حين يقف زائر أمام تابوت مصري قديم لا تزال ألوانه واضحة بعد ثلاثة آلاف عام، ينشغل عادة بما يراه، سواء صورة لوجه المتوفى، أو الآلهة، أو النقوش، أو حتى درجات الأحمر والأخضر والأزرق، والرموز المرتبطة بالموت والبعث والحياة الأخرى. لكن وراء كل هذه الصور توجد مشكلة تقنية بسيطة كان على الفنان المصري القديم حلها قبل أن يبدأ، فكيف يجعل اللون يلتصق بالخشب أو الحجر أو الجص؟
فمسحوق الصبغة وحده لا يكفي، ولذلك كان لا بد من إضافة مادة عضوية تعمل كرابط يمسك حبيبات اللون ويثبتها على السطح. وبعد آلاف السنين اختفت هذه المواد تقريبا عن العين، لكن بعض جزيئاتها بقيت مختبئة داخل طبقات الطلاء.
هذه البقايا المجهرية هي ما بحث عنه فريق دولي من العلماء في دراسة حديثة منشورة في دورية "ساينس أدفانسس"وقادتها الباحثة كلارا غرانزوتو استخدمت خلالها تقنية تعرف باسم "البروتيوميات القديمة" أي دراسة البروتينات التي بقيت محفوظة في المواد الأثرية. وكانت النتيجة أشبه بفتح صندوق غير مرئي من مكونات ورشة الفنان المصري القديم بعد اكتشاف غراء مصنوع من الأبقار والأغنام أو الماعز والخيول والحمير وبعض الظباء، وبروتينات من البيض، وآثار لمنتجات من القمح والحبوب، ثم المفاجأة الكبرى، وهي العثور على بروتينات من بذور السمسم والمورينجا داخل بعض طبقات الألوان.
مادة الغراء
للوصول إلى هذه النتائج، لم يدرس الباحثون قطعة واحدة أو فترة زمنية قصيرة. فقد حللوا 28 عينة صغيرة للغاية مأخوذة من 14 قطعة مصرية قديمة يعود تاريخها إلى الفترة الممتدة من نحو 1425 قبل الميلاد حتى 400 ميلادية. شملت المجموعة توابيت خشبية، وأجزاء من رسوم جدارية من مقبرتي نب آمون وسوبك حتب، وقطعا من الكارتوناج والجص الملون، وعناصر معمارية مطلية. وجاءت القطع من مجموعات المتحف البريطاني في لندن، ومتحف البحر المتوسط في ستوكهولم، ومتحف ني كارلسبرج غليبتوتيك في كوبنهاغن.
لم يكن الباحثون يبحثون فقط عن الصبغات التي منحت الأعمال ألوانها، بل عن المادة التي أمسكت بهذه الصبغات في مكانها أو استخدمت للصق أجزاء القطعة بعضها ببعض. وهذه المواد أصعب كثيرا في دراستها من المعادن، لأنها عضوية وتتحلل بمرور الزمن، كما أن القطع الأثرية مرت بتاريخ طويل من الدفن والتنقيب والنقل والترميم، وهو ما يعني أن أي بروتين يعثر عليه العلماء يمكن نظريا أن يكون أصليا أو أن يكون قد أضيف خلال عملية حفظ حديثة.



