضح. وهو ما انعكس جليا في الصورة النمطية عن الحياة فيها وصورة الآخرين عنها.

أمام قضية كبرى تغيب تفاصيل الحياة وحتى يغيب المكان لأن المقصود هو الكفاح من أجل المكان لا المكان بحد ذاته

فمع ذهاب المكان الفلسطيني، صار صعبا تجسيده دراميا في المكان نفسه بعد هدمه أو سرقته وتشويه معالمه، والأهم أنه لم ينم ولم يتوسع. وكما غابت المدينة الفلسطينية عن الرواية وساهم غيابها في تأخر تطور الرواية، كما أشرنا في مقال سابق في "المجلة"، فإن غياب المدينة الفلسطينية ترك أثرا واضحا على غياب الدراما الفلسطينية أو تلك الدراما عن فلسطين. ورغم أن الدراما التاريخية يمكن أن تعيد تشكيل المكان عبر تجسيده أو إعادة بنائه، إلا أن الأمر لم يكن له علاقة فقط بغياب المكان بل في "الموضوع"، وحين يتعلق الأمر به، فإن الموضوع الفلسطيني ينحصر عادة في القضية الفلسطينية، وأمام قضية كبرى تغيب تفاصيل الحياة وحتى يغيب المكان لأن المقصود هو الكفاح من أجل المكان لا المكان بحد ذاته، أما من يعيشون فهم المقاتلون من أجل المكان، لا حياة أخرى لهم. وبقدر أهمية ذلك، إلا أنه عنى أشياء كثيرة لعل أهمها خلق شعور خفي من الرتابة في تكرار الموضوع نفسه وضيق مساحات المعالجة الدرامية. فطالما أن الموضوع يتركز في خط درامي واحد، فإن آفاق تطور أعمال درامية متعددة حوله تبدو غير مشجعة.

انطباعان متداخلان يتولدان لدى المرء في هذا السياق، يتعلق الأول بعدم الحاجة لتكرار دراما النكبة، فوجود مسلسل أو اثنين يعالجان القضية يفي بالغرض، ويشير الثاني إلى حصر الموضوع الفلسطيني والحياة في فلسطين بالصراع، على مركزيته، والتغافل عن حقيقة أن الشعب الفلسطيني مثل بقية المجتمعات لديه مشاكله وتناقضاته وصراعاته التي هي جوهر الدراما.

في ما يتعلق بالانطباع الأول، فإن الحقيقة هي أن عمق الموضوع الفلسطيني وبشاعة ما جرى من أحداث خلال النكبة، لا بد أن يكونا مصدر حكايات لا تنتهي، فالقصة ليست مجرد عصابات جاءت إلى القرية وطردت أهلها، بل هي أعمق من ذلك بكثير. ولعل تاريخ الدراما والسينما العالميتين يكشف لنا كيف أن الأحداث الكبرى تظل دائما مصدرا لمئات الأعمال الفنية. الحرب العالمية الثانية مثلا، وكذلك الحرب العالمية الأولى، والثورة الفرنسية، والحرب الأهلية الأميركية. فلا يكاد يخلو عام من إنتاج فيلم أو مسلسل عن واحد أو أكثر من هذه الأحداث، حيث قوة التاريخ دافع حاسم في صناعة الدراما. والنكبة الفلسطينية لا يمكن استنفاد كل جوانبها في بضعة مسلسلات، كما لا يمكن أن يكون إنتاج مثل هذه المسلسلات مملا للجمهور إذا ما عولجت ضمن حكايات جذابة وصياغات درامية شيقة، بل على العكس وجب دائما العمل على تأكيد المتن السردي للنكبة من أجل ضمان حضورها الدائم في وعي الأجيال ضمن النضال لتثبيت السردية العربية عن فلسطين، في صراع يتسم في جوهره بالعمل الحثيث على تشويه هذه السردية ونفيها.

 SAID KHATIB / AFP
أطفال فلسطينيون يلعبون على شاطئ مدينة رفح، جنوب قطاع غزة، 15 يونيو 2022

تعميمات ونمطيات

أما في ما يتعلق بالانطباع الثاني، فإنه ينطوي على تجن كبير على المجتمع الفلسطيني حيث الركون إلى تعميمات جاهزة وصور نمطية عامة تصلح لأي سياق آخر، من باب أن المجتمع المنشغل بقضيته الوطنية لا مكان فيه لأي دراما أخرى، وكأن الشعب الفلسطيني لا يعيش ولا يحب ولا يكره ولا يتفاعل ضمن أنساق اجتماعية متباينة وشائعة. تماما مثلما تقوم الحروب بتحويل الضحايا إلى أرقام ويتم تجاهل واقعهم الحياتي وقصصهم الشخصية. يصوغ هذا الافتراض مقاربته وفق جنوح لتحويل الفلسطينيين إلى ترس في ماكينة صراع طاحنة يفقدون فيها إنسانيتهم فلا يعودون يذهبون الى المقاهي أو يقيمون حفلاتهم ويتزوجون ويحبون ويكرهون إلخ.

يصوغ هذا الافتراض مقاربته وفق جنوح لتحويل الفلسطينيين إلى ترس في ماكينة صراع طاحنة يفقدون فيها إنسانيتهم

وقد بدا لافتا في هذا السياق تركيز الإعلام المرئي مثلا على جمال مدينة غزة بعدما دمرتها حرب الإبادة، إذ تم تداول مقاطع فيديو لشارع الرشيد وهو يعج بالحياة، وللمقاهي والفنادق والميادين العامة وغيرها. وفيما كان أهل غزة يتداولون هذه الفيديوهات وينشرونها ويعممونها من باب الحنين القاتل، وهم يرون مكانهم يضيع، كان الإعلام يكتشف غزة الأخرى التي ضاعت خلف نضارة الصور النمطية، كأنه اكتشف أن غزة مدينة مثل بقية مدن العالم. كان يجب أن يتم تدمير غزة حتى ترى مدينة تستحق الحياة.

 Jewel SAMAD / AFP
أطفال يسيرون في مياه البحر على شاطئ في مدينة غزة عند الغروب، 14 يونيو 2023

من هنا، فالافتراض أن الموضوع الفلسطيني يمكن حصره بالخط العام للصراع، على أهمية ذلك، هو افتراض يسهم في تهميش الفلسطينيين وتحييد حياتهم وحصرها ضمن أطر جاهزة تفكك ضمن محددات لا تستقيم إلا بمعالجة جانب من جوانب الصراع. وفيما لا بد دائما من استذكار الصراع وحلوله في تفاصيل حياة الفلسطينيين لأنه يتعلق بالمكان وبالذاكرة كما بالبحث عن المستقبل الضائع، فإن ثمة حاجة لاستحضار المجتمع والمدينة والقرية الفلسطينية. فلسطين مليئة بالحكايات وهي مثل كل مجتمع لها قصصها وعوالمها المتجددة. ومن المؤلم كيف يتم تجاوز الواقع الفلسطيني العادي في الدراما التلفزيونية رغم ما تمتعت به فلسطين من مكانة في عملية التحديث في المنطقة العربية في المئة عام التي سبقت النكبة، وما وصلت إليه الحياة في فلسطين من رقي في قطاعات الحياة كافة، وهي المكانة التي استمرت بعد النكبة من خلال مساهمات الفلسطينيين في الكثير من بلدان الجوار والبلدان العربية الأخرى في الفنون والتعليم والبناء والاقتصاد.

محاولات فلسطينية

بالتوازي مع ذلك، هناك بعض الحالات الفلسطينية التي شهدت صناعة دراما فلسطينية صرفة، وقدمت الحياة العادية في فلسطين وقصص الناس العادية في المدن الكبرى، مثل القدس وغزة ونابلس أو في الريف الفلسطيني، فحظيت هذه الدراما بمتابعة محلية عالية ونجحت في دخول قلوب الناس وصارت جزءا من شغفهم بالدراما. بل إن لحظة بثها كانت تنافس المسلسلات العربية محليا على نسب المشاهدة في القنوات المحلية. وهي في مجملها مسلسلات كانت تتحدث عن الناس العاديين في فلسطين وعن تفاصيل يومهم وعلاقاتهم، دون أن تغفل قضيتهم الوطنية. فهناك مسلسلات قدمت الفلسطينيين بوصفهم بشرا عاديين يعيشون حياتهم بحلوها ومرها ويعيشون تناقضات مختلفة ومتباينة ويصارعون من أجل تحقيق أحلامهم الشخصية البسيطة.

استحوذت هذه المسلسلات على اهتمام المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، وشكلت مدونة دراما فلسطينية محلية يعرفها الناس. أبرز هذه النماذج هو "ليالي الصيادين" الذي أخرجه صلاح القدومي وكتبه عبد الفتاح مقداد وظهرت فيه كوكبة من نجوم غزة مثل أكرم عبيد وجواد حرودة وصائب السقا وأحمد الشيخ. المسلسل أنتجه "تلفزيون فلسطين" عام 1996 وكان باكورة إنتاج التلفزيون الفلسطيني الذي تأسس بعد إنشاء السلطة الفلسطينية حين كان مقر التلفزيون في غزة.

الانتفاضة الثانية، وبعد ذلك الاجتياحات المتواصلة، أعاقت استمرار مثل هذه المشاريع الطموحة التي كان يمكن تراكمها أن يخلق دراما فلسطينية 

 تدور أحداث المسلسل في مقهى للصيادين قرب ميناء غزة حول تفاصيل الحياة اليومية في القطاع وهموم الناس وأحلامهم وصراعهم الشخصي البسيط والعادي. حظي المسلسل بمتابعة كبيرة وظل في ذاكرة الناس إشارة مضيئة الى الزمن الجميل والحياة البسيطة. وكانت شخصية "أبو الشر" التي جسدها باقتدار الفنان جواد حرودة واحدة من أبرز الشخصيات الفنية الفلسطينية في ذاكرة أهل غزة. ولا يزال الناس بالطبع حين يرون الفنان جواد حرودة ينادونه "أبو الشر". وقد أنتج "تلفزيون فلسطين" في السنوات التالية بعض المسلسلات الأخرى خلال تلك الفترة المبكرة التي شكل إنتاجها آنذاك التفاتة جادة نحو تطوير دراما فلسطينية، على غرار تلك الانتاجات التي كانت تقوم بها التلفزيونات العربية. لكن الأحداث المتصاعدة، خاصة مع اندلاع الانتفاضة الثانية، وبعد ذلك الاجتياحات المتواصلة، أعاقت استمرار مثل هذه المشاريع الطموحة التي كان يمكن تراكمها أن يخلق دراما فلسطينية منافسة.

كما شهدت السنوات الماضية ظهور مسلسلات فلسطينية جادة نجحت أيضا في لفت اهتمام الجمهور مثل مسلسل "كفر اللوز" الذي كتبه وأخرجه بشار النجار وتدور أحداثه في قالب اجتماعي كوميدي ساخر ولكن نقدي. يجسد المسلسل الحياة في قرية فلسطينية تتصارع ثلاث عائلات فيها على رئاسة المجلس القروي. ورغم أن المسلسل بطريقة أو بأخرى يلحق بركب النمط الشائع في الدراما العربية التي تعالج قضايا القرى والمناطق الريفية، إلا أنه لأول مرة قدم الريف الفلسطيني كما هو، وركز على الحياة العادية ضمن تفاصيلها الاجتماعية والصراعات المتداخلة فيها التي تتوزع بين صراعات طبقية وانقسامات اجتماعية وصولا اصراع الأجيال.  

 IMDb
ملصق مسلسل "أم الياسمين"

كما أخرج النجار العديد من المسلسلات الأخرى التي تدور أحداثها في الضفة الغربية مثل مسلسل "أولاد المختار"، ولكني سأتحدث عن مسلسل "أم الياسمين" الذي تدور أحداثه في مدنية نابلس (التصوير في قرية عيبوين قرب رام الله) في فترة الانتداب البريطاني، إذ شكل خطوة مهمة في ترسيخ المسلسلات التاريخية الفلسطينية حيث يستحضر الحياة اليومية في نابلس وعادات الناس وتفاصيلهم الاجتماعية في إطار درامي شيق. اعتمد المسلسل على التمويل الذاتي والمحلي ولم يحظ بدعم مالي كبير، ومع ذلك حقق نجاحا لافتا وقدم الحياة الفلسطينية في تلك الفترة بعيون فلسطينية، والأهم أن التصوير تم في مكان فلسطيني وفي سياق ذاكرة فلسطينية.

يشكل غياب الدراما الاجتماعية والتاريخية في سياقها المجتمعي قصورا فلسطينيا أولا، ثم عربيا، في تعزيز حضور السردية الفلسطينية أمام الجهود المبذولة لتهميشها

واللافت في المسلسل هو الحضور الكثيف والحيوي للتفاصيل اليومية في مدينة عريقة مثل نابلس. ففي خضم نشرات الأخبار والتقارير الصحفية والقتل والتدمير، يكاد المرء ينسى أن نابلس واحدة من أعرق وأجمل المدن العربية التي حافظت على عمارتها القديمة وقصورها ومبانيها العامة وأزقتها.

كما أن هناك مسلسلات تطرقت الى مراحل مختلفة من النضال الوطني، سواء في حقبة الاستعمار البريطاني وتسليم البلاد للمستوطنين اليهود أو ما تلا ذلك من نكبة وتشريد وصولا إلى الأحداث المعاصرة. نذكر منها "ميلاد فجر" الذي أخرجه حسام أبو دان، و"الفدائى" لمحمد خليفة، من مسلسلات أنتجت في غزة خلال السنوات الماضية وعالجت قضايا تتعلق بالكفاح الوطني فيها ضمن قوالب موجهة.

font change

مقالات ذات صلة